اخبار مميزةليبيا

التير: قطاع الطيران يحتاج لإصلاحات جذرية ودمج للشركات الوطنية

قال الخبير في شؤون النقل الجوي، الرماح التير، أن أزمة قطاع الطيران المدني في ليبيا تتجاوز كونها أزمة تمويل أو تبعات اقتصادية عابرة، بل تعكس خللًا عميقًا ومركبًا في منظومة إدارة الدولة، امتد أثره لسنوات طويلة.

وأضاف التير، في تصريحات صحفية مع “قناة الوسط” أن شركات الطيران الليبية، سواء الحكومية أو الخاصة، تعاني من ديون متراكمة تعود في جزء منها إلى ما قبل عام 2011، مؤكداً أن الأزمة لا ترتبط فقط بنقص الموارد المالية، بل تتعلق أيضًا بعدم التزام الجهات الحكومية بسداد مستحقات هذه الشركات، رغم اعتمادها المستمر على خدماتها.
وبيّن التير، أن بعض الشركات، مثل الخطوط الجوية الأفريقية، حصلت على تمويلات حكومية لا تتجاوز عُشر تكاليف التشغيل الفعلية، خاصة في ظل التغيرات الكبيرة في سعر صرف الدولار، حيث كانت الشركات تحتسب خدماتها بسعر 1.3 دينار للدولار، بينما تُعوّض اليوم على نفس الأساس، رغم أن السعر الحقيقي للدولار يتراوح بين 5 و7 دنانير.
وأشار إلى أن بعض شركات الطيران الليبية لا تملك أكثر من ثلاث إلى خمس طائرات فقط ضمن أسطولها، وهو رقم محدود يعكس وضعًا صعبًا يتمثل في ضعف خطوط النقل والوجهات المتاحة، ما يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة هذه الشركات على الاستمرار في ظل هذه الظروف.
ولفت التير، إلى أن شركة الخطوط الأفريقية كانت في العام 2011، تمتلك بين 12 و13 طائرة، وكانت تستعد لتوسيع أسطولها ضمن خطة استراتيجية طموحة، مشيرًا إلى أنه كان على اطلاع مباشر على أوضاع الشركة في تلك الفترة.
وأوضح التير، أن تدهور قطاع الطيران يعود إلى عدة عوامل، كان أبرزها الأوضاع الأمنية والسياسية الخارجية التي أثرت بشكل سلبي على القطاع، بالإضافة إلى الإخفاقات الداخلية في إدارة شركات الطيران، سواء من الناحية الفنية أو الإدارية، مما أدى إلى تراجع كبير في مستوى أدائها، مضيفا أن من أبرز مظاهر هذا التدهور هو تدمير شركات الصيانة التي كانت تشكل ركيزة أساسية في قطاع الطيران، والتي كانت تضم بين 400 إلى 600 مهندس وفني مختص في صيانة الطائرات، وكانوا يقدمون خدماتهم لشركتي الخطوط الليبية والأفريقية، إلا أن معظمهم تم تسريحه، ما أدى إلى انهيار قدرة الشركات على الصيانة الذاتية.
وأشار التير، إلى أن الشركتين تملكان الآن قدرات صيانة محدودة للغاية تقتصر على بعض الفحوصات البسيطة، في حين يتم إجراء الفحوصات الفنية المهمة مثل فحصي “A” و”C” في الخارج، الأمر الذي يرفع التكاليف التشغيلية ويؤثر سلبًا على الأداء العام.
وأكد أن أي مسار حقيقي نحو استعادة عافية قطاع الطيران في البلاد يجب أن ينطلق من إصلاحات جذرية تشمل إعادة بناء البنية التحتية الفنية والإدارية، وتفعيل شركات الصيانة المحلية، والاستثمار في الكوادر الوطنية المؤهلة.
ونوه التير، بأن استمرار وجود ناقلين وطنيين في ظل سوق صغير يعاني من الانقسام السياسي يشكل عبئًا ماليًا وإداريًا لا تستطيع الدولة تحمّله، و أوضح أن استمرار وجود شركتين بهذا الحجم يُعد خطأ فادحًا، لافتًا إلى أن الخطوط الجوية الأفريقية أُنشئت لتعمل على الربط بين الأسواق العالمية، وليس فقط لخدمة السوق المحلي أو الربط بين ليبيا وأوروبا أو الشرق الأوسط.
وأشار إلى أن الشركة اتخذت من مطار طرابلس مركزًا للعبور، وكان 75% من حركة الركاب التي قامت بها قبل عام 2011 تمر بين الأسواق الأوروبية والأفريقية، ومن هناك إلى الشرق الأوسط ومناطق أخرى، إلا أن هذا النموذج انهار بعد 2011 بسبب تدهور الوضع الأمني، ولم يعد من الممكن الاعتماد على المطارات الليبية كمراكز عبور، ما تسبب في تغيير جذري في نموذج عمل الشركة، وهو ما جعلها غير قادرة على الاستمرار اقتصاديًا
وأكد التير، دعمه القوي لفكرة دمج شركتي الخطوط الليبية والأفريقية، موضحًا أن هذا التوجه طُرح قبل عام 2010، حيث أجرت إحدى الشركات الاستشارية العالمية دراسة بهذا الشأن، كما أعدت منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) والاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA) دراسة أخرى، وكلاهما أوصى بدمج الشركتين، مشيرا إلى أن خطة الدمج لا تزال موجودة لدى الشركة القابضة للطيران، إلا أن تنفيذها تعرقل بفعل النفوذ والتجاذبات والمصالح، مؤكدًا أن الدمج بات ضرورة حتمية، لأن استمرار الفصل بين الشركتين لا يخدم الاقتصاد الوطني بأي شكل من الأشكال.
واعتبر التير، أن الحظر الجوي المفروض على ليبيا يمثل خسارة اقتصادية فادحة، تقدر بنحو مليار دولار سنويًا، مستغربًا من غياب أي دراسة رسمية من وزارات الاقتصاد، أو التخطيط، أو الطيران، أو المواصلات لتقييم حجم الأضرار الاقتصادية الناتجة عن هذا الحظر.
وشدد على أهمية رفع الحظر الأوروبي المفروض على الطيران الليبي، مشيرًا إلى أن استمراره يعيق تطور قطاع النقل الجوي، ويحرم المواطنين من فرص السفر والعمل، كما يؤثر سلبًا على الجاليات الليبية المقيمة في الخارج.
وأضاف التير أن بعض الأصوات ترى أن فك الحظر الأوروبي غير ضروري، بحجة أن ليبيا لا تملك سوى عدد محدود من الخطوط الجوية، وأن معظم المواطنين لا يملكون تأشيرات دخول إلى أوروبا، وأن الأجواء الليبية لم تعد تُستخدم كمحطة عبور من قبل الأجانب، إلا أنه رفض هذا الطرح، مؤكدًا أن السوق الأوروبية تظل ذات أهمية كبيرة، سواء للمقيمين في أوروبا أو لليبيين الذين يرتبطون بأعمال ومصالح مع الدول الأوروبية.
وأفاد التير، بأن الرحلات الجوية في ليبيا مقتصرة على وجهات محدودة تشمل القاهرة، تونس، عمّان، جدة، إسطنبول، شرم الشيخ، بالإضافة إلى رحلات أسبوعية نحو روما ومالطا، وخط مباشر إلى ميامي، مشيرا بأن التطوير لا يحدث إلا من خلال فتح الفرص، كما هو الحال في أي نشاط تجاري.
وفيما يتعلق بأزمة ديون شركات الطيران، أشار التير إلى أن المبالغ المرصودة لتسوية هذه الديون والمقدرة بنحو 57 مليون دينار ليبي لا تُعد كافية بأي شكل، حيث إن ما يعادلها بالدولار حوالي 10 ملايين دولار لا يكفي حتى لصيانة محرك طائرة واحدة، مؤكدًا أن تطوير القطاع يتطلب رؤية استراتيجية ودعمًا فعليًا، يتجاوز مجرد تسوية جزئية للديون المتراكمة.
واختتم التير حديثه بالتأكيد على أن فتح الأجواء الأوروبية أمام الطيران الليبي يمثل الخطوة الأولى والضرورية لإعادة تفعيل القطاع، مشددًا على أن استمرار العزلة الجوية الحالية يعوق أي أمل حقيقي في تطوير ونهوض الطيران المدني الليبي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى