ليبيا

الفنيش: قوة المجلس الرئاسي تكمن في دوره كوسيط بين حكومة الدبيبة والردع

أكد المحلل السياسي حسام الفنيش، أن البيان الصادر عن المجلس الرئاسي مؤخراً جاء قوياً وواضحاً من حيث الموقف، إلا أنه خلا من أي تفاصيل متعلقة بمفاوضات الشروط السبعة التي طرحتها الحكومة، والتي ما تزال محل ترقب داخلي وخارجي.

وأوضح الفنيش في حديث لقناة “ليبيا الأحرار”، رصدته “الساعة 24” أن المعلومات المتوفرة حول مسار التفاوض لا تزال شحيحة، سواء عبر الوسائل الرسمية أو من خلال التواصل الشخصي مع بعض الأطراف المعنية، مشيراً في الوقت ذاته إلى وجود مؤشرات على تقدم محدود في بعض النقاط محل الخلاف، رغم بقاء الصورة العامة غير مكتملة.

وأشار إلى أن لجنة الترتيبات الأمنية تقوم بدورها الميداني على نحو جيد، وهو ما ينعكس – بحسب قوله – على حالة الاستقرار النسبي في شوارع طرابلس، حيث يُلاحظ التزام من الأطراف المتنازعة بالتموضع والتمركز الأمني، بما يعكس جدية في تجنب الانزلاق نحو التصعيد.

وفيما يتعلق بالمواقف الدولية، قال الفنيش إن بيان البعثة الأممية الأخير تضمن تحذيرات واضحة من التعرض للمدنيين أو البنية التحتية، مشدداً على أن من يرتكب مثل هذه الانتهاكات قد يواجه عقوبات دولية وفق القانون الدولي الإنساني، ما اعتبره دعماً ضمنياً من المجتمع الدولي لجهود الرئاسي ولجنة الترتيبات الأمنية.

وحول ملامح التقدم، أوضح الفنيش، أن مجرد جلوس الأطراف المتنازعة على طاولة الحوار يعد في حد ذاته تطوراً إيجابياً، لافتاً إلى وجود تطمينات غير معلنة تفيد بأن المفاوضات تسير في اتجاه إيجابي، حتى وإن لم يُفصح عنها بشكل رسمي.

كما ثمّن الجهود التي تبذلها بعثة الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة في سبيل الحفاظ على الهدنة، مشيراً إلى أن المجلس الرئاسي يتحرك حالياً بدور الوسيط بين الحكومة والطرف الآخر، بهدف تفادي أي تصعيد محتمل داخل العاصمة.

وأعرب الفنيش عن أمله في أن تكشف الأيام القليلة المقبلة ما إذا كانت هذه التحركات ستثمر عن تقدم فعلي في المفاوضات، أو أن الوضع سيبقى في حالة من الجمود السياسي والعسكري، مشيراً إلى أن مسألة التفاوض بين الأطراف المتصارعة في ليبيا لم تكن نابعة من إرادة داخلية، بل جاءت نتيجة ضغوط متعددة، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي والدولي، مشيرًا إلى أن المجتمع الدولي يبذل جهودًا حثيثة لمنع توسع رقعة الحرب داخل العاصمة طرابلس.

وأوضح الفنيش، أن هناك تخوفًا دوليًا واضحًا من اندلاع مواجهة عسكرية واسعة في العاصمة، خاصة في ظل ظرف سياسي حساس، حيث تواصل البعثة الأممية الدفع بخارطة طريق جديدة من المفترض أن يبدأ تنفيذها قريبًا، واعتبر أن نشوب حرب في طرابلس من شأنه أن ينسف المسار السياسي برمّته ويقوّض الجهود الأممية المبذولة.

وشدد على أن لكل طرف من أطراف الصراع أهدافه الخاصة، مؤكدًا أن الهدف الآن ليس الخوض في تحديد المسؤوليات أو تبني وجهات نظر منحازة، بل السعي لإيقاف حالة الحرب، لما لها من آثار كارثية على المدنيين.

وأضاف أن اندلاع أي مواجهة في العاصمة سيؤدي إلى تضرر مئات الآلاف من الليبيين، خاصة في ظل صعوبة السيطرة على الأوضاع الأمنية في مدينة مكتظة مثل طرابلس.

كما أشار إلى وجود جهود حقيقية تبذلها الأمم المتحدة، وهو ما أكده المتحدث الرسمي باسم البعثة معبّراً عن دعم البعثة الكامل لجهود المجلس الرئاسي، وسعيها الحثيث لمنع أي خروقات قد تؤدي إلى تصعيد عسكري.

وأكد الفنيش أن الرئاسي، رغم ما يعتري عمله من انتقادات، فإنه يبذل جهودًا جدية لاحتواء الوضع. ومع ذلك، شدد على أهمية أن تلعب وسائل الإعلام دورًا فاعلًا في طمأنة المواطنين دون تزييف للواقع، وذلك من خلال تسليط الضوء على الجهود المبذولة لمنع الحرب، بدلًا من تغذيتها.

وتابع قائلًا إن القرار النهائي بشأن الحرب كثيرًا ما يكون دوليًا، إلا أن الأطراف المحلية تظل مسؤولة عن إشعال فتيل الأزمات.

وأردف أن الحروب في ليبيا غالبًا ما كانت مرتبطة بضوء أخضر خارجي، غير أن المجتمع الدولي في المرحلة الراهنة لا يبدو راغبًا في التصعيد، مشيراً إلى أن الضغوط التي تمارسها الحكومة على الطرف الآخر قد تزيد من تعقيد المشهد، محذرًا من أن أي انخراط مباشر للحكومة في المواجهات سيضعها أمام مأزق حقيقي يصعب الخروج منه.

وأكد الفنيش أن تطورات الأوضاع الأمنية ما زالت محكومة بسياقات سياسية معقدة، مشيراً إلى أن كل ارتدادات الحرب الدائرة على الأرض ستنعكس سلباً على الحكومة.

وفي ذات السياق، أشار إلى أن المجلس الرئاسي شرع في تطبيق استراتيجية “الأمن العازل”، عبر نشر قوات محايدة لعزل الأطراف المتصارعة، معتبراً أن هذه الخطوة أثبتت نجاحاً نسبياً حتى الآن.

ومع ذلك، حذّر الفنيش من أي هدنة هشّة، مطالباً بمعالجة جذور الصراع، بعيداً عن لغة السلاح والتصعيد. كما أشار إلى أن المؤسسة الأمنية والعسكرية في ليبيا بحاجة ماسة إلى إعادة هيكلة شاملة، تتضمن رؤية جديدة تنسجم مع متطلبات المرحلة الراهنة.

وأضاف الفنيش أن ما تشهده البلاد اليوم من صراعات هو امتداد طبيعي لمسار سياسي مأزوم منذ عام 2011، وأن محاولات فرض واقع جديد عبر الحروب ليست جديدة.

وأشار إلى أن كل طرف يسعى إلى فرض نفسه في أي تسوية سياسية مقبلة، وهو ما يدفعه إلى استخدام أدوات عسكرية وأمنية لتثبيت حضوره في المعادلة، محذراً من الاستمرار في هذا النهج الذي سيُبقي البلاد رهينة لدورات من العنف وعدم الاستقرار.

وأشار المحلل السياسي إلى أن جهاز الردع، وهو أحد أبرز الأجهزة الأمنية، ويتبع المجلس الرئاسي مباشرة، ما يضع على عاتق الرئاسي مسؤوليات أخلاقية وسياسية وأمنية في حفظ الأمن والاستقرار داخل العاصمة طرابلس ومحيطها.

وفي السياق الإقليمي، لفت الفنيش إلى وجود مؤشرات على اهتمام متزايد من بعض الدول، خاصة تركيا، بلعب دور في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة، معتبرًا أن أنقرة تملك القدرة على التأثير نظراً لعلاقاتها مع كلا الطرفين.

وأوضح أن هذا التحرك المحتمل ليس مستندًا إلى معلومات حصرية، بل إلى قراءة سياسية للمعطيات الإقليمية الحالية.

كما عبّر عن قناعته بأن الحلول لن تكون داخلية بحتة، مرجحًا أن يكون للأطراف الدولية والإقليمية الكلمة الفصل في الدفع نحو تسوية سلمية ووقف التصعيد.

أضاف أن الرئاسي، وإن لم يمتلك الأدوات الكاملة لفرض الأمن، إلا أن قوته الحقيقية تكمن في دوره كوسيط، وفي شبكة تواصله النشطة مع العواصم الفاعلة إقليميًا ودوليًا.

وأشار بالقول إن التهدئة في طرابلس تتطلب تنازلات متبادلة، مؤكدًا أن الدخول في حرب جديدة لا يحظى بأي قبول دولي أو إقليمي في المرحلة الراهنة.

وبخصوص العلاقة بين الرئاسي وحكومة الوحدة أشار الفنيش إلى أنها تشهد توتراً واضحاً، إلا أن الطرفين مضطران للتعامل فيما بينهما نظراً لتقاطع الصلاحيات واشتراكهما في إدارة السلطة التنفيذية في البلاد. موضحاً أن هناك قواعد للتعامل لا تزال قائمة بين الجانبين، نظراً لارتباط الطرفين بمصلحة وطنية مشتركة.

وأضاف أن المجلس الرئاسي يسعى دائماً إلى الحفاظ على الموضوعية، حيث يرفض الانحياز الكامل لأي طرف، سواء للحكومة أو للأطراف العسكرية مثل جهاز الردع.

وشدد الفنيش على ضرورة التمسك بالحلول السلمية، داعياً إلى اعتماد التفاوض والحوار كمسار وحيد لتجاوز الأزمة، ومؤكداً أن المجلس الرئاسي يجب أن يلعب دور الضامن لهذا الحوار، خاصة في ظل الحاجة الماسة إلى وجود طرف محلي داخل العاصمة يضمن احترام الهدنة ويحول دون اندلاع أي صدامات مسلحة.

ورأى أن إمكانية التوصل إلى حل جذري في المدى القريب تبقى مستبعدة، بسبب تعنت الأطراف وغياب الاستعداد لتقديم تنازلات كبيرة.

وأشار إلى أن حل الأزمة قد يتطلب تدخلاً من وسيط إقليمي أو دولي يمتلك القدرة على التأثير في الأطراف المتنازعة، متوقعاً أن تتحرك بعض الوساطات خلال الأيام المقبلة.

وختم الفنيش حديثه بالتأكيد على ضرورة تغليب الحكمة والتعقل، مطالباً الحكومة بالتعامل بانفتاح وعقلانية، مشدداً على أن الحرب ليست خياراً مثمراً، وأن الحلول السياسية هي السبيل الوحيد لضمان الاستقرار الدائم في العاصمة وليبيا بأسرها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى