اخبار مميزةليبيا

الضحايا المدنيون في ليبيا.. بين تقارير حقوقية وتجاهل غربي

في أعقاب التدخل العسكري الذي قاده حلف الناتو في ليبيا عام 2011 بذريعة حماية المدنيين، لا تزال البلاد تعاني من تداعيات كارثية طالت كل مناحي الحياة، حيث تحولت ليبيا من دولة مستقرة إلى ساحة للصراعات المسلحة والانقسامات السياسية والاقتصادية. 

وبعد أكثر من عقد على هذه الحرب، يبرز سؤال جوهري حول حق الشعب الليبي في المطالبة بتعويضات عن الأضرار الجسيمة التي لحقت به، والتي توثقها تقارير حقوقية دولية، لكنها تواجه تجاهلاً منظماً من قبل الحلف والدول الغربية.

تقارير توثق الضحايا

تؤكد منظمة “هيومن رايتس ووتش” أن غارات الناتو تسببت في مقتل 72 مدنياً على الأقل، بينهم 20 امرأة و24 طفلاً، في ثماني غارات فقط. كما دُمرت مجمعات سكنية بالكامل، مثل قرية ماجر شرق طرابلس التي فقدت 34 مدنياً في قصف واحد.

في هذا السياق، أكد الكاتب الصحفي والناشط الليبي، خليل الحاسي، في حوار صحفي على المسؤولية التاريخية لحلف الناتو عن الأضرار الجسيمة التي لحقت بليبيا خلال تدخله العسكري عام 2011، قائلاً: “لا شك أن حلف الناتو انخرط في هذه العملية العسكرية داخل ليبيا، وهو مسؤول عن الضحايا وتدمير الممتلكات المادية، لكن في ظل انقسام السلطة اليوم، يصعب وجود جهة تحظى بالشرعية المحلية والدولية لرفع هذه المطالب العادلة”.

وأضاف الحاسي أن البرلمان الليبي، كسلطة تشريعية، هو الأقدر على تبني هذه المطالب وتحويلها إلى مشروع قانوني يطالب الناتو والمجتمع الدولي بالتعويضات، بحكم أن تدخلهم غير مسار الأحداث تماماً وأثر على مستقبل الليبيين بشكل جذري.

حراك صوت العدالة الليبي

هذه التصريحات تأتي في سياق الحملة التي يقودها “حراك صوت العدالة الليبي”، وهو تجمع يضم نخباً قانونية وحقوقية، للمطالبة بحقوق الشعب الليبي بعد أكثر من عقد على الحرب. 

وركز الحراك الذي أصدر بياناً رسمياً موجه إلى الأمين العام لحلف شمال الأطلسي والمجتمع الدولي على ثلاث نقاط أساسية وهي الاعتراف الرسمي من الناتو بمسؤوليته عن الخسائر البشرية والمادية، واعتذار علني عن الانتهاكات، وتعويضات عادلة تُقدم للضحايا وعائلاتهم، إضافة إلى إعادة إعمار ما دمرته الغارات الجوية. 

ويستند الحراك إلى وثائق أممية وتقارير حقوقية توثق تورط الحلف في قصف مدنيين وبنى تحتية حيوية، مثل مستشفيات ومدارس، تحت ذريعة “حماية المدنيين”.

لكن الحرب التي قادها الناتو تحت شعار “تحرير ليبيا” خلّفت إرثاً من الدمار لا يزال يعصف بالبلاد. وفق تقديرات الأمم المتحدة، سقط أكثر من 25 ألف ضحية بين قتيل وجريح خلال الأشهر الأولى للعمليات العسكرية، بينما تشير منظمات محلية إلى أن العدد الحقيقي يفوق ذلك بكثير بسبب استمرار الاشتباكات في السنوات اللاحقة.

في وقت سابق قدمت نقابة محاميين ليبيا دعوى قضائية ضد حلف الناتو وطالبتهم بتعويض متضرري حرب 2011 والقيام بإعادة إعمار ليبيا. هذه الدعوى قوبلت بالنكران من الجانب الأوروبي، حيث قال نائب الأمين العام المساعد للشؤون السياسية في الناتو، خافيير كولومينا، أن تدخل الناتو في ليبيا لم يكن تدخلاَ مطلوباً من المجتمع الدولي ولكن جاء بسبب خطاب من جامعة الدول العربية لحماية المدنيين.

هذه الحرب أدت إلى انهيار كامل للدولة، وتحول ليبيا إلى ساحة لصراعات مسلحة متعددة، وظهور ميليشيات متطرفة، وانهيار اقتصادي حاد مع فقدان 80% من البنية التحتية للنفط الذي يمثل العصب الرئيسي للاقتصاد الليبي. 

واليوم، يعيش الليبيون في دوامة من انعدام الأمن وغياب الخدمات الأساسية، وفي هذا السياق، يرى خليل الحاسي أن غياب سلطة موحدة يعيق المطالبة بالحقوق، لكنه يشدد على أن العدالة المتأخرة أفضل من لا عدالة والناتو غير مستقبل جيل كامل بلا مبرر إنساني حقيقي. فحتى لو كانت النوايا حسنة، فإن النتيجة كانت كارثية.

وفي وقت تواصل فيه الميليشيات السيطرة على الأرض، وتتصاعد الاحتجاجات الشعبية ضد الفساد والانقسام، يظل السؤال الأهم هو من سيتحمل مسؤولية إنصاف الضحايا؟ وهو السؤال الذي وبحسب “حراك صوت العدالة” يمكن تنفيذه من خلال الضغط الدولي عبر القنوات القانونية، بدءاً من البرلمان الليبي، وصولاً إلى المحاكم الدولية. 

فكما يقول الحاسي: “الدم الليبي ليس رخيصاً، والأرض دُمرت بذريعة الحرية، لكن الحرية الحقيقية تبدأ بالاعتراف بالخطأ”. أمام هذا المشهد، تبدو مطالب الحراك شرعية وعاجلة. 

فبعد 14 عاماً من الحرب، لم يعد مقبولاً أن تتحمل ليبيا وحدها تبعات قرارات دولية لم تُحسب عواقبها. وإن كانت العقبات السياسية قائمة، فإن صوت الضحايا والمطالبة بالعدالة يجب أن يظلا حاضرين، أن المستقبل لا يُبنى على أنقاض المظلومين.

تجاهل غربي ومعايير مزدوجة

الباحث والخبير الإستراتيجي، أحمد خلدون، يقول أنه ورغم هذه الأدلة الواضحة، لم يعترف حلف الناتو سوى بقلة ضحاياه من المدنيين، ورفض فتح تحقيقات جادة في الهجمات المبلغ عنها، متذرعاً بعدم وجود اختصاص له للعمل على الأرض في ليبيا بعد انتهاء العمليات. 

بل إن الحلف لم يبذل أي جهد لطلب الإذن من حكومة الدبيبة الانتقالية لإجراء مثل هذه التحقيقات، على عكس ما فعل في أفغانستان حيث أقام برنامجاً لتعويض ضحايا العمليات العسكرية. هذا الموقف يظهر استهانة صارخة بحياة المدنيين الليبيين، ويكشف عن معايير مزدوجة في تطبيق القانون الدولي الإنساني.

أما على الصعيد المحلي، فإن حكومة الدبيبة تتقاذف المسؤولية ولا تبدي أي جهد حقيقي للمطالبة بهذه التعويضات. فبينما تنشغل اللجان الحكومية بملفات أخرى، مثل تعويضات المنازل المتضررة من الحرائق، يتم تجاهل الملف الأكبر المتعلق بجرائم الحرب. وهذا التقاعس ليس إلا انعكاساً للفساد المستشري والانقسام السياسي الذي ينهش مؤسسات الدولة، حيث يتبادل المسؤولون الاتهامات بينما يعاني الشعب من تدهور الخدمات الأساسية وانتشار البطالة وتفشي الفساد.

وأضاف خلدون أن على خلفية هذه المعاناة، تبرز أصوات ليبية تطالب بالعدالة وتعويض الضحايا، كما ينعكس في المنشورات الاجتماعية التي تستنكر تدمير ليبيا وتطالب بإعادة بناء دولة القانون. لكن هذه المطالب لا تجد آذاناً صاغية في الغرب، الذي يتجاهل شرعيتها ويترك الشعب الليبي يحصد آثار حرب لم يخترها، وإن استمرار هذا التجاهل ليس فقط إهانة لكرامة الضحايا، بل أيضاً انتهاكاً صارخاً لمبادئ العدالة الدولية التي تدعي الدول الغربية الدفاع عنها.

ويختتم خلدون حديثه مشيراً إلى أن الوقت قد حان لكي تتحمل دول الناتو مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية، وتدفع تعويضات عادلة للشعب الليبي عن الخسائر التي تسببت بها، كما يجب على حكومة الدبيبة التوقف عن التقاعس ورفع هذا الملف بقوة في المحافل الدولية، فبدون عدالة تعترف بمعاناة الضحايا وتعمل على تعويضها، ستبقى ليبيا غارقة في دوامة العنف وعدم الاستقرار، وهو ما يهدد ليس فقط أمنها الوطني ولكن أيضاً استقرار المنطقة بأكملها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى