هل يخترق النفط حاجز 55 دولارا مع اقتراب 2021؟

للمرة الأولى منذ مارس الماضي، اخترقت أسعار النفط حاجز الـ 50 دولاراً خلال التعاملات منذ بداية الأسبوع الماضي، وذلك في تطور لسوق النفط التي عانت تقلبات وتراجعات حادة استمرت أشهراً عدة.

وخلال الأيام الماضية، ظهرت بعض المؤشرات التي قد تحمل السوق إلى ارتفاعات مقبلة إلى ما فوق مستوى الـ 55 دولاراً، أهمها التوصل إلى لقاح كورونا وبدء توزيعه في بعض الدول، وانعكاس ذلك بشكل مباشر على استقرار الأسواق وزوال حال الضبابية التي كانت تسيطر على الاقتصاد العالمي خلال العام الحالي، مع التداعيات والمخاطر الكارثية التي خلفها الفيروس.

وعلى الرغم من أن الأسواق لم تعد كما كانت مع تذبذب الطلب العالمي، إلا أن حجم الطلب على الوقود والطاقة بدأ في الارتفاع، مما يشير إلى استقرار الطلب العالمي وعودته بشكل تدريجي إلى ما كان عليه قبل الأزمة، بخاصة في ظل تحركات “أوبك” و”أوبك+” لدعم السوق والأسعار.

البيانات تشير إلى أنه على الرغم من تفشي وباء كورونا في أميركا، وهي الأسوأ عالمياً في الوقت الحالي، إلا أن الطلب بدأ يرتفع مجدداً في أوروبا مع خفض القيود المفروضة بفعل الموجة الثانية من الفيروس، وفي الوقت ذاته بدأت آسيا سحب كميات كبيرة من النفط الخام.

ومع توقعات عودة حركة السفر على مستوى العالم، وتنامي التدفقات النقدية، بدأت رؤية التعافي تلوح في الأفق، بخاصة في ما يتعلق بالمشتقات، إذ يتوقع متخصصون عودة الاستثمارات من جديد خلال الفترة المقبلة، لكن يبقى السؤال الأهم، هل يكتمل التعافي من جديد؟

ووفق المتخصص في شؤون النفط والطاقة، الدكتور أنس الحجي، فإن “التوقعات كثيرة وفي كل الاتجاهات، لكن وضع السوق لا يزال مضطرباً، والواقع أن هناك فائضاً كبيراً في المخزون، ولا يمكن سحبه في الربع الأول، وجزء من الأثر الإيجابي للقاح كورونا سيعوض بالانخفاض الفصلي في الطلب العالمي على النفط خلال الربع الأول”.

إلا أنه أوضح أن “انخفاضاً ملحوظاً في سعر صرف الدولار الأميركي سيرفع أسعار النفط أو يمنعها من الانخفاض على الأقل”.

وتشير البيانات المتاحة إلى أن استهلاك البنزين في الصين واليابان، وهما ثاني ورابع أكبر مستهلكي النفط في العالم، وصل إلى مستويات ما قبل انتشار فيروس كورونا أو قاربها. وفي الوقت نفسه، عادت السيارات الأوروبية إلى الطرقات مجدداً مع تخفيف الحكومات قيود الإغلاق الوطنية في بلدان مثل بريطانيا وإسبانيا وفرنسا.

أيضاً، تدل المؤشرات على تزايد حركة الشحن البري بمعدلات كبيرة، وقفزة قوية في معدلات الشراء والتسوق الخاصين بأعياد الميلاد، وهو ما يعزز آمال التعافي خلال وقت قريب.

ومع تعافي الطلب، تستمر منظمة الدول المصدرة للنفط وحلفاؤها “أوبك+” في الحفاظ على الإنتاج ضمن حدود ضيقة. وألغت المجموعة زيادة الإنتاج المقررة مطلع يناير (كانون الثاني) بكمية 1.9 مليون برميل يومياً، وقررت إضافة 500 ألف برميل يومياً فقط إلى السوق في كل شهر من العام الجديد، بينما لا تزال تقديرات إنتاج النفط الصخري الأميركي في انخفاض.

وخلال الأسبوع الماضي، رفعت السعودية أسعار نفطها الموجه إلى آسيا التي تضم أهم مصافي النفط في العالم، بأكبر قدر منذ أغسطس الماضي. ويبدو أن هذه النقلة النوعية في السوق أثارت طمع المستثمرين والمتداولين، إذ تشير وكالة “بلومبيرغ” إلى أنه في غالبية أيام ديسمبر (كانون الأول) كان التداول بالعقود الآجلة القريبة في النفط، يجري بعلاوة على العقود ذات الأجل الأبعد، في هيكلية سعرية تُعرف باسم “التأخير”.

وأيضاً فمن الواضح أن منحى السوق يشير إلى عودة تدفق الأموال، إذ تدفقت السيولة النقدية مجدداً إلى أسواق الطاقة، وارتفعت حيازة عقود الطاقة بقيمة 3.6 مليار دولار في بداية ديسمبر الحالي، وفقاً لـ “جي بي مورغان”، مدفوعة بتوريدات من خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط، بحسب وكالة “بلومبيرغ”.

في الوقت ذاته، ضخ المستثمرون الأموال في الصناديق الأميركية التي تتداول بعقود الطاقة خلال الأسبوع الماضي، إلى جانب ما يقارب الـ 400 مليون دولار من تدفقات الفترة الماضية.

مدير مركز “كوروم” للدراسات الاستراتيجية في لندن، طارق الرفاعي، يرى أنه طالما وصلت الأسعار إلى مستوى 50 دولاراً، فإنها في طريقها إلى مستوى 55 دولاراً وربما أقل من 60 دولاراً، لكن هذه الارتفاعات تواجه بعض الحساسيات في الوقت الحالي، بخاصة مع ظروف الإغلاق التي تتزامن مع الموجة الثانية من الوباء، مثلما حدث في بعض الدول الأوروبية أخيراً.

ولفت إلى أن إدارة الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن، ربما تتجه أيضاً إلى إغلاق جزئي، وهذا بالطبع يؤثر في أسعار النفط. وتوقع الرفاعي أن تستمر ارتفاعات النفط حتى الربع الأول من العام المقبل، على أن تعود للانخفاض مجدداً بحلول الربع الثاني من العام 2021.

وأشار إلى أن هذه الأسعار إيجابية جداً على صعيد موازنات دول الخليج، لكن جميع المنتجين يتطلعون إلى أن تكون الأسعار أعلى من 60 دولاراً لتعزيز استقرار موازناتها، فضلاً عن معالجة العجز المتنامي وإصلاح الخلل المالي الذي جاء بعد الأزمة المزدوجة بين كورونا وتراجع النفط.

إضافة إلى ذلك، هناك عوامل عدة تدفع النفط نحو 55 دولاراً، بخاصة أن الأسعار الحالية تغري المنتجين بزيادة الإنتاج، وتحديداً في الدول التي تعاني أزمات مالية مثل العراق وليبيا وفنزويلا ونيجيريا. وقد تمر لحظات صعبة على أعضاء “أوبك+” كما حدث في الاجتماع الأخير، إذ إن القيود التي أُقرت قد تؤخر زيادة إنتاجهم.

وقد يدفع ارتفاع الأسعار إلى كسر التحفظ الموجود لدى “أوبك+”ـ ويجعلها أقل تحفظاً. وبحسب ما يشير إليه المحللون، فإن المضاربين يترقبون أيضاً حصتهم من هذا الارتفاع. ومع بداية العام 2021، ومع الاكتشافات الجديدة في الإمارات، قد تعود حركة الاستثمار من جديد إلى الموازنات الخليجية، بإطلاق عدد من المشاريع الجديدة.

ويبقى أن المؤشرات في الأسواق هي التي ستعكس حركة الأسعار نحو الصعود، بناء على استمرار النفط فوق 50 دولاراً، مع درجة الشتاء في فبراير المقبل وانتعاش الطلب.

مقالات ذات صلة