تقرير صحفي.. حكاية علي الصومالي وآخرين مع خفر سواحل «السراج»

قبل القصف في تاجوراء، حذر المحتجزون بالفعل من إمكانية استهدافهم. فقد احتُجزوا داخل مجمع عسكري، وأُمر البعض بالعمل في مخازن الأسلحة. كما اتهم الناجون حكومة الوفاق التي تتخذ من طرابلس مقراً لها باستخدامهم “كدروع بشرية”.

بالنسبة للآخرين، بدا علي وكأنه محظوظ. حيث نجا المراهق الصومالي من قصف مركز تاجوراء للمهاجرين في شهر يوليو الماضي في شرق طرابلس، ليبيا، والذي أسفر عن مقتل 53 لاجئًا ومهاجرًا على الأقل.

وقالت صحيفة ذي «أيرش تايمز» الإيرلندية، في تقرير لها، رصدته وترجمته «الساعة 24»: “في الفوضى التي أعقبت ذلك، تمكن علي من الهرب والسفر إلى المهربين على الساحل. بعد أيام، كان علي يعبر البحر الأبيض المتوسط ووصل إلى إيطاليا”.

على الرغم من وصوله إلى أوروبا، لم يستطع علي الراحة. كان لا يزال يعاني من جروح جراء القصف. كما أن القلق والكوابيس كانا يبقيانه مستيقظا. لقد أصيب بمرض السل الرئوي أثناء الاحتجاز ويحتاج إلى علاج منتظم. علاوة على أنه حاول في شهر أغسطس الماضي أن يقتل نفسه.

أمل الوصول لأمان أوروبا

يقول علي، الذي تأكدت من قصته من الآخرين وتم تغيير اسمه لحمايته، أنه فر من جماعة الشباب الإسلامية المتشددة في الصومال، وسافر إلى ليبيا على أمل الوصول إلى الأمان في أوروبا. وكان شقيقه وزوجته، اللذان قاما بالرحلة ذاتها أيضًا، من بين أكثر من 17000 شخص غرقوا في البحر الأبيض المتوسط منذ عام 2014.

واجه علي مصيرا مختلفا. فمثل الآلاف من الآخرين غيره، تم القبض عليه في البحر من قبل خفر السواحل الليبي المدعوم من الاتحاد الأوروبي، وأعيد إلى ليبيا، حيث تم حبسه إلى أجل غير مسمى في أحد مراكز الاحتجاز التي يديرها جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية.

عنف جنسي وعمل بالسخرة في مراكز الاحتجاز

هذا وقامت مجموعات حقوق الإنسان بتوثيق العنف الجنسي، والعمل بالسخرة، والحرمان من الطعام والماء، والعنف البدني وحتى قتل المعتقلين في هذه المراكز. كما أن مئات الأطفال بداخلهم يحرمون من التعليم.

في الشهر الماضي، علا التصفيق والهتافات قاعة البرلمان الأوروبي حيث اكتشف أعضاء البرلمان الأوروبي فشل قرار غير ملزم يهدف إلى معالجة معاملة المهاجرين الذين يعبرون البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا.

وتم لفت الانتباه إلى حقيقة أن فشل تمرير القرار تم بفارق صوتين فقط، حيث صوّت ضده جميع أعضاء حزب “فاين غايل” (حزب سياسي ليبرالي محافظ في أيرلندا) الأربعة في البرلمان الأوروبي – ميريد ماجينيس، ماريا والش، وفرانسيس فيتزجيرالد، وشون كيلي.

الاستغلال وسوء المعاملة

بينما أبرزت العناوين كيف أنه لن تتم إعادة مهام البحث والإنقاذ الأوروبية في البحر الأبيض المتوسط، فإن القرار الفاشل لم يكن فقط حول ما لا يفعله الاتحاد الأوروبي. ولكنه يتعلق أيضا بما يفعله: وهو الدعم النشط لعودة المهاجرين واللاجئين – بمن فيهم النساء والأطفال – إلى مراكز الاحتجاز في ليبيا حيث يتعرضون للاستغلال والإيذاء وحتى القتل.

إن إعادة الأشخاص إلى مكان تكون حياتهم فيه معرضة للخطر يتعارض مع القانون الدولي، لكن الاتحاد الأوروبي يتحايل على ذلك من خلال تزويد خفر السواحل الليبي بالمعدات والتدريب والمعلومات، والسماح له باعتراض المهاجرين أثناء عبورهم البحر. والجدير بالذكر أنه يتم إنفاق عشرات الملايين من اليوروات على خفر السواحل الليبي من خلال صندوق الاتحاد الأوروبي الائتماني لأفريقيا.

يعترف القرار الفاشل بأن “الأشخاص الذين يتم اعتراضهم من قبل خفر السواحل الليبي يتم نقلهم إلى مراكز الاحتجاز حيث يتعرضون بشكل منهجي للاعتقال التعسفي في ظروف غير إنسانية، وحيث يكون التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، بما في ذلك الاغتصاب والقتل التعسفي والاستغلال، ممارسات شائعة”.

انتهاكات خفر السواحل

كان من المفترض على المفوضية الأوروبية والدول الأعضاء “تقييم مزاعم انتهاكات الحقوق الأساسية الخطيرة التي يرتكبها خفر السواحل الليبي، وإنهاء التعاون في حالة حدوث انتهاكات جسيمة للحقوق الأساسية التي يواجهها الأشخاص الذين يتم اعتراضهم في البحر”.

كما كان من المفترض أيضا أن يتم إجلاء المهاجرين واللاجئين في مراكز الاحتجاز، وأن يقدم الاتحاد الأوروبي المزيد من أماكن إعادة التوطين حتى تتمكن الأمم المتحدة من نقل الأشخاص الذين يحتاجون إليها بشكل قانوني إلى مكان آمن.

ومنذ شهر أغسطس 2018، كنت على اتصال دائم باللاجئين والمهاجرين العالقين في مراكز الاحتجاز الليبية. لقد حاولت الأغلبية منهم بالفعل عبور البحر الأبيض المتوسط للوصول إلى أوروبا – حوالي أربع أو خمس أو ست مرات. يقول معظمهم إنهم سيواصلون المحاولة ، لأن الموت السريع في البحر أفضل من الموت البطيء في السجن.

انتحار للتخلص من المعاناة

لا أحد يحصي عدد الأشخاص الذين يموتون في مراكز الاحتجاز الليبية. فهناك حالات انتحار. حيث قام ميرون، البالغ من العمر 17 عامًا والذي نجا من الديكتاتورية في إريتريا، بإلقاء نفسه في خزان للصرف الصحي في أبريل بعد اندلاع الحرب حول المركز الذي كان فيه. ومن جهته عبد العزيز، المهاجر الصومالي المتزوج والبالغ من العمر 28 عامًا، أضرم النار في نفسه في مركز احتجاز مهاجرين آخر العام الماضي، مخبرا أصدقائه أنه يشعر باليأس من فرصه في الإخلاء من مراكز الاحتجاز.

وهناك العديد من الوفيات الناجمة عن الإهمال. حيث كان الصبي البالغ من العمر سبع سنوات مع والده اثنين فقط من 22 حالة وفاة في مركز احتجاز الزنتان بين سبتمبر 2018 ونهاية مايو 2019 – بمعدل وفاة واحدة كل 12 يومًا.

صفقة بين إيطاليا وخفر السواحل

في نهاية هذا الأسبوع، جددت إيطاليا صفقتها الخاصة مع خفر السواحل الليبي. وقال وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو إنه “من غير الحكمة” التوقف لأنه “لا يمكن إنكار أن مذكرة التفاهم خفضت عدد الوافدين والوفيات في البحر”. يأتي ذلك، على الرغم من الأدلة المتزايدة على أن خفر السواحل الليبي وعصابات الإتجار بالبشر تشتمل على العديد من نفس الأشخاص.

وفي هذا الصدد راسلني مهاجر سوداني من دارفور مؤخرا قائلا: “أعرف أن الحكومات الأوروبية تكره المهاجرين”. “لم يقولوا ذلك بوضوح كما قال [وزير الداخلية الإيطالي السابق اليميني المتطرف ماتيو سالفيني ] ، لكنهم أظهروا ذلك في دعمهم المستمر لخفر السواحل الليبي وتجاهل المهاجرين الأبرياء (كونهم ضحايا) للتعذيب والقتل والعنف والاتجار بالبشر. إنهم يدركون ذلك تمامًا”.

تقرير صحفي.. حكاية علي الصومالي وآخرين مع خفر سواحل «السراج» 2

مقالات ذات صلة