«فورين بوليسي»: «أردوغان» في ليبيا رجل بدون خطة ويضع تركيا أمام حطام مغامرة سياسية جديدة

 

“أردوغان” في ليبيا.. “رجل دون خطة”، تحت هذا العنوان نشرت مجلة فورين بوليسي الأمريكية مقالًا للكاتب ستيفن كوك رأى فيه أن إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لمجموعة من مؤيديه في لندن أواخر عام 2019 بأنه حان الوقت لتركيا أن تبدأ عمليات لحماية أمنها القومي دون الحصول على إذن من أي شخص، هو نوع جديد من تداخل الأساليب المسرحية والتجارية والشعور بالمظلومية مع طموحاته، وهي اللحظة التي غيرت النهج التركي في السياسة الخارجية، حتى بالمعايير التي حددها حزب العدالة والتنمية الحاكم منذ ما يقرب من 18 عامًا في السلطة، وهي السياسة القائمة على مبدأ “عدم وجود مشاكل – صفر مشاكل” في الماضي”.

واستكمل الكاتب أن تركيا الدولة التي كانت تعتمد على قوتها كدولة تجارية وعلاقاتها الجيدة مع جميع اللاعبين الفاعلين في الشرق الأوسط عمدت بشكل متزايد إلى عسكرة نهجها تجاه المنطقة، بالإضافة إلى سياساتها العدوانية طويلة المدى في بحر إيجه وشرق البحر الأبيض المتوسط.

هذا النهج الجديد أثار غضب مجموعة من دول الاتحاد الأوروبي وأعضاء حلف شمال الأطلسي “الناتو” والأمم المتحدة والولايات المتحدة، لكن دون ردة فعل واضحة، مما يثبت صحة رؤية أردوغان أن تركيا يمكن أن تشكل بيئتها الخارجية، فلم تعد أنقرة راضية عن كونها مجرد جزء من التحالف عبر الأطلنطي أو عضو طموح في أوروبا، بل طمحت لأن تكون قوة في حد ذاتها، وعدّ المقال الأمر إنجازًا، ولكنه إنجاز جزئي فقط، وعلى الرغم من كل القوة والمبالغة العسكرية التي اكتسبتها أنقرة إلا أنها لم تمتلك إستراتيجية متماسكة، والتي قد تكون بمثابة تراجع للقوى التركية.

حظيت السياسة الخارجية التركية باهتمام من نوع خاص في ليبيا، وذلك عقب اتفاق حكومة الوفاق والحكومة التركية في نوفمبر الماضي على ترسيم الحدود البحرية، واعتبر الكاتب أن مذكرة التفاهم كانت “توسعية” وليس لها أساس في الواقع أو القانون الدولي – على غرار رسم خطوط تعسفية على خريطة تقسم البحر المتوسط، وعقب ذلك في الشهر التالي طالبت حكومة الوفاق الوطني في طرابلس مساعدة عسكرية تركية للإطاحة بالجيش الوطني الليبي بقيادة الجنرال خليفة حفتر الذي سعى للإطاحة بحكومة طرابلس. وسرعان ما نقلت القوات التركية الآلاف من مقاتلي الميليشيات السورية الذين وُعدوا بالمال والجنسية التركية للانضمام إلى القتال بجانب الوفاق.

وأوضح الكاتب أن أردوغان الذي يعاني من مشاكل اقتصادية بالفعل إلى جانب التحديات المصاحبة لوباء كورونا لم تكن عقود إعادة الإعمار المربحة المحتملة للشركات التركية هي السبب الرئيسي وراء المغامرة التركية العسكرية على بعد 1200 ميل من أنقرة، لكن هذا التحالف في ليبيا يعد مزيجًا من السياسة التركية من أجل ثلاث مصالح جيوسياسية وراء دافع أردوغان للاستعداد لخوض تركيا في الحرب الأهلية في ليبيا.

وتمثل الهدف الأول في سعى أردوغان للفوز في انتخابات 2023 في ظل الاقتصاد التركي الذي يتراجع باستمرار، وبالتالي سعى أردوغان لاتخاذ مواقف سياسية خارجية تختلف مع القوى الدولية لخلق قاعدة جيدة للحزب الحاكم في الصحافة التركية والثناء على زعيمهم، والذي ظهر في موقف أنقرة خلال عهد حزب العدالة والتنمية، مثل دعوة أنقرة من أجل الحقوق الفلسطينية، والموقف المضاد من الرئيس السوري بشار الأسد والمطالبة برحيله، ومعارضته لما تم تسميته “انقلاب مصر في يوليو 2013″، ودعم الحكومة المعترف بها من قبل الأمم المتحدة في ليبيا متسقًا مع فكرة أن أردوغان سعى إلى زراعة موقف مختلف لتركيا.

والهدف الثاني يتمثل في تحركات أنقرة في ليبيا واعتبارها أدوات مضادة للعلاقات المزدهرة بين اليونان ومصر وقبرص وإسرائيل. ورسميًا لا يوجد سبب أمني سوى استغلال الغاز في شرق المتوسط، ولكن بالنظر إلى العلاقات المتوترة بين هذه البلدان – في أحسن الأحوال – مع تركيا فمن الصعب ألا نرى في هذه العلاقات ما يسميه علماء العلاقات الدولية “تأثير العربة”؛ بالإضافة إلى ذلك احتمال اختناق حرية الملاحة التركية في المنطقة، نتيجة أن مزيج من هذه العلاقات المتنامية تحظى بدعم أمريكي إلى جانب الطبيعة المتشابكة للمناطق الاقتصادية الخالصة اليونانية والمصرية والقبرصية والإسرائيلية.

الهدف الثالث هو أن ليبيا تُعد المكان الأفضل لتركيا لكي تتحدى خصميها الإقليميين الأكثر طموحًا وهما مصر والإمارات، فمصر وتركيا على طرفي النقيض من القضايا الرئيسية التي تعصف بالشرق الأوسط، بما في ذلك سوريا وغزة وحصار قطر، كما أن تركيا من أكبر المؤيدين لجماعة الإخوان المسلمين التي تستقبل أعضاء الجماعة من المصريين في تركيا وتسمح لهم بإقامة المحال التجارية في إسطنبول ونشر الدعاية المعادية للنظام المصري في جميع أنحاء العالم، وهو ما يظهر في ازدراء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وأردوغان لبعضهما البعض لدرجة أنه أصبح نوعًا من المادة الخام للمحللين لمراقبة القائدين يتصيدان بعضهم البعض في الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة كل سبتمبر، واعتبار أن ليبيا بالطبع هي الفناء الخلفي لمصر، ولأنها تعتقد أن الإسلاميين جزء من الحكومة في طرابلس وبالتالي قدمت مصر الدعم لحفتر. وعلى صعيد متصل، فإن الإمارات هى الشريك الأول للمصريين، والتي لعبت دورًا رئيسيًا في دعم السيسي ضد جماعة الإخوان؛ مما أكسبها غضب أردوغان.

وأضاف الكاتب أن الحكومة التركية ونوابها في الصحافة تتهم الإماراتيين بدعم حزب العمال الكردستاني الذي تعتبره أنقرة منظمة إرهابية، ودعم حركة الشباب في الصومال، ودعم الأسد، والمساعدة في تدمير اليمن، ولعب دور في محاولة انقلاب 2016 في تركيا، إلى جانب محاولة زرع الفوضى في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وحذر عمود في أواخر مايو في صحيفة (صباح) اليومية الموالية لأردوغان الإماراتيين من الانتقام غير المحدد لهذه التجاوزات، وعليه كانت ليبيا أفضل الأماكن لتركيا لتحقيق هذا الانتقام. على الرغم من كل النجاح الذي حققته تركيا حتى الآن في ليبيا؛ فمن الصعب الكشف عن مدى ملاءمة جعل طرابلس عميلًا لأنقرة في استراتيجية السياسة الخارجية والأمنية الشاملة.

واستطاعت تركيا أن تبرر تدخلاتها العسكرية في سوريا والعراق من خلال أهداف عقلانية وواضحة تتمثل في تدمير حزب العمال الكردستاني، وضمان ألا تؤدي الحرب الأهلية السورية إلى دولة كردية على طول الحدود الجنوبية لتركيا يمكن أن تهدد البلاد، ولكن في بحر إيجة وشرق المتوسط​​، كان الأتراك عدوانيين بلا داعٍ، من خلال الحفاظ على يونان غير متوازنة، خاصة وأن علاقاتها مع الولايات المتحدة “دافئة”، وإثبات المطالبة بغاز شرق المتوسط ​​يمكن اعتباره بالنسبة للقصر الرئاسي التركي أهداف يمكن الدفاع عنها بالكامل، ولكن بدون استراتيجية واضحة لتواجدهم في ليبيا، قد يجد الأتراك أنفسهم مكشوفين ومرهقين.

الوسوم

مقالات ذات صلة