العربية والصوفية… ما بعد الربيع…. عودة للوعي

كتب – سليمان البيوضي:

منذ ولوج الربيع العربي لمنطقتنا ولبلدنا تحديدا، وخلال سنوات من الجمر والدم، لم يبق شيء على حاله، وأنتج الربيع ثقافة بمفاهيم جديدة، وباتت المجتمعات المحلية تتحدث باستحياء عن قضاياها الجوهرية، فالمثقف العضوي الجديد هو في ذاته نوع جديد لم يعتد على سماعه أو الالتصاق به المجتمع، والأفكار الجديدة ومنظروها أيقظوا مع لهيب الثورة صراعات اجتماعية كامنة، وتقسيم المجتمع تجاوز حدود الفكر ووصل للكيان بكل تراكيبه.

فباتت الأفكار القومية المنادية بوحدة الأمة جريمة مكتملة الأركان، وتعرض أصحابها للإقصاء والتهميش والاغتيال المعنوي، لأنها أفكار مرتبطة بزمن الدكتاتوريات العربية وغياب الديمقراطية والتعايش، لكن أصحاب الأفكار الجاهزة من أيقظو الغضب الإجتماعي وأطروه داخل منظومة العنف السياسي، لم يملكوا مقدرة على التنظير والإقناع للقيم الجديدة التي يطلقونها وينادون بها، وباتت الآمال المعقودة كوابيس تكبل المجتمعات المحلية، إذ لم تعالج الأزمات البنيوية داخلها فصراع الأطراف وبعض المفاهيم الطبقية أنتجت استبدادا لا يقل ظلما عن السابق، لذا فالمقهورون الجدد يعتقدون أن العودة لما سبق قد يكون أكثر أمنا لهم من التنكيل الجديد، والذي يستخدم مطلبيتهم كعصا يضربهم بها، وعليه فإن فرص مثقفي ومنظري الفكر العربي تزداد رواجا، حيث يفر لأفكارهم المعوزون والمفقرون والمهمشون، في يقين منهم بأن هذه الأفكار بقدر ما قهرتهم لكنها لم تمارس دبكتاتورية الإجبار عليهم، لأن الديموقراطية بمفهومها الغربي كانت تجربة دامية تشبه عصور الظلام في أوروبا ولا يمكن لعاقل أن يقبل أن يعيش في زمن عنفي في كل لحظاته، ولديه مقومات العودة لما هو أقل عنفا، إذ لن تنجح الحداثة وشعارلتها الكبرى في إقناع مواطن يقف في الطوابير المتعددة بأن خلاصه يأتي عندما يتحول لطريدة سهلة خارج مربع حيه أو قريته أو مدينته الآمنة، بسبب خلاف عرقي أو أيدلوجي او تصفية حسابات عنفية، مع وجود خيار حقيقي يمكنه العودة له، فالعروبة شعار كبير يدعو لتوحيد الأقطار – رغم فشله – لكنه مخرج للمواطن – الطريدة – ليتحرك في بلده متنقلا بين المدن والأحياء والقرى في أمان.

أما الصوفية فهي تيار ديني ويمكن اعتباره موروثا ثقافيا وقيميا، لكنه تعرض للأذى الواسع عقب الربيع واستهدفت رمزيته بفتوى مؤلمة دفعت نحو هدم الأضرحة ونبش القبور، ومنع في فترات متقطعة من ممارسة دوره و(طقوسه إن صح التعبير)، وظهرت مفاهيم جديدة للمجتمع وجد فيها ضالته، فالفكرة بتطبيق شريعة الله هو فطرة فطر الله الناس عليها، لكن هذا الشعار سرعان ما تحول لأداة للتكفير والإقصاء، وبعض المسلمين الأخيار من أتت بهم الديموقراطية الغربية للسلطة، تحولوا لمستبدين ولصوص لا يسلم منهم أحد، و عندما أراد منظرو الجماعات الإسلامية أو بعض منها التخلص من طيف داخل مجموعاتهم – ما بعد الربيع – وجدوا في الصوفية مخرجا، وهناك جاء دور المجتمعات المحلية والتي رأت في العودة لقيمها القديمة مخرجا، ومن خرم الإبرة المصنوع لهم ليتخذوا موقفا معاديا لجماعة بعينها تحول الملف برمته لحالة تخلي عن كل المجاميع التي استحدثت نفسها بعد الربيع، وهو ما يستشعره الحذاق في هذه القوى، وعليه فقد اختاروا أن يعلنوا وحدة المجتمع دينيا، وأنه لا يمكن تقسيمه، وأنه مُوَحِّد بالمجمل ولا معنى لهذا التقسيم، في إدراك حقيقي بأن الهياكل الاجتماعية عادت لبعدها وموروثاتها القيمية وليس بالإمكان تضليلها من جديد، لتعلن موت المشاريع العابرة للأوطان.

أستوعب تماما أن ما كتب أعلاه قد يستفز بعض الحمقى والسفهاء، وأولئكم بكل مشاربهم الفكرية والعقدية ثلة من العابرين، والذاكرة الوطنية ستدون أفعالهم ولكنها لن تذكر أسماءهم، لأنهم زبد ستذروه الرياح ولو بعد حين.

الوسوم

مقالات ذات صلة