التفاصيل الكاملة لصفقة «الردع» و«الغرياني» لإطلاق سراح جميع الإرهابيين من معيتيقة

‫إطلالة المفتي المعزول الصادق الغرياني والدائمة أمام كاميرات برنامجه الأسبوعي «الإسلام والحياة» على فضائية «التناصح» ذات التوجه الإسلاموي المتطرف، كانت تنتقد بعض من المليشيات في العاصمة طرابلس غير ذات التوجه المتشدد لـ«17 فبراير»، متحاشياً كل المجموعات والمكونات والأجسام التي تمتلك علاقات وجذور مع الجماعة الليبية المقاتلة والعدالة والبناء أو مجالس الشورى بمختلف مناطقها ومدنها.

‫انتقادات الغرياني وظفتها وسائلُ إعلامٍ داعمة للإخوان في ليبيا، لأنه قُدم من خلالها كناشطٍ يُدافع عن حقوق الإنسان؛ حيث يتناول الغرياني بالنقدِ سجونًا تابعة للمليشيات تُمارس فيها أعمالٌ قمعيةٌ على حد قوله، وكثيرا ما يطالب بإخلائها والكف عن هذه السياسات، وتارة أخرى يتطرق إلى فسادٍ مالي وإداري تورطت فيه الميليشيات في طرابلس، ما قبل اندلاع معارك العاصمة مطلع العام الماضي.

‫الغرياني وعقدة سجن معيتيقة

‫لكن فيما يخص حديثُ الغرياني عن السجون، من باب الإنسانية أو مُدافعًا عن حقوق أبرياءٍ كما راج عن مناصريه، فهو يقصد على وجه الخصوص سجن معيتيقة الواقع في الجزء الشرقي للعاصمة طرابلس، السجن يديره مليشيا تدعى «قوات الردع»، يترأسها الشيخ عبدالرؤوف كاره، وهي سلفية الفكر، وتعتقل حوالي مئات العناصر المتشددة من عديد المدن وأبرزهم من مجلس شورى بنغازي ودرنة أو مؤيدي الغرياني وجماعات الجريمة المنظمة في زوارة والزاوية وصبراتة.

‫وبرنامج «الدين والحياة» الذي يقول مراقبون ليبيون إنه منبر متطرف يبث من تركيا لإشعال المشهدِ في ليبيا، لا يختصر دوره على إبداء الآراء في تطورات الأحداث داخل ليبيا، إذ يتوسع دورُه إلى الإفتاء، للدرجة التي يعتمد فيها مليشيات عليه كمصدرٍ رئيسي للفتوى.

‫ويرصد المراقبون أنه استنساخ لتجربة القطب الإخواني، يوسف القرضاوي، على فضائية «الجزيرة»، «الشريعة والحياة»، المتهم بإشعال المشهد في بلدان ما عرفت بـ«الربيع العربي»، عندما أسمى «القرضاوي» ما يحدث بـ«الجهاد»، مطالبًا بشد الرحال سواءً لليبيا او سوريا وغيرها ومحرضا على الأنظمة والجيوش العربية، ومن قبل أحداث المنطقة في 2011، كان للقرضاوي فتاوى عبر البرنامج، يقول محللون إنها متورطة في تربية جيلٍ من المتشددين.

‫في مارس 2018 شن الغرياني هجوماً حاداً على قوة الردع الخاصة معتبراً سجنها في قاعدة امعيتيقة، وصفها بغير الشرعية بأنها ما وجدت إلا للقمع والظلم وقال: “هذه السجون أعادتنا لحقبة سجن أبو سليم بل هي أشد منه وفيها التعذيب والقهر والتغييب الذي يطال أناس دون أن نعرف مصيرهم، هذا كله يجب أن ينتهي لأنه ظلم لا يجوز السكوت عليه، قبل أن يستمر هذا الأمر وتتحامل الأمور ويفقد الناس صبرهم ويضيقوا درعاً بالصبر ويكون لهم رد فعل”.

وقال الغرياني حينها: “عندما يأتي هذا الرد سيكون كارثة علينا جميعاً وبعدها سيخرج الناس في طرابلس ويستنكرون، لذلك يجب عليهم مقاومة هذا الظلم لأنه لن يولد إلا الانتقام، فاختطاف الناس الشرفاء والمجاهدين والمناضلين وخطف هذا وذاك بما فيهم أئمة المساجد والناصحون والمتكلمون بالحق ووضعهم في سجون امعيتيقة فهو ظلم سيولد انتقام وعندما يحدث هذا الانتقام سيخرج علينا الناس يتباكون في سوق الجمعة وطرابلس ويقولون كيف تفعلون هذا”.

وأضاف مخاطباً سكان طرابلس: “إذا كنتم لا تريدون الانتقام ولا تريدون رؤية رد الفعل، كيف ترضون بالظلم لإخوانكم؟ الناس الموجودون في السجون بالمئات أليس لديهم أهل وأمهات؟ ألا يشعرون بالقهر والظلم؟ لماذا لا تخرجوا في الميادين بالآلاف لإنصافهم وإخراجهم من الظلم؟”

‫البداية

نهاية سبتمبر من 2018، رحب الصادق الغرياني بما وصفها بالمصالحة التي تمت بين منطقتي تاجوراء وسوق الجمعة. وقال عبر برنامج الإسلام والحياة: “سُررنا بالمصالحات التي تمت بين تاجوراء وسوق الجمعة وبإطلاق سراح السجناء”، وطالب أهل منطقة سوق الجمعة بأن يسعوا في إطلاق سراح المسجونين ظلما في سجن معيتيقة، مطالبا الأطراف الدولية والمحلية بأن تحل مشكلة سجن معيتيقة، مشيرا إلى أن تقرير خبراء الأمم المتحدة كشف عما يحدث في سجن معيتيقة من انتهاكات وتعدِّي على حقوق الإنسان.

وكان اتفاق مصالحة بين منطقتي تاجوراء وسوق الجمعة قد تم توقعيه عام 2018 بين المجلسين البلديين في كل منهما وبرعاية أعيان من المنطقتين ويقضي بإطلاق المسجونين في سجن معيتيقة التابع لقوة الردع الخاصة، منهياً التوتر الذي أدى في بعض الأحيان إلى صدامات مسلحة أدت إلى توقف حركة الملاحة الجوية بمطار معيتيقة الدولي في تلك السنة.

ومع بداية معركة طرابلس مطلع 2019، طالب المفتي المعزول الصادق الغرياني، مليشيا «قوة الردع الخاصة» بإطلاق سراح المعتقلين لديها من مليشيا شورى بنغازي ودرنة وغيرهم من الإسلامويين من طرابلس ومن يصفهم بالثوار من مدن الزاوية وصبراتة وزوارة، واتهم الغرياني في تصريحات إعلامية وزير العدل المفوض بـ«حكومة الوفاق» بالتهرب من مسؤولياته فيما يتعلق بهؤلاء المساجين، مضيفًا بأن الأمم المتحدة حددت أعداد هؤلاء المعتقلين بأكثر من ألفي عنصر، وحمل المفتي المعزول قائد ميليشيا «قوة الردع الخاصة» مسؤولية سلامة هؤلاء المعتقلين.

الصفقة

مع إطلالة شهر سبتمبر من عام 2019، كشف مصدر استخباراتي لصحيفة «الساعة 24»، عن إطلاق ما تسمى بـ«قوة الردع الخاصة» التي يترأسها الشيخ عبدالرؤوف كاره، سراح أربعة من العناصر المتطرفين والفارين من مدينة بنغازي، من سجنها بقاعدة معيتيقة، في إطار صفقة مع المليشيات المسلحة المنتشرة جنوب طرابلس ضمن خطة مواجهة إيقاف تقدم الجيش الليبي الى قلب العاصمة ودعمها بالمقاتلين.

وأضاف المصدر “هؤلاء الإرهابيين الأربعة كان قد تم إلقاء القبض عليهم خلال المواجهات التي دارت بين غرفة عمليات صبراتة وبين تحالف مليشيات يقودها المدعو «العمو» وعناصر أخرى متطرفة من مجالس الشورى في مدينة «صبراتة» خلال عام 2017، وقد تم تسليمهم إلى «قوة الردع» حينها، وأن من بين الأربعة، إرهابي يدعى «موسي التباوي»، قيادي في تنظيم أنصار الشريعة، وكان يقاتل في منطقة سوق الحوت في مدينة بنغازي.

وفي نهاية مارس الجاري، قامت مليشيا قوة الردع الخاصة بإخلاء سبيل أحد عناصر تنظيم داعش المدعو «أيمن الزوي» وشهرته «ايمن قرون» من سجونها في قاعدة معيتيقه بالعاصمة طرابلس، الاٍرهابي «قرون» من مواليد 1991 وتم القبض عليه في العاصمة طرابلس خلال شهر سبتمبر من عام 2017، بعد أن تمكن من الهروب من مدينة بنغازي في منتصف العام 2017، وهو من سكان منطقة الصابري.

كما أن مليشيا قوة الردع الخاصة، أطلقت في ذات الشهر صراح 35 شخصا من سجن معيتيقة بينهم خمسة عناصر متطرفة يتبعون مجلسي شورى مجاهدي درنة وبنغازي، في محاولة لدعم صفوف المليشيات التي تقاتل ضد الجيش الليبي جنوب العاصمة طرابلس، بالمقاتلين، وتنفيذًا لمناشدات أطلقها المفتي المعزول الصادق الغرياني الذي طالب بإطلاق سراح مقاتلي درنة وبنغازي من المتطرفين والمتشددين ويصفهم بالثوار والمجاهدين.

الردع والقاعدة معاً

طرح ظهور المتشدد زياد بلعم في محور عين زارة رفقة قوة الردع الخاصة في محاور قتال جنوب طرابلس بصحبة مصطفي الشركسي من سرايا دفاع بنغازي، أسئلة حول الدور الذي يضطلع به والصفقة التي أبرمت مع الردع، برفقة متطرفين آخرين، في المعركة التي تخوضها المليشيات الموالية لـ«حكومة الوفاق» وتستهدف عرقلة تقدم الجيش الوطني الليبي لتحرير العاصمة الليبية، حيث انضم زياد بلعم يرافقه، الذي ينتمي إلى تنظيم القاعدة والقيادي في مجلس شورى ثوار بنغازي المنحل إلى ميليشيات حكومة الوفاق، على الرغم من خلافاته السابقة مع فائز السراج، وعدم اعترافه بهذه الحكومة «غير الموجودة أصلًا»، حسب تعبيره.

وبرز بلعم الذي كان يقود كتيبة تسمى «عمر المختار»، بدءًا من معارك بنغازي التي خاضها تنظيمه ضد الجيش الوطني الليبي، إبان انطلاق عملية الكرامة عام 2014، وبعيد طرده منها، وحد قواه مع تنظيم سرايا الدفاع عن بنغازي المصنف إرهابيًّا، وشارك إلى جانبه وجانب صديقه الآمر السابق لمليشيات حرس المنشآت النفطية إبراهيم الجضران في هجمات عدة ضد الجيش الليبي، وخصوصًا في الحملات التي شنها المتطرفون على مناطق الهلال النفطي في 2017-2018، في محاولة لانتزاعها من أيدي الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر.

وعلى الرغم من الطرح العقائدي المتشدد الذي يحمله، والذي يسترشد بفكر مفتي ليبيا المعزول الصادق الغرياني، إلا أنه يتسع للبراغماتية حين يتعلق الأمر بمعاداة الجيش الليبي، وكان الظهور الأول لبلعم في طرابلس عبر تسجيل فيديو في الأيام الأولى التي أعقبت شن الجيش الليبي عمليته العسكرية لتحرير العاصمة من «الميليشيات والإرهابيين»، وتعهد فيه بالثأر لمقتل وسام بن حميد «أبرز القادة الميدانيين لمجلس شورى ثوار بنغازي».

وعبرت صحيفة نيويورك تايمز في حينه عن قلقها من ظهور إرهابيين مطلوبين دوليًّا في صفوف «الوفاق» من قبيل صلاح بادي وزياد بلعم، الذي ينتمي إلى تنظيم أنصار الشريعة الذي لعب دورًا رئيسًا في الهجوم على مبنى السفارة الأمريكية في بنغازي وقتل السفير كريستوفر ستيفنز عام 2012.

وقالت مصادر استخباراتية لـ«إرم نيوز»: “إنها حددت الأشخاص الذين ظهروا في الصورة الجديدة مع بلعم، بأنهم من مليشيات المرسى المصراتية”، مشيرة إلى أن أحدهما يدعى  أسامة طاهر عباس، والثاني ياسين محمد، وهما يتبعان القائد الميداني لمليشيات المرسى المدعو الزفري، ويقاتل بلعم الآن برفقة متطرفين آخرين من تنظيمه تحت لواء هذه الميليشيات التي تواجه الجيش الوطني في محور عين زارة.

ولا يعتبر ظهور المتطرفين من أتباع تنظيمي القاعدة وداعش في صفوف «حكومة الوفاق» أمرًا جديدًا، إنما الجديد هو ما كشفته المصادر الاستخباراتية عن أن ظهور هؤلاء ازداد أخيرًا، بالتزامن مع معلومات عن غض طرف «حكومة الوفاق» عن مشاركتهم إلى جانبها، ولجوئها إلى إطلاق سراح عدد كبير منهم من سجون ميليشيات قوة الردع الخاصة لهذه الغاية، ومنهم من انضم إلى بلعم، كما أنها أطلقت سراح الكثيرين من صبراتة والزاوية، وتغاضت عن المطلوبين دوليًا من أمثال البيدجا والعمو واللذان شاركا في تحرير الإرهابيين من سجون صبراتة وصرمان مؤخرا.

الوسوم

مقالات ذات صلة