اخبار مميزةليبيا

لملوم: الوضع في ليبيا تجاوز الحد في حجم وعلنية الانتهاكات

قال الناشط الحقوقي طارق لملوم، إن الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز في ليبيا لم تعد مجرد مخالفات قانونية أو حالات فردية، بل أصبحت تعكس ما وصفه بـ “الانهيار الأخلاقي داخل المنظومة الأمنية”، محذرًا من تجاهل البعد الإنساني في التعامل مع السجناء والمحتجزين.

وأكد لملوم، في مقابلة مع قناة المسار، أن بعض الجماعات المسلحة قد تكون غير ملتزمة بالقوانين أو الالتزامات الدولية التي وقعت عليها ليبيا، إلا أن ذلك لا يبرر أساليب تعاملها مع الضحايا أو السجناء أو حتى خصومها، مضيفًا: “حتى وإن اعتُبر بعض المحتجزين خصومًا وليسوا سجناء بالمعنى القانوني، فإن ما يُرتكب بحقهم يتجاوز كل القيم والمعايير”.

ونوه بأن النقاش قبل سنوات كان يقتصر على “حالات فردية”، إلا أن الواقع الحالي يظهر انتشار الانتهاكات في غالبية السجون وأماكن الاحتجاز الخاضعة لسيطرة الجماعات المسلحة، حيث “كل من يمتلك سلطة يمارسها دون رقابة حقيقية”.

واستطرد لملوم: “الانتهاكات تبدأ من المعسكرات ولا تنتهي عند مراكز الشرطة، هناك تفاوت، لكنها موجودة في كل مكان تقريبًا. وفي بعض الحالات، يتحرك المسؤولين عند علمهم بما يجري ويتخذوا خطوات رقابية أو تصحيحية”.

ولفت إلى خطورة استمرار الانتهاكات، خصوصًا في المعسكرات التابعة لمؤسسات رسمية مثل وزارة الدفاع، مؤكدًا: “عندما تحدث مثل هذه الانتهاكات في مؤسسات رسمية، فنحن لا نتحدث عن حالات فردية، بل عن أزمة ممنهجة تتطلب وقفة حقيقية وإصلاحًا جذريًا”.

وأضاف أن الفوضى الأمنية في ليبيا تساهم في عودة بعض عناصر الجماعات المسلحة إلى النشاط، رغم تورطهم في انتهاكات سابقة، موضحًا أن هؤلاء يتم أحيانًا تسليمهم أو الإعلان عن فتح تحقيق بحقهم، لكن في كثير من الأحيان يتم إبعادهم فقط، ليعودوا لاحقًا إلى مواقعهم.

وأكد أن هذه الظواهر تتكرر نتيجة غياب سلطة مركزية موحدة، وسيطرة كل جماعة مسلحة على منطقة معينة، موضحاً: “بعض هذه المجموعات تدعي تبعيتها للحكومة، لكن في الواقع الأفراد القائمون عليها هم من يتخذون القرار”.

وشدّد لملوم، على أن غياب المحاسبة الحقيقية واستمرار التفكك الأمني يزيد من معاناة المواطنين ويقوّض أي محاولة لتحقيق العدالة أو الاستقرار في البلاد.

كما أكّد أن ممارسات الاعتقال والتعذيب وسوء المعاملة لم تعد مقتصرة على مجموعات خارجة عن القانون، بل أصبحت جزءًا من ثقافة عامة راسخة في المنطقة، بما في ذلك في دول مستقرة تواجه ظواهر مشابهة.

وأفاد بأن هذه الانتهاكات لا تقتصر على الجوانب الجسدية فحسب، بل تشمل الإهانة والتصوير والتوثيق العلني، مشيرًا إلى أن الجناة يوثقون جرائمهم وينشرونها دون خوف، ما يعكس غياب المساءلة القانونية والاجتماعية.

وأضاف أن الجلادين في كثير من الأحيان يتعاملون مع الموقوفين وكأن كل شيء مباح، بما في ذلك الإهانة والضرب والإخفاء القسري، وأحيانًا القتل. كما لفت إلى أن توثيق الجرائم ونشرها يشكل رسالة واضحة بعدم الخوف من العقاب.

وأشار إلى أن إحدى الكتائب المسلحة كررت هذا السلوك خلال الأشهر الماضية، حيث وثّقت انتهاكاتها ونشرتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وفي ظل غياب أي محاسبة فعلية، يبقى الشعور السائد أن العقاب لن يكون جديًا، سواء قانونيًا أو اجتماعيًا.

ولفت إلى أن الوضع في ليبيا تجاوز الحد فيما يتعلق بحجم وعلنية الانتهاكات، داعيًا إلى تحرك عاجل لوقف هذه الممارسات ومحاسبة المتورطين.

كما وصف دور بعض القبائل بأنه سلبي ومؤثر في دعم المجموعات المسلحة، مما زاد من تعقيد المشهد الأمني والاجتماعي في البلاد.

وأوضح لملموم، أن بعض الأطراف كثيرًا ما تدعم مجموعات مسلحة عند وقوع إشكاليات، حيث تتحرك القبيلة أو الأعيان للدفاع عنها، مما يعقد معالجة الأزمة بشكل عادل وشفاف. كما أشار إلى وجود حالة من التغاضي عن بعض الانتهاكات أو التجاوزات تحت ذريعة الحفاظ على وحدة القبيلة أو تجنب الإساءة من قبائل أخرى، وهو ما يشكّل تجاوزًا للأعراف والتقاليد وحتى لمبادئ الدين.

وأكد أن الحديث عن الدور القبلي وتأثيره في المشهد الليبي يحتاج إلى نقاش موسع، مشددًا على أن الجانب القبلي لعب دورًا كبيرًا، بما في ذلك فيما يُعرف بالمساعدات العرفية، التي تمثل جزءًا من ثوابت المجتمع، إلا أن هذه المبادئ يتم تجاهلها أحيانًا بدافع البقاء في المشهد أو الحفاظ على النفوذ.

وأشار إلى أن الانتهاكات لا تقتصر على المجموعات المسلحة فقط، بل تشمل أيضًا مؤسسات رسمية تابعة للدولة، وعلى رأسها بعض السجون الخاضعة لوزارة العدل. وأضاف أن ما يحدث يمكن وصفه أحيانًا بالتواطؤ أو السكوت، وأحيانًا أخرى بالعجز من الحكومات عن السيطرة على هذه الانتهاكات، مؤكدًا أن الضغوط الدولية على السلطات الليبية تزيد تعقيد المشهد الحقوقي، خاصة في ظل تقارير رسمية “مضللة” تحاول تصوير الأوضاع على أنها في تحسن.

كما ذكر أن النائب العام الليبي صرح سابقًا بأن جل مؤسسات الإصلاح في ليبيا، سواء في الشرق أو الغرب، لا تخضع فعليًا لوزارة العدل، ويُمارس فيها التعذيب والمعاملة المهينة، بما في ذلك بعض السجون مثل “قرنادة” و”الكويفية”.

وأوضح أن إنهاء هذه الممارسات يحتاج إلى “وقت، ومراقبة، ومحاسبة جادة”، داعيًا إلى تحرك محلي ودولي لضمان الحد من التعذيب والمعاملة القاسية والمهينة في البلاد. وأكد أن المحكمة الجنائية الدولية تمثل الجهة الوحيدة القادرة حاليًا على ممارسة ضغط حقيقي في ملف الانتهاكات الجسيمة، خاصة مع تعذر قيام الجهات المحلية والدولية الأخرى بدورها. مشيرًا إلى أن المحكمة تمتلك اختصاصًا واضحًا في الشأن الليبي منذ عام 2011، وقد بدأت بالفعل في التحقيق في بعض القضايا وأصدرت بطاقات قبض بحق عدد من الأفراد، مع توقع صدور بطاقات جديدة خلال الفترة المقبلة.

وأشار إلى أن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة كلّف لجنة لتقصي الحقائق في ليبيا، وكان من المفترض أن تزور السجون وتقيّم الأوضاع، لكن السلطات الليبية – سواء في الشرق أو الغرب – منعت اللجنة من أداء مهامها، مما عطّل عملها رغم تمديد ولايتها..

وأكد أن القضاء الليبي، رغم صعوباته الحالية، يظل قادرًا على التعامل مع بعض الجرائم المحلية، لكنه لا يشكل مسارًا جادًا لمساءلة المتورطين في جرائم الحرب، موضحًا أن العدالة لن تتحقق إلا بمحاسبة جميع الأطراف، سواء المنفذون المباشرون أو المسؤولون عن إصدار الأوامر وتوفير الحماية السياسية أو العسكرية لهم. وأضاف أن التحقيق يجب أن يمتد إلى رئاسة الأركان ووزارة الدفاع، حيث يتحمل المجلس الرئاسي جزءًا من المسؤولية باعتباره الجهة المشرفة على هذه المؤسسات.

وأشار إلى أن المنظمات والأفراد العاملين في مجال حقوق الإنسان داخل ليبيا يمثلون الحلقة الأضعف، فهم يواجهون تضييقًا ممنهجًا رغم جهودهم في توثيق الانتهاكات والدفاع عن الضحايا. كما أظهر العشر سنوات الماضية اتفاقًا ضمنيًا بين السلطات المتعاقبة على استهداف الأصوات غير الحكومية، بما في ذلك الجمعيات والمنظمات الحقوقية. ودعا إلى دعم وتمكين المنظمات المحلية للعمل بحرية والاستماع إلى انتقادات الداخل بدل الاعتماد على التقارير الدولية فقط.

وأوضح أن العديد من المنظمات اضطرت إلى وقف نشاطها أو العمل من خارج البلاد بسبب التهديدات والقيود، خاصة خلال السنوات الأربع الأخيرة، مع تصاعد التضييق على مؤسسات المجتمع المدني ومنعها من زيارة السجون ومراكز احتجاز المهاجرين. لكنه أشاد بالمبادرات المحلية مثل اللجنة الوطنية، واعتبر تقريرها الأخير جهدًا مهمًا في توثيق الانتهاكات.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى