المنافسة تحتدم بين شركات التكنولوجيا الأمريكية والصينية .. و«الأوروبية» تتخلف عن الركب

 

عندما يدور الحديث عن شركات التكنولوجيا والتجارة الإلكترونية العالمية، فإن أول الشركات التي ستتبادر إلى الذهن “أبل”، و”مايكروسوفت”، و”جوجل”، و”أمازون”، و”فيسبوك”، وجمعيها أمريكية. ومع تفكير أكثر فهناك أسماء شركات مثل “هواوي”، و”علي بابا” للتجارة الرقمية.

وإذا كان الحاضر والمستقبل، للتكنولوجيا ولا جدال فيه، فإن السؤال البسيط أين أوروبا من تلك المنافسة، ألا توجد في تلك القارة العجوز شركات تكنولوجيا عالمية، أو شركات للتجارة الرقمية؟ لماذا لا تحظى أسماء الشركات الأوروبية في تلك المنافسة بالبريق ذاته الذي يحظى به عمالقة التكنولوجيا والتجارة الرقمية في الولايات المتحدة والصين؟

تزداد الصورة تعقيدا عندما نعلم أن الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي بلغ 18.8 تريليون دولار، يمثل 22 في المائة من الاقتصاد العالمي، ليكون الاتحاد الأوروبي أكبر اقتصاد في العالم متفوقا بذلك على الاقتصاد الأمريكي والصين أيضا، وبالطبع يصعب القول إن أوروبا تفتقد المواهب، أو لديها نقص في علماء الرياضيات أو الكمبيوتر ومطوري البرمجيات.

ربما تكمن الإجابة عن هذا التساؤل في النظر إلى عدد شركات التكنولوجيا الأوروبية “العملاقة “التي تأسست منذ عام 2000 أي قبل نحو عقدين من الزمن، وقيمتها المالية مقارنة بنظيرتها الأمريكية أو الآسيوية.

قد تكون الأرقام صاعقة عند المقارنة، فبينما تأسست 48 شركة أمريكية “عملاقة” منذ عام 2000 تعمل في مجال التكنولوجيا والتجارة الرقمية، وبلغت قيمتها الإجمالية تريليون و370 مليار دولار، فإن آسيا شهدت ولادة 35 شركة برأسمال إجمالي 675 مليار دولار، أما عدد الشركات الأوروبية فلم يتجاوز 17 شركة برأسمال 240 مليار دولار.

الدكتورة مارجريت هانسن أستاذة الاقتصاد المقارن في جامعة جنوب لندن تعد التمويل أحد الأسباب الرئيسة لما تسميه تخلف أوروبا التقني عن بقية منافسيها.

وتقول لـ”الاقتصادية”، “إن جمع مبالغ مالية كبيرة في عالم التكنولوجيا يسمح للشركات الناشئة بإحراز تقدم سريع، والحفاظ على الزخم الذي تحققه في الوقت ذاته، وإذا لم تفلح الشركات الأوروبية في زيادة رؤوس أموالها، فلن تفلح في اللحاق بمنافسيها الأمريكيين والآسيويين”.

وتضيف “على سبيل المثال أكبر شركات التكنولوجيا الأمريكية والآسيوية التي أنشئت منذ عام 2000 نجحت في زيادة رؤوس أموالها بنحو 7.3 مليار دولار في المتوسط، المعدل في الاتحاد الأوروبي لم يزد على 1.6 مليار دولار، وفي العام قبل الماضي جاء ما يقرب من ربع الاستثمار في الشركات الناشئة في الاتحاد الأوروبي في مجال التكنولوجيا من الولايات المتحدة”.

يبدو أن هناك وعيا أوروبيا متزايدا بشأن الدور السلبي الذي يلعبه التمويل وزيادة رأس المال في إعاقة شركات التكنولوجيا الأوروبية من منافسة نظيرتها الأمريكية والصينية.

في هذا السياق أطلقت شركة بالديرتون كابيتال لرأس المال الاستثماري -مقرها لندن- صندوقا جديدا بقيمة 400 مليون دولار، سيستخدم للاستثمار في الشركات الأوروبية الناشئة في مجال التكنولوجيا.

وفقا للبيانات المتوافرة حتى الآن فإن الشركة أفلحت في جمع ما قيمته ثلاثة مليارات دولار، عبر ثمانية صناديق لدعم شركات التكنولوجيا الأوروبية بإجراء 12 استثمارا سنويا.

يقول لـ”الاقتصادية” كيث رايدر الخبير المالي في بورصة لندن “البيئة التقنية في أوروبا تغيرت في الأعوام الماضية، وهناك شعور متزايد بضرورة أن تكون لدى أوروبا شركات ذات أصداء كونية مثل أبل أو جوجل”.

ويؤكد أن التمويل جزء من المشكلة، لكن هناك أبعادا أخرى يجب أخذها في الحسبان، تتعلق بالعقلية الاستثمارية الخاصة بالتعاون بين الشركات، ففي وادي السيليكون تسود ثقافة دعم الشركات المخضرمة للشركات الناشئة، بالطبع هذا لا يعني غياب التنافسية، لكنها تنافسية صحية تصب في نهاية المطاف في خدمة القطاع التقني في الولايات المتحدة، وحاليا الوضع يتغير أمام الشركات الأوروبية الناشئة، والمساعدة والتضامن يشرعان في فتح الأبواب لمزيد من التعاون بين الشركات الأوروبية الناشئة في مجال التكنولوجيا والشركات الأكثر خبرة، لكن لا يزال الطريق طويلا.

بالنسبة إلى المنافسة الأوروبية مع الصين فإن الأمر يبدو مختلفا نسبيا، فعديد من رجال الأعمال الأوروبيين يشيرون إلى ممارسة الصين ضغوطا على الشركات الأوروبية بشكل متزايد، لتسليم التكنولوجيا الأوروبية إلى الصين كشرط أساس لمنحهم فرصة للوصول إلى الأسواق الصينية.

وفقا لمسح حديث أجرته غرفة التجارة الأوروبية قال نحو 20 في المائة من الأعضاء، “إنهم شعروا بأنهم مضطرون إلى نقل التكنولوجيا إلى الصين مقابل 10 في المائة فقط قبل عامين”.

لكن الدكتور فاولز ميلتون أستاذ الاقتصاد الآسيوي في جامعة كامبريدج، يعتقد أن هذا جزء بسيط من حقيقة تفوق شركات التكنولوجيا الصينية على منافسيها الأوروبيين.

ويقول لـ”الاقتصادية”، “إن هناك طفرة تكنولوجية في الصين منذ الإعلان عن حملة “الابتكار الشامل وريادة الأعمال الجماعية” التي أطلقتها الصين عام 2014، فالطفرة التكنولوجية تعتمد على المبادرات المدعومة حكوميا، وتجاهل الأوروبيين براعة الصين التكنولوجية لفترة طويلة، يعود إلى أسباب تتعلق بعدم الرغبة في توتير العلاقات مع الأمريكيين”.

ويضيف “لكن منذ مارس الماضي أقر الاتحاد الأوروبي بأن الصين قوة تكنولوجية رائدة، وعدها المنافس الاقتصادي له في السعي وراء الريادة التكنولوجية، الأوروبيون يدركون الآن تماما أنه إذا تفوقت الصين تكنولوجيا، فإن معضلة التوازن بين الطرفين ستتغير لمصلحة الصين إلى الأبد”.

يعتقد بعض الخبراء في مجال التكنولوجيا، ومن بينهم لويس جونسون الباحث في مجال الابتكارات التكنولوجية، أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كل منهم بمفرده لن تكون له القدرة على هزيمة الصين.

ويؤكد لـ”الاقتصادية” أن الشركات الناشئة الأوروبية لديها مشكلة حقيقية في الوصول إلى رأس المال، ومراكز الابتكار الصينية تقوم بإنشاء شركات جديدة أسرع من نظيرتها الغربية، والعام الماضي تجاوزت الصين الولايات المتحدة في عدد الشركات الناشئة، ومن الممكن أن يتباهى الصينيون هذا العام بإنشاء 202 شركة تقنية جديدة برأسمال مليار دولار.

ويحذر لويس جونسون من أن عدم قدرة الشركات التكنولوجية الأوروبية على توفير رأسمالها محليا، يفتح الباب على مصراعيه للصينيين لدخول السوق التكنولوجية الأوروبية والهيمنة على جزء كبير منها بسهولة.

في هذا السياق يطرح خبراء التكنولوجيا في الاتحاد الأوروبي استراتيجية مبنية على مرحلتين متداخلتين، الأولى تتعلق بضرورة اتخاذ إجراءات تنظيمية تحقق مزيدا من الاتحاد بين الدول الأعضاء في مجال التكنولوجيا.

أما المرحلة الثانية فتضمن مزيدا من التنسيق المشترك بين الجانب الأوروبي والجانب الأمريكي، للتصدي للقدرات التكنولوجية الصينية المتزايدة، على أن يترافق ذلك مع فهم أعمق من قبل دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لقدرات الصين التكنولوجية.

ويعتقد أنصار هذا الاتجاه، أن المساندة المالية الأمريكية للشركات التكنولوجية الناشئة في الاتحاد الأوروبي، ربما تقوم بدور الرافعة الحقيقية لتلك الشركات، على أمل أن تحل في المرحلة الراهنة محل شركات التكنولوجيا والتجارة الرقمية الصينية حتى إشعار آخر في المستقبل.

مقالات ذات صلة