ليبيا

راقي المسماري: أي رئيس حكومة جديد سيواجه ظروفاً صعبة بسبب المليشيات

أوضح أستاذ القانون الخاص، راقي المسماري، أن رئيس حكومة الوحدة المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، يسعى لخلق مساحة لنفسه على طاولة المفاوضات، معتمدًا على الميليشيات المتحالفة معه، مبيناً أن التحدي الأكبر يكمن في الميليشيات الأخرى التي لا يملك الدبيبة أية أدوات قانونية أو سياسية للتعامل معها سوى الخيار العسكري، وهو ما لا يرغب فيه أحد لأنه سيزيد من الصراعات.

وأشار المسماري في حديث لتلفزيون المسار، رصدته “الساعة 24” إلى أن التشكيلات المسلحة باتت تسيطر على مؤسسات الدولة، وتبتزها، وتحتجز الموارد، ما يجعل أي محاولة لإدارة الدولة أو الإصلاح صعبة للغاية، محذراً من أن استمرار الوضع على هذا النحو والذي قد يقود إلى انهيار المؤسسات، معتبراً بأنه سيناريو كارثي.

وأكد المسماري أن ميليشيات طرابلس عطلت عمل الدولة والحكومات التنفيذية المتعاقبة، من حكومة الكيب إلى حكومة زيدان، ثم حكومة الغويل والسراج، وصولاً إلى الحكومة الحالية، معتبراً أن استمرار وجود السلاح خارج الإطار الحكومي النظامي يزيد من تعقيد المشهد السياسي ويؤدي إلى إعادة إنتاج الأخطاء نفسها رغم تدخل البعثة الأممية.

وفيما يخص دور البعثة الأممية، اعتبر المسماري أن تصريحاتها، إلى جانب ممثلة المملكة المتحدة في مجلس الأمن، تشير إلى اعتراف ضمني بأن الميليشيات أصبحت واقعًا مفروضًا في العاصمة، ولا يمكن تجاهلها. مبيناً أن البعثة تهدف فقط لإدارة الوضع الراهن وفرض التهدئة بين الحكومة والميليشيات، لكنها لا تقدم حلولاً حقيقية للمشكلات الإدارية والمالية التي تواجه الدولة.

وأوضح المسماري، إلى أن الفكر الميليشياوي فرض نفسه في العاصمة منذ نحو 14 عاماً، من خلال وجود ميليشيات تتمتع ببعض المؤيدين والمشجعين، أحياناً بدافع النكاية السياسية، لكنه أوضح أن دعم أو تشجيع أي ميليشيا أمر غير مقبول، مهما كانت الأسباب، لأن ممارساتها استنزفت أموال الدولة بشكل كبير، مشيراً إلى أن نحو 686 مليار دينار تم إهدارها بين عامي 2012 و2018، إضافة إلى تحويل 282 مليار دولار للخارج، ما أدى إلى إفلاس الدولة وإضعاف قدرتها على الإدارة المالية والإدارية.

ورأي أستاذ القانون في الجامعات الليبية، أن حادثة اغتيال قائد جهاز دعم الاستقرار عبد الغني الككلي تُقوّض الثقة وتُضعف المؤسسات، مضيفاً أن الشعب الليبي بطبيعته يرفض مثل هذه الأعمال، ويحافظ على قيمه وتقاليده.

وشدد المسماري على ضرورة أن تمثل الحكومة والقوات المسلحة بشكل حقيقي مصالح المشروع الوطني في شرق البلاد وجنوبها، مع رفض الانصياع لمواقف البعثة الأممية، أو مركز الحوار الإنساني في جنيف، محذراً من استمرار التدخل الأممي بصيغته الحالية والذي قد يعيد ليبيا إلى المربع الأول، خصوصاً إذا تم إنشاء حكومة موحدة في طرابلس، مع استمرار انتشار السلاح خارج سيطرة الدولة.

وعزا المسماري ما يحدث حالياً في ليبيا، إلى قرارات مجلس الأمن 1973 و1979 والذي وضع ليبيا تحت الفصل السابع واصفاً ذلك الأمر بأن المجتمع الدولي “استعجل في التدخل” وارتكب “أخطاء كارثية” في إدارة الأزمة، مضيفاً أن بعثة الأمم المتحدة لم تتمكن من معالجة الأعباء التي خلفتها تلك السياسات منذ بداية المرحلة، بدءاً من عبد الإله الخطيب ومروراً بطارق ميتري، وليون، وكوبلر، وكوبيتش، وستيفاني ويليامز، وصولاً إلى الممثلة الحالية هانا تيتيه، ومساعدتها ستيفاني خوري.

وبيّن المسماري أن مجلس الأمن والأمم المتحدة تركا ليبيا تعاني من سياسات الإدارة الخاطئة والتعيينات والاتفاقات السياسية الفاشلة، مؤكداً أن النصوص القانونية وحدها لم تكفِ، بل كان يجب وجود أدوات لتنفيذها على الأرض، وهو ما لم يتحقق، حيث لم يتم تطبيق أي من الاتفاقات السياسية بشكل فعلي إلا مسألة تشكيل الحكومات، في حين استمرت الفوضى والفساد والابتزاز في المؤسسات الحكومية، خاصة في طرابلس.

وأضاف أن الأمم المتحدة ومجلس الأمن كان يجب أن يلجؤوا إلى مؤتمر دولي “حاسم وفاعل” بشأن ليبيا، وليس مؤتمرات يشارك فيها وزراء ونواب وزراء أو موظفون إداريون، مشدداً على أن الحضور على مستوى الرؤوس كان ضرورياً لإنهاء الأزمة.

ولفت أستاذ القانون الخاص، إلى أن تحويل المؤتمر الوطني العام إلى مجلس دولة بعد الاتفاق السياسي أدى إلى تقييد صلاحياته، وجعله هيئة استشارية محدودة بمهلة زمنية 21 يوماً للرد على التشريعات، مع كون رأيه غير ملزم في معظم الحالات. موضحاً أن الكتلة التي سلمت سلطتها إلى مجلس النواب مارست عملها بشكل مهني وحيادي، لكنها أُقصيت عن مجلس الدولة الحالي، وهو ما يعكس قصور البعثة الأممية في ضمان مشاركة جميع الأطراف الفاعلة.

وتطرق المسماري إلى حكومة الوحدة المؤقتة، قائلاً إن الحكومات في طرابلس، ومن بينها حكومة الدبيبة، تعاملت مع الميليشيات بشكل مباشر، موفّرة لها الدعم المادي والسياسي وأذونات استيراد الأسلحة، وهو ما ساعد هذه التشكيلات على الاحتفاظ بنفوذها السياسي، خاصة عند اقتراب المفاوضات السياسية.

وأشار إلى أن الصراعات العسكرية في طرابلس غالباً ما كانت مرتبطة بالمفاوضات السياسية، وأن حكومة الوحدة سعت من خلال السيطرة على الميليشيات إلى فرض سيطرتها على المشهد السياسي في المنطقة الغربية، في مقابل البرلمان والجيش في الشرق والجنوب، مؤكداً أن الدبيبة كان يسعى للظهور وحيداً على طاولة التفاوض بالمنطقة الغربية، بينما حاولت ميليشيات وأحزاب معينة الحفاظ على مصالحها الخاصة، مستغلة دعم الحكومة وإمكاناتها المالية. مضيفاً بأن توصيات البعثة الأممية “التي لا يوليها اهتماماً” بشأن الحكومة المقبلة ودمج الميليشيات مجرد توصيات “تعبيرية وإنشائية” ولا تعكس الواقع على الأرض.

وتابع المسماري: أي رئيس وزراء جديد سيواجه ظروفاً صعبة للغاية بسبب انتشار الميليشيات وسيطرة الأسلحة خارج الإطار الحكومي، مضيفاً أن المحاولات الورقية لإعادة دمج المجموعات المسلحة وفق الخطط الدولية (DDR) لا تكفي، وأن كل الحكومات السابقة فشلت في فرض السيطرة على هذه التشكيلات، بما فيها حكومة الوحدة الوطنية الحالية. كما أن انتشار السلاح في طرابلس والمناطق الغربية، إلى جانب ضعف المؤسسات الحكومية، سيجعل أي حكومة جديدة غير قادرة على تنفيذ برامجها أو فرض سيطرتها على الأرض، مؤكداً أنه لا يوجد أي أمل بأن تنجح الحكومة المقبلة في ظل هذه الظروف، دون دعم سياسي حقيقي وضمانات لتنفيذ إصلاحات شاملة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى