القريتلي: التغيير الحقيقي لن يتحقق عبر حلول “ترقيعية” أو توافقات “هشة”

أكد عبد السلام القريتلي، المتحدث باسم حزب “صوت الشعب”، أن إجراء الانتخابات في ليبيا دون دستور وهوية واضحة للدولة يُعد ضرباً من المستحيل، مشيراً إلى أن الأوضاع السياسية الراهنة لا تتيح أي فرصة لتنظيم استحقاق انتخابي نزيه ومستقر.
وأوضح القريتلي في مداخلة على قناة الوسط، رصدتها “الساعة 24” أن المشهد الليبي ما يزال خاضعًا لوصاية البعثة الأممية والقرار الأممي رقم 2571، وهو ما يجعل تقرير المصير السياسي بيد جهات دولية، لا داخلية.
وأشار إلى أن محاولة تجاوز دور البعثة لن يغير من الواقع شيئًا، بل سيعمق الأزمة، خاصة في ظل غياب إطار دستوري جامع وقوانين انتخابية متوافق عليها.
وفي رده على الطرح المتعلق بتقاسم السلطة بشكل مرحلي بين القوى النافذة كحلٍ مؤقت، اعتبر القريتلي أن هذا الطرح لا يمكن أن يكون بديلاً حقيقياً عن الانتخابات، بل قد يؤدي إلى مزيد من تكريس الانقسام السياسي، وتعطيل التداول السلمي للسلطة.
وتابع: الحل يكمن في تشكيل حكومة موحدة جديدة تكون قادرة على الإشراف على عملية انتخابية شاملة، انطلاقاً من قاعدة دستورية متفق عليها، تضمن حقوق الجميع وتُحدد هوية الدولة بشكل واضح. كما نبه إلى أن استمرار تجاهل ملف الدستور من قبل مختلف الأطراف، بما فيها البعثة الأممية، يُعد أحد أبرز أسباب تعثر العملية السياسية.
وأضاف أن أي انتخابات تُجرى دون أساس دستوري ستعيد إنتاج الأزمات نفسها، مؤكداً أن الدستور يجب أن يكون الضامن الأول لأي عملية انتخابية مقبلة.
كما طالب المؤسسات المحلية والدولية، وعلى رأسها مجلسي النواب والدولة، بتحمل مسؤولياتها في دعم مسار الاستقرار الحقيقي الذي يبدأ، بحسب قوله، من دستور يعبر عن تطلعات الليبيين ويُنهي حالة التشظي السياسي.
وبيّن القريتلي، أن التغيير الحقيقي لن يتحقق عبر حلول “ترقيعية” أو توافقات “هشة”، بل من خلال إرادة سياسية جادة تضع مصلحة الوطن فوق أي اعتبارات أخرى، معتبرا ان تجاهل الملفات الحيوية، وعلى رأسها الملف الدستوري، والمؤسسات الاقتصادية، إضافة إلى ملف الجنوب، يعمق من حالة الانسداد السياسي ويكرّس الأزمة بدل حلها.
وأشار القريتلي إلى أن التركيز الدولي ينصب حاليًا على الجوانب السياسية والأمنية، دون أن يتطرق إلى معالجة جوهرية للقضايا الأكثر تأثيرًا على استقرار البلاد، معتبرًا أن هذا القصور يعكس إما تراجعًا في أهمية هذه القضايا على أجندة الأطراف المعنية، أو ضعفًا في مقاربة التحليل الدولي للمشهد الليبي.
ولفت إلى أن أي خارطة طريق لا تنطلق من معالجة جذرية لملف الدستور والاقتصاد وقضية الجنوب، خصوصًا من بوابة الأمن والهجرة، لن تفضي إلى نتائج ملموسة أو استقرار فعلي.
وأضاف بالقول: “أي حديث عن حلول يتجاهل هذه المحاور هو بالضرورة ابتعاد عن الواقع، ولن يسهم في إخراج ليبيا من أزمتها”.
كما تطرق إلى استمرار غياب التوافق الليبي- الليبي الذي يعدّ أحد أهم أسباب تعقيد المشهد، متهمًا بعض القوى الوطنية، والأطراف السياسية بتعميق الأزمة عبر قرارات تمدد الأزمة بدل حلها، على حد تعبيره.
وشدد على أن المسار الدستوري يمثل العمود الفقري لأي حل مستقبلي، وفي ظل ما تشهده البلاد من انهيار شامل في الملفات الاقتصادية والصحية والخدمية، والتي باتت – بحسب توصيفه – تثقل كاهل المواطن الليبي، الذي يدفع الثمن يوميًا، بينما تظل النخب السياسية مستفيدة من الوضع القائم. مشيراً إلى الجنوب الليبي الذي يشكل جزءًا لا يتجزأ من النسيج الوطني، مبيناًَ أن تجاهله يعني تجاهل ليبيا بأكملها، باعتباره “تركيبة تُمثل النسيج الليبي بكل تنوعه”.
وفي حديثه حول سبل الخروج من الأزمة، رفض القريتلي تجزئة الحل السياسي، معتبرًا أن المعالجة المرحلية أو القطاعية لا تنجح في ليبيا.
وقال: “لا يمكن اختزال الحل في الجانب الأمني أو السياسي فقط، بل يجب أن يكون الحل شاملًا ومترابطًا، يشمل الأمن، والسياسة، والاقتصاد، والهوية الدستورية، ومعالجة أوضاع الجنوب”.
وأضاف أن جذور الصراع في ليبيا تتعلق بالنفوذ والثروة والمزايا، وليس فقط بمسائل سياسية، وهو ما يستدعي – بحسب تعبيره – رؤية متكاملة تعالج جذور الأزمة لا مظاهرها فقط.
كما تساءل القريتلي عن طبيعة هوية الدولة التي يسعى إليها الليبيون: “هل نريد نظامًا برلمانيًا؟ أم فدراليًا؟ أم غير ذلك؟” مؤكدًا أن حسم هذه المسائل لا بد أن يتم عبر استفتاء شعبي شفاف تحت مظلة حكومة موحدة.
ورأى أن الخطوة الأولى نحو الحل الفعلي تبدأ بتشكيل حكومة توافقية تمثل جميع الليبيين، يليها الشروع في استفتاء عام لتحديد هوية الدولة وإقرار الدستور، معتبرًا أن أي حلول خارج هذا المسار “لن تؤسس لدولة مستقرة”.
وختم القريتلي حديثه بالقول: إن ليبيا الجديدة لا يمكن أن تولد إلا من خلال مشروع وطني جامع، يعالج جميع الملفات دون إقصاء أو تجزئة، كاشفاً عن وجود تحركات وطنية تهدف إلى عقد ملتقى “ليبي- ليبي” جامع داخل إحدى المدن الليبية، وذلك لتقديم مبادرة حوار داخلي بعيدًا عن التدخلات الخارجية، سعيًا لتقريب وجهات النظر والوصول إلى حل وطني شامل.









