في ذكرى استشهاده ننتظر إنفاذ الوصية

عيسى عبدالقيوم

كلما نظرت الى أخر صور شيخ الشهداء عمر المختار تمثلت فيه قول الإمام الشافعي :

(عَلَيه) ثِيابٌ لَو تُباعُ جَميعُها.. بِفَــــلسٍ لَكانَ الفَلــــــسُ مِنهُنَّ أَكثَرا
(و) فيهِنَّ نَفسٌ لَو تُقاسُ بِبَعضِها.. نُفوسُ الوَرى كانَت أَجَلَّ وَأَكبَرا

وكم صدق فيه قول أمير الشعراء أحمد شوقي عندما وصفه فى رثاءه الشهير بقوله :

يا أيها السيـف المجـــرَّد بالفلا .. يكسو السيوف على الزمان مضاء
خُيّرت فاخترت المبيت على الطوى .. لم تبن جاهاً أو تلـــــــم ثــراء

سي عمر الشيخ الذي امتطى ال70 عاماً وقاد جهاداً في الزمن الصعب ليحوّل تلك السنين العجاف إلى تاريخ لم يعد يفخر به، ويحترمه الليبيون فقط، بل بات رمزاً للبطولة في كل العالم .. فعندما قال مقولته الشهيرة لقرسياني في لقاءه معه في بنغازي : “عمري سيكون أطول من عمر شانقي” !!.. كان كمن يقرأ في لوح الغيب .

لقد حمل ورفاقه تبعة أن لا يسجل التاريخ علينا اقتحام أمة من الجبناء أو شعباً لا يستحق الحياة فترك لنا ميراثاً كبيراً يطاول الجوزاء .. ولم ترث منه عائلته فلساً أو قراطاً .. ترك لنا الحجة الدامغة على حقنا في الحياة فوق الأرض وتحت الشمس .. التي من وحي إشعاعها ما قيل عن محاولة مندوب فرنسا في الأمم المتحدة مشاكسة الوفد البرقاوي الذاهب للبحث في ملف الاستقلال بقوله : أنتم أمة من البدو ليس لديكم قدرة على إدارة دولة؟!.. فأجابه رفيق المختار (وقائد أركانه) الشيخ المجاهد عبدالحميد العبار : لقد أحتل هتلر بلدكم، ولم تدافعوا عنها أكثر من 3 أيام !!! .. وقاتلنا نحن ايطاليا الفاشية دفاعاً عن بلدنا 20 سنة !!.. أفلا نستحقه

رحم الله شيخ الشهداء .. وفى ذكرى استشهاده نؤكد على المطلب الشعبي بأن يعاد دفنه حيث دفنه رفاقه في الجهاد .. وحيث أقر ذلك واعتمده قائده الأعلى في مرحلة الجهاد “الملك ادريس السنوسي” رحمه الله .. أي في ذات مكان الضريح وسط مدينة بنغازي لأنه بمثابة “الوصية” .. وصية رفاقه في الجهاد ووصية الملك “السنوسي” الذي كان المختار أحد رموز طريقته وقائد جنده .. والشكر الجزيل لكل من يعمل هذه الأيام على عودة بناء ضريح المختار الذي يعتبر “تاج” المدينة في شكله وقيمته وموقعه

رحمك الله يا سي عمر، وسنظل كل عام نستذكر تاريخك وتاريخ كل من جاهد معك أو عمل من بعدك على تحقيق استقلال الوطن الذي من أجله ضحيتم بأرواحكم ولم يطرف لكم جفن خوفاً من مواجهة القدر .. فلم يخش أحدكم أسقط على الموت أم سقط الموت عليه .

شيخ تمالك سنه لم ينفجر .. كالطفل من خوف العقاب بكاء
وأخو أمور عاش في ســرائها.. فتغـــيرت فتوقع الضــراء

وسنظل نرقب بعين الريبة لكل من جلب الاستعمار والدمار لوطن هذا حجم تضحياته .. من أجل طموح شخصي أو قبلي أو جهوي لا يمثل ولا يشبه نضال الأجداد في شيء .. ولا يحمل إلا روح الخنوع والهزيمة والعار لهم، ولمن صفق لهم “فالصيت أطول من العمر” ولنا في سيرة سي عمر خير موعظة لو كانوا يعقلون .

في ذمة الله الكـــريم وحفظه .. جــسد ببرقة وسـّد الصحراء
لبّى قضاء الأرض أمس بمهجة.. لم تخـش إلا للسماء قضاء
وافاه مرفــوع الجـبين كأنه.. ســقـراط جرّ إلى القضاة رداء

الوسوم