تحليل استراتيجي: تركيا أمام مخاطر المواجهة المباشرة في ليبيا ودعم واشنطن لها مرتبط بتحقيق المصالح الأمريكية

نشر مركز الإمارات للسياسات، تحليلاً شاملا للأوضاع في ليبيا، والدور التركي في مساعدة حكومة الوفاق غير الشرعية، وأيضا بحث فكرة الانتقال من المواجهة في الحرب بالوكالة إلى المواجهات المباشرة ضد تركيا من قبل مصر وروسيا، والدور الأمريكي كوسيط في الأزمة.

أكد التحليل الذي نشره مركز الإمارات للسياسات، أن توقيع تركيا مع حكومة الوفاق بقيادة فايز السراج مذكرتي تفاهم لتحديد الحقوق البحرية والتعاون الأمني والعسكري بينهما في نوفمبر 2019، كان نقطةً فاصلة في التدخل التركي في الساحة الليبية؛ فتحول إلى تدخُّل مباشر ومُعلن ونوعي؛ وزادت تركيا دعمها العسكري لقوات الوفاق وعدا عن تزويدها بمنظومات التسلح النوعية أمدّتها أيضاً بمستشارين عسكريين أتراك ومرتزقة سوريين تابعين لها.

وأوضح التحليل أن تحقيق قوات الوفاق لبعض الانتصارات في ليبيا فتح شهيةَ أنقرة لقطف ثمار تدخلها من خلال تعزيز نفوذها العسكري بإقامة قواعد لها في الأرض الليبية، وتحقيق مصالحها الاقتصادية عبر توقيع اتفاق مع حكومة طرابلس للتنقيب عن النفط والغاز قبالة السواحل الليبية، إلا أن الأهداف والتمدد التركي في ليبيا يصطدم بالسياسات الإقليمية والدولية تجاه ليبيا.

التدخل التركي في ليبيا

أشار التحليل إلى أن التدخل العسكري التركي في الملف الليبي، والوجود التركي على الأرض الليبية، لم يكن جزءاً من خطة استراتيجية مُعدَّة مُسبقاً، وإنما جاء كردة فعل على تطور الأحداث في ليبيا، موضحا عدة عوامل تحدد التحركات التركية في ليبيا:

أولاً: الفراغ الجيواستراتيجي.. فسقوط نظام القذافي وفشل الليبيين في إنشاء نظام سياسي بديل مستقر، وتعرُّض المصالح الأمريكية في ليبيا للهجوم الذي دفع واشنطن إلى التراجع وإهمال متابعة هذا الملف في شمال أفريقيا، وكذلك انكفاء الاتحاد الأوروبي على نفسه في الفترة الأخيرة بسبب مشاكله الداخلية وأزمة خروج بريطانيا (البريكست) وتراجُع قوة تأثيره في الملف الليبي بسبب التنافس الفرنسي-الإيطالي؛ كل هذه العوامل أدت إلى خلق فراغ جيواستراتيجي في ليبيا.

ثانياً: غياب أي قوة ردع.. تبعاً للسبب الأول ومن خلال حساباتها الجيواستراتيجية، أدركت أنقرة أنه لن تكون هناك قوة بإمكانها أن تتصدى لها في ليبيا وتردع تقدمها هناك، بسبب انشغال اللاعبين أنفسهم بملفات أخرى.

ثالثاً: حماية المصالح التركية في ليبيا وشرق المتوسط.. هناك العديد من المصالح التركية المهمة جداً في ليبيا؛ بدايةً من أموال شركات الإنشاءات التي لم يتم تحصيلها بسبب سقوط نظام القذافي، بالإضافة إلى مشاريع إعادة الإعمار، ومشاريع استخراج النفط، وبناء محطات الطاقة الكهربائية وغيرها من مصالح اقتصادية كبيرة.

وهنا أكد التحليل أن أهم هذه المصالح هو ارتباط ليبيا الآن عضوياً وسياسياً بملف الصراع على تحديد مناطق النفوذ الاقتصادية في شرق المتوسط، فمع رفض الرئيس رجب طيب أردوغان تطبيع العلاقات مع مصر وإسرائيل من أجل إعادة رسم الحدود البحرية، ومواجهة المشروع اليوناني القبرصي في شرق المتوسط، لجأت تركيا إلى حل ابتدعته من خلال توقيع مذكرة التفاهم مع حكومة طرابلس حول تحديد الحقوق البحرية مع ليبيا، وبذلك أصبحت ليبيا جزءاً ضامناً للأمن القومي التركي ومصالحها في شرق المتوسط.

مخاطر أمام تركيا

أوضح التحليل أن مستقبل الصراع في ليبيا حالياً بدأ يحمل معه مخاطر جديدة وجدية قد تُغير الصورة هناك وتدفع تركيا إلى اتخاذ خطوات جديدة، ومن أهم  المتغيرات والمخاطر التي تواجهها تركيا في ليبيا خطر انتقال الصراع على الأرض الليبية من حرب الوكالة إلى المواجهة المباشرة، سواء مع مصر أو روسيا، فتركيا تزيد وجودها العسكري على الساحة باتجاه بناء قاعدة جوية وأخرى بحرية، فيما أرسلت روسيا طائراتها المقاتلة إلى قاعدة الجفرة، بينما تهدد القاهرة علناً بالتدخل العسكري المباشر عبر دعم القبائل والبرلمان الليبي، وحتى الآن كانت الحرب في ليبيا عن طريق الوكالة غير مكلفة لتركيا عسكرياً، لكن تحولها إلى حرب مباشرة نظامية سيكون مكلفاً جداً، مالياً وبشرياً.

وأيضا تُدرك أنقرة بأن حكومة الوفاق، ورغم تعاونها الوثيق معها، فإنها تبحث عن بدائل سياسية خارجية لأنها لا تريد أن تكون تحت الوصاية التركية المباشرة، وقد بدأت هذه الحكومة مباحثات مباشرة مع الولايات المتحدة ومع إيطاليا أيضاً، من أجل تنويع مصادر دعمها الخارجي. وفي المقابل فإن واشنطن تدعم وتدفع حكومة الوفاق من أجل تخفيف اعتمادها على تركيا، وفتح مجالات لخيارات أمريكية أخرى.

صراع تركي – فرنسي في ليبيا

ذكر التحليل أن الخلاف الأساسي بين أنقرة وباريس على ليبيا يستند إلى قلق فرنسا من أن التدخل العسكري التركي الذي بدأ نهاية 2019، سيقوِّض الجهود الأوروبية لاحتواء هذا الملف، فمع الانسحاب الأمريكي من الملف الليبي، اعتقدت باريس أن الاتحاد الأوروبي يمكنه احتواء ملف ليبيا، لكن التدخل التركي كشف العجز الأوروبي، وهدّد بخروج هذا الملف عن السيطرة الأوروبية، وتفاقمَ الخلافُ مع استقدام تركيا المسلحين المرتزقة إلى ليبيا بشكل يهدد الأمن الأوروبي، والأهم من ذلك أن باريس لا ترى في التدخل التركي في ليبيا مجرد خطوة لحفظ مصالحها هناك، وإنما الرأي السائد في باريس هو أن التدخل التركي هو جزء من استراتيجية تركية جديدة في شرق المتوسط وشمال أفريقيا وأفريقيا عموماً، تهدد المصالح الفرنسية هناك.

ومن وجهة نظر تركية، فإن أنقرة تدرك وتعتقد أنه ليس بيد فرنسا الكثير لتقوم به في ليبيا، وذلك لعدة أسباب: أولها العقدة النفسية لدى الفرنسيين من تدخل الرئيس السابق ساركوزي في ليبيا، وتوابع ذلك التدخل من فوضى ومشاكل أمنية؛ وثانيها انقسام الاتحاد الأوروبي على نفسه بين ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا، حيث لكل طرف وجهة نظر خاصة به، تجعل فرنسا في كثير من الأحيان تبدو وحيدة في جهودها الدبلوماسية، وإذا ما أضفنا التحسُّن أو التقارب التدريجي بين أنقرة وواشنطن في الملف الليبي، فإن أنقرة لا تُقيم وزناً كبيراً لردود الفعل الفرنسية في هذا الإطار.

تركيا وأمريكا والملف الليبي

أوضح التحليل أن الدعمُ الأمريكي الضمني للتدخل العسكري في ليبيا بدا مفاجئاً للوهلة الأولى، بالنظر إلى طبيعة العلاقات بين البلدين خلال عام 2019، فالخلاف بين البلدين في سوريا كان على أشده، وكذلك بسبب التعاون التركي مع موسكو هناك، ولم تُخْفِ واشنطن قلقها من التحركات التركية في شرق المتوسط، وأعلنت عن دعمها صراحةً لقبرص واليونان، ودعمت واشنطن بوضوح منتدى غاز المتوسط في القاهرة الذي شاركت فيه اليونان وقبرص وإسرائيل ومصر.

لكن زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى واشنطن في 13 نوفمبر الماضي، والتي تزامنت تقريباً مع الإعلان عن الاتفاقيات التركية مع حكومة الوفاق، كانت فرصة لجس نبض واشنطن حول هذا الملف، ويبدو أن الرئيس أردوغان استطاع أن يقرأ بشكل صحيح الموقف الأمريكي الذي لن يعارض زيادة التدخل التركي في ليبيا، كونه يأتي مُوازناً للوجود العسكري الروسي هناك.

واستطاعت أنقرة أن تقرأ تأثير الانتخابات الأمريكية المقبلة على الملف الليبي، من خلال عودة ظهور عنصر “محاربة التمدد الروسي في المنطقة” مجدداً، وهو ما يخدم دعم التوسع التركي العسكري في ليبيا، ولكن بحدود وشروط أمريكية وليس بالمطلق، إذ أعلنت قيادة القوات الأمريكية في أفريقيا عن رفضها للوجود العسكري الروسي في ليبيا، ومن خلال سياسة الرئيس ترمب بعدم الزج بالجيش الأمريكي في صراعات الشرق المتوسط، فإن الخيار الأفضل لواشنطن من أجل ضبط “جموح” المشير حفتر وما خلقه من فرصة للتدخل الروسي، هي دعم الوجود العسكري التركي في ليبيا من أجل إحداث توازن عسكري على الأرض يؤدي في النهاية إلى بدء مفاوضات سياسية جدية.

وجاء هذا الدعم الأمريكي للموقف التركي في ليبيا تدريجياً منذ زيارة الرئيس أردوغان لواشنطن في نوفمبر الماضي، حيث تم الاتفاق على زيادة التقارب والتعاون بين البلدين في مختلف المجالات، ولوحظ في الأشهر الستة الأخيرة زيادة التعاون بينهما في سوريا على حساب تعاون تركيا مع موسكو هناك، وقد سمحت واشنطن لتركيا بحرية نقل السلاح إلى ليبيا عبر البحر والجو، وسمحت لها باستخدام السلاح الأمريكي في ليبيا.

وفي النهاية أوضح التحليل أنه يجب التذكير بأن الدعم الأمريكي لتركيا في ليبيا مشروطٌ بتحقيق المصالح الأمريكية هناك، القائمة على هدفين أساسيين هما إضعاف النفوذ الروسي، والتوصل إلى توازن للقوة على الأرض يُفضي إلى بدء مسار الحل السياسي والمفاوضات وتقاسم السلطة، فيما تُبدي واشنطن امتعاضها من استخدام تركيا عناصر “جهادية” في عملياتها العسكرية في ليبيا، بينما تحاول أنقرة إقناع واشنطن بأن جميع هذه العناصر تحت سيطرتها.

الوسيط السري

وذكر التحليل أنه في هذا الوقت تلعب واشنطن دور الوسيط السري وغير الرسمي بين القاهرة وأنقرة من أجل الوصول إلى حل وسط يحُول دون الصدام العسكري المباشر بين البلدين في ليبيا، إذ إن نشوب مواجهة عسكرية مباشرة بين حليفَيها، مصر وتركيا، سيفتح المجال بشكل أوسع للتدخل الروسي أو دعم موسكو للجيش الوطني الليبي، وهو ما لا تريده واشنطن، لكن الوساطة الأمريكية ما زالت تصطدم بالموقف الأيديولوجي للرئيس أردوغان تجاه الاعتراف بنظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وموقفه من تنظيم الإخوان المسلمين الذي يرفض أردوغان تصنيفه كتنظيم إرهابي، فيما تُعتبر ورقة النفط الليبي من أهم الأوراق حالياً، لأن حرمان حكومة الوفاق من مدخول النفط يعني زيادة كلفة العمل العسكري على تركيا التي تتولى حالياً وبشكل سري، بيع النفط الليبي عبر بنوكها من أجل دعم سعر الليرة التركية، وتحصل على ثمن السلاح ورواتب المقاتلين من حكومة الوفاق.

وتَعتبر تركيا التعاونَ مع واشنطن في ليبيا فرصةً من أجل تصحيح العلاقات بين البلدين، والحصول على دعم واشنطن في ملف دعم الاقتصاد التركي والحصول على قروض من الخارج، لذا فإن أنقرة تتحرك بالتنسيق المباشر مع واشنطن على الأرض الليبية، وعليه فإنه من غير المتوقع – رغم كل التصعيد العسكري الحاصل – أن تسارع أنقرة إلى دعم هجوم قوات حكومة الوفاق على سرت والجفرة، ومن المرجح أن تنتظر نتيجة الوساطة الأمريكية، التي ربما تُفضي في النهاية إلى إرسال قوات دولية أو من الأمم المتحدة للسيطرة على سرت والجفرة، وتنظيم عملية بيع النفط الليبي بشكل محايد.

وأكد التحليل أنه في المقابل فإن تركيا سترد على كل خطوة مصرية تصعيدية، من خلال عقد اتفاقيات لبناء قاعدة بحرية وأخرى جوية في ليبيا، ومحاولة نقل مقاتلات تركية إلى ليبيا ودبابات وقوة عسكرية استعداداً للسيناريو الأسوأ، وهو الصدام العسكري المباشر بين مصر وتركيا على الأرض الليبية، وفي هذا السيناريو، ستحاول أنقرة قدر الإمكان تجنُّب المواجهات العسكرية المباشرة لكنها ستسعى قدر الإمكان إلى تحويل الصراع إلى عملية استنزاف عسكري للطرف المصري، من خلال تنشيط العمليات الإرهابية في الشرق الليبي والداخل المصري مجدداً.

الوسوم

مقالات ذات صلة