هل تحقق روسيا وتركيا مصالحهما المشتركة على حساب ليبيا؟

تحولت ليبيا بفعل التدخلات الدولية إلى ساحة للحروب بالوكالة يدفع الشعب الليبي ثمنها، وفي ظل توجه ليبيا للمجهول بعد انهيار مخرجات قمة برلين الدولية واستقالة المبعوث الأممي لليبيا، غسان سلامة، تبذل تركيا جهوداً جديدة من أجل تغيير الموقف الروسي، بعد نجاحها سابقاً في إقناع موسكو بأن تكون طرفاً رئيسياً في الدعوة لهدنة قبل بها طرفا النزاع بداية العام الحالي.

ورغم ما يدور في الكواليس حول خلافات تركية روسية، تكمن النوايا الحقيقية التي تظهر الدولتان وكأنهما يتاجران بالملف الليبي لتحقيق المزيد من المصالح والنفوذ.

مؤخرا لمّح الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى ترقب حكومته لخطوة روسية وصفها بـ”الإيجابية”، ترى أوساط ليبية بأنها قد تحول دون انزلاق البلاد إلى أتون الحرب مجدداً بعد انهيار جهود الحل السلمية الدولية.

بينما مازال إصرار حكومة الوفاق على محاصرة مدينة سرت شرق العاصمة طرابلس بدعم عسكري تركي نقطة الخلاف الرئيسية بين الحكومتين التركية والروسية.

منذ أيام أعلنت وزارة الخارجية الروسية، في بيان لها أن روسيا وتركيا اتفقتا على مواصلة الجهود من أجل التوصل لوقف طويل الأمد ومستمر لإطلاق النار في ليبيا.

واجتمع وفدان تركي وروسي، الأربعاء الماضي، في العاصمة التركية أنقرة لمناقشة الحرب في ليبيا، واتفقا على المضي قدماً في الجهود، من أجل وقف دائم لإطلاق النار في الدولة الواقعة في شمال إفريقيا.

ومن جانب أخر تدعم روسيا، إضافة إلى مصر والإمارات، الجيش الوطني الليبي الذي يخوض معارك ضد مليشيات حكومة الوفاق المدعومة من تركيا، الأمر الذي يثير الحيرة في الموقف الروسي والتركي.

وأكد بيان الخارجية الروسية المشترك أن تركيا وروسيا اتفقتا في محادثات في أنقرة على مواصلة الجهود المشتركة لتهيئة الظروف من أجل وقف دائم لإطلاق النار في ليبيا وتدرسان تشكيل مجموعة عمل مشتركة.

وفي نفس السياق نشرت وزارة الخارجية التركية بيانا أكدت فيه أن أنقرة وموسكو اتفقتا أيضا في المحادثات على إتاحة المجال أمام تحقيق تقدم في الحوار السياسي بين الليبيين، وحثتا الأطراف المعنية على اتخاذ الإجراءات اللازمة، لضمان وصول المساعدات الإنسانية وتسليم المعونات العاجلة لمستحقيها.

وتأتي أهمية المقاربة التركية الروسية الجديدة كونها جاءت من أهم طرفين دوليين فاعلين في ليبيا، ولهما الكثير من الأهداف لتحقيق المصالح، فتركيا ترتبط باتفاقات مع حكومة الوفاق برئاسة السراج، والجانب الروسي يقدم الدعم العسكري للجيش الوطني الليبي فضلاً عن دعم سياسي واضح.

وكانت محادثات دارت بين الجانب الروسي والرئيس التركي مؤخرا ولم يعلن الجانب الروسي عن نتائج هذه المباحثات خصوصاً بشأن ليبيا، والتي تطرقت بالأساس للملف السوري والوضع بمحافظة إدلب.

وظهرت مجموعة من المؤشرات التي تشير إلى تحول في الموقف الروسي من دعم الجيش الوطني الليبي إلى تقارب مع حكومة الوفاق، أبرزها تزايد اللقاءات الرسمية والدبلوماسية بين الروس وممثلي حكومة الوفاق، والتي كان آخرها وصول نائب رئيس حكومة “الوفاق” الليبية أحمد معيتيق مؤخرا إلى موسكو؛ من أجل إجراء محادثات رسمية مع الحكومة الروسية بشأن الأوضاع في ليبيا ورافق معتيق إلى روسيا وزير الخارجية محمد سيالة.

والأهم من ذلك، أن تلك الزيارة قد جاءت بالتزامن مع إعلان حكومة الوفاق رسميًّا انطلاق عملية تحرير مطار طرابلس، ما يشير إلى إمكانية حصول حكومة الوفاق على ضوء أخضر من قبل روسيا للقيام بتلك الخطوة.

ويبدو أن الجانب الروسي أصبح يطمح إلى ضمان مصالحه في ليبيا من خلال النفوذ التركي، على أن يخدم بالمقابل مصالح تركيا في سوريا، وهو ما يعني أنه لا يمكن الاعتماد على الروس في ما يخص ليبيا، حيث أكد محللون سياسيون أن الحديث عن حل سياسي وحكومة وحدة وطنية أقرب من الواقع إلى الخيال، خصوصا وأن العدوان التركي قطع جميع الجسور المؤدية للتوافق بين الليبيين.

ويرى المحللون أن التحول في الموقف الروسي إلى أن موسكو لا تريد التصادم مع أنقرة في ليبيا، فالعاصمتان مرتبطتان حاليا بالعديد من المصالح الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية، لعل أبرزها مشروع السيل التركي نحو أوروبا، الذي دخل الخدمة في الثامن من يناير الماضي، والذي جاء ليمنح الغاز الروسي فرصة التدفق بعيدا عن أراضي أوكرانيا، ويكفي هنا الإشارة إلى أن  كمية الغاز الطبيعي التي ضختها روسيا عبر أنابيب مشروع السيل التركي باتجاه أوروبا، بلغت مليارا و300 مليون متر مكعب، في الربع الأول من العام الجاري.

ويرى الباحث الليبي في العلاقات الدولية، مصطفى البرق، أنّ الملف السوري والليبي باتت تسويتهما متداخلة بالنسبة لموسكو وأنقرة، معتقدا أن تسوية قضية إدلب تشير إلى وجود تفاهمات بين الجانبين بشأن ليبيا.

وأشار إلى أن الدعم التركي بالأسلحة والمرتزقة مثل العمود الفقري الذي ارتكزت عليه قوات الوفاق لتحقيق تقدم ميداني، مشيرا إلى أن هذا التقدم الميداني لم يكن ليحدث لولا تفاهمات وتوافقات بين روسيا وتركيا على إيجاد صيغة معينة تهدف إلى إطلاق حوار سياسي.

وحول التعاون بين روسيا وتركيا، لا ننسى أنه في أبريل 2018 وضع الرئيسان التركي والروسي حجر الأساس لمحطة الطاقة النووية التركي (Akkuyu) وتبلغ قيمة الاستثمار في المحطة 20 مليار دولار، ويعتبر المشروع الأول في تركيا، ويتضمن أربعة مفاعلات نووية، وستبلغ الطاقة الإنتاجية لكل واحد 1200 ميغاواط، المشروع سيعزز أمن الطاقة في تركيا، وسيوفر عليها استيراد الغاز الطبيعي خلال السنوات العشر القادمة بقيمة 14 مليار دولار.وتنوي الشركة تشغيل أول مفاعل في العام 2023.

ونذكر أيضا أنه في 2018 كذلك ، بلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا وروسيا في العام 2018، 25.7 مليار دولار ، حيث تستورد روسيا من تركيا، الأدوات الكهربائية، المجمدات، مواد البناء، الأثاث المنزلي، الملابس، والأدوية ، ودعت زيرة التجارة التركية العام الماضي لرفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 33.3 مليار دولار في المرحلة الأولى، فيما يتصدر السياح الروس قائمة أكثر السياح الأجانب الذي زارو تركيا، إذ تجاوز عددهم ستة ملايين، خلال الأشهر الـ 11 الأولى من 2019.

الموقف الروسي التركي يبدو أنه قائم علي تحقيق أكبر نسبة من المصالح والنفوذ ويدفع ثمن ذلك الشعب الليبي، وقد يكون للعلاقات بين البلدين وجوه أخرى ستتكشف خلال الأيام المقبلة.

الوسوم

مقالات ذات صلة