مقالات

حكومة الأربعة أشهر … دعوها تعمل دعوها تمُر

بقلم \محمد عمر بعيو
عندما يكون الزمن المحدد للسلطة التنفيذية حسب خارطة الطريق واتفاق جنيف، تسعة أشهر فقط، فإن كل يوم عمل في عمر هذه الثنائية المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية، يجب أن يعادل 5 أيام، وكل أسبوع يجب أن يعادل شهر عملاً وإنجازاً.
هذا لو كانت هذه السلطة برأسيها الرئاسي والحكومي، عكفت خلال الفترة القصيرة الفاصلة بين اختيارها وبين استلامها لمسؤولياتها وممارستها لمهامها، على إعداد وصياغة خطة عمل دقيقة الأهداف، واضحة المعالم، محددة الغايات والوسائل، استناداً إلى مهامها الواضحة والمحددة في خريطة الطريق…
خطة مجدولة يوماً بيوم وخطوة بخطوة، ولو كان لديها العقل السياسي الواعي والمنفتح، الذي ليس ضرورياً ولا مطلوباً أن يكون عقول شخوصها، بل عقول الخبراء الحقيقيين من رجال الدولة والمتخصصين والعارفين والراسخين، وهذا لا يعيبها ولا ينتقص منها بل يزيدها منزلة ومقاماً وقدرة، فما من دولة تقدمت وسلطة نجحت في أي مكان من العالم الحديث، إلا وكان سر نجاحها العنصران المتوازنان المتوازيان – العمل والمعرفة، أو العاملون والعالِمون.
صحيح وما لا يخفى على الجميع أن السلطة التنفيذية الإنتقالية التي تحكمنا اليوم، وُلدت خديجاً من رحم صراع مسلح، لم يسمح لضيق الوقت، وضيق أنفاس الشعب المنهك، باكتمال الحمل الطبيعي في رحم التفاعل السلمي والتدافع الديمقراطي.
وصحيح أنها وُلدت من رحم ضيق، ليس إطلاقاً رحم الشعب بدفئه ورحابته، وفي غرفة عمليات دولية ليست معقمة ولا نظيفة، بل ملوثة بالمؤامرات والصراعات والأجندات.
وصحيح أن القابلة الشرعية لهذه السلطة الوليدة لم تكن الشعب، بل هيكلي الصخيرات المتهالكين المتنازعين مجلسي النواب والدولة، وما يسمى تجاوزاً وكذباً المجتمع الدولي حيث لا هو مجتمع ولا دولي، بل دول كثيرة، لها مطامع كبيرة تتبعها جماعات محلية حقيرة.
وصحيح أن تشكيل الحكومة لم يكن إطلاقاً على أسس وطنية موضوعية، تراعي في اختيار وزرائها ووكلائها، وجه الله ثم مصلحة الوطن دولةً وشعباً، بل كان تشكيلاً {رغم احتوائه مصادفةً وليس قصداً عدداً من الوطنيين الأكفاء} مافيوزياً شللياً دهاليزياً بازارياً صفقاتياً، توزع بين الفنادق المشبوهة، والمرابيع المشوهة، وبوساطة سماسرة مرابين ومضاربين فاسدين، ماضيهم معروف وحاضرهم موصوف، وهذا ما اعترف به السيد رئيس الحكومة بلسانه أمام مجلس النواب في سرت، أثناء صراعه للحصول على الثقة، حيث قال إنه لا يعرف وزراء حكومته، ولم يقم إلا باختيار واحد فقط من بين أكثر من ثلاثين وزيراً، وهذا في حد ذاته فضيحة ومصيبة.
وصحيح أن السلطة الثنائية الرأس الرئاسي والحكومة، لم تتفق من الأساس على التوزيع العملي للمهام، رغم وضوح النص المؤسس لهما، فتضاربت القرارات، وتداخلت الصلاحيات، ولم نعد نعرف من الذي من حقه أن يمثل الحُكم والسيادة ، ومن الذي من واجبه أن يمارس السياسة والإدارة،
وصحيح أن السلطة التنفيذية الجديدة جاءت في ظروف صعبة جداً، تراكمت فيها المصاعب والأزمات، وتكاثرت فيها المطالب والاحتياجات، وفي زمن ضيق جداً، لا يسمح إلا بإنجاز القليل، وهو قليل كان سيكفي، وربما يعتبر كثيراً، بحقائق الممكن لا بأوهام المستحيل، لو تمت مصارحة الشعب منذ البداية بالحقائق ومواجهته بالواقع والوقائع، وليس وعده بأنهار العسل واللبن، ليكتشف أن الوعد موهوم، وأن الموعود ليس إلا الزبَد والطين، وأن الشعب لم يعد يطمع بعسل الدواء والكهرباء، بل صارت أقصى أمانيه أن لا يصحو في أي صباح فلا يجد الماء ولا يجد الطحين، أي أفقر الفقرين الخبز والماء، أي الحد الأدنى للحياة البيولوجية، وليس المستوى المعقول والمقبول للمعيشة الإنسانية.
وصحيح أن مجلس النواب منع عنها الميزانية، رغم أنها لم تمتنع عن الصرف والتصرف بدون ميزانية، واعتماداً على ترتيبات مالية غير قانونية وغير معلنة، مضطرة للإستدانة الذليلة من المصرف المركزي، الذي تملكه لــيـبـيــا نظرياً وشكلياً، ويملك هو ومحافظه الشعب والدولة واقعياً وفعلياً.
لـــكـــن ..
ورغم كل ذلك، وحيث لم يتبق من عمر الرئاسي والحكومة سوى أقل من أربعة أشهر، نهايتها إجراء الإنتخابات التي حتى لو تعطلت لا سمح الله، فإنها لن تبقى سلطة شرعية بل في أفضل الأحوال سلطة تسيير أعمال، لا سلطة فعلية لها ولا قوة ولا اعتراف بها دولياً ومحلياً، فإن عليها أن تهدأ وتتعقل، فلا تتسرع ولا تتخبط، ولا تسقط في الفخاخ المنصوبة لها شرقاً وغرباً، داخلياً وخارجياً، وتتمسك بإجراء الإنتخابات بصدق وصفاء، وليس بمناورات ودهاء، كما تفعل الآن، ولو فعلت وأنجزت الإنتخابات، وسلمت هي والسلطة التشريعية، عهدتها للسلطة الشرعية القادمة رئاسة وبرلمان، تكون كتبت إسمها في تاريخ الوطن بمداد من نور، وذلك ما سيحفظ لها مقاماً لم تبلغه أثناء حكمها، لضيق ذات الظروف، وكثرة التحديات، واضطراب الأداء، وشدة العواصف والأنواء، وقلة المناصرين، ووقوعها باختيارها بين مطرقة الأتباع المطبلين، وباضطرارها تحت سندان الأعداء المتربصين.
أيها الرئاسي والحكومة، وإنّي لكم من الناصحين، إعقلوها وتوكلوا إلى الإنتخابات صادقين، وعندها فقط ستكونون، وسيكون الوطن بإذن الله من الناجين.
الإثنين , 30 أغسطس، 2021

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى