باحث جزائري: الأزمة الليبية نتيجة مؤامرات خارجية وليست بسبب تعثرات داخلية

أكد المحلل السياسي والباحث الجزائري إدريس ربوح، أن ليبيا تُعد فاعلاً إقليمياً محورياً، نظراً لأهميتها في الإطار العربي والإفريقي والمتوسطي، مبيناً أن استقرارها يشكل حجر الأساس لأمن المنطقة برمتها.
وأوضح ربوح، في مداخلة عبر قناة “سلام” رصدتها الساعة24، أن ليبيا لم تكن يوماً دولة هامشية، أو منغلقة، بل كانت حاضرة بقوة في المشهدين العربي والإفريقي، وساهمت في تأسيس الاتحاد الإفريقي انطلاقاً من مدينة سرت، ما يعكس عمق دورها الجيوسياسي، كما أشار إلى أن التداعيات التي لحقت بليبيا بعد العام 2011 لم تبقَ محصورة داخل حدودها، بل امتدت آثارها لتشمل المحيطين الإقليمي والدولي، خاصة على مستوى الأمن والهجرة.
وأضاف أن موقع ليبيا، وضعها منطقة عبور رئيسي للمهاجرين نحو أوروبا، إلى جانب اتساع رقعتها الجغرافية، ما جعل منها عاملاً مؤثراً في أمن واستقرار جوارها العربي والإفريقي. لافتاً إلى الدور التاريخي الذي لعبته في دعم حركات التحرر والقضايا العادلة في المنطقة، مما يجعل أي اضطراب داخلي فيها ذا تأثير واسع.
وشدد ربوح على أن تدهور الأوضاع الأمنية في ليبيا كان له انعكاسات مباشرة على الجزائر، مستشهداً بالهجوم الإرهابي في منشأة “عين أميناس” الغازية قرب الحدود الليبية، ما أدى إلى تهديد الأمن القومي والاقتصادي الجزائري.
وبيّن ربوح أن الوضع الأمني في الجزائر خلال “العشرية السوداء” بدوره أثّر سلباً على ليبيا ودول الجوار، ما يعكس الترابط العضوي بين استقرار الدولتين، داعيا إلى اعتبار مكافحة الإرهاب في المنطقة مسؤولية جماعية تتطلب تنسيقاً وتعاوناً إقليمياً حقيقياً.
وأبرز الباحث السياسي، أهمية التنسيق الثلاثي بين ليبيا والجزائر وتونس ، معتبراً أن هذا التكتل يعكس وعياً مشتركاً بحتمية العمل المشترك لضمان استقرار المنطقة، مبيناً أن التواصل الجغرافي والاجتماعي والاقتصادي بين ليبيا وتونس والجزائر يجعل من هذا التنسيق ضرورة لا خياراً.
وبينّ أن الجزائر تسعى بجدية لتعزيز هذا التعاون، من خلال اللقاءات الدولية والمحافل الإقليمية، بهدف خلق آلية دائمة لدعم الأمن والتنمية في شمال إفريقيا، وأكد ربوح أن الأزمة الليبية ليست مجرد تعثر داخلي، بل نتيجة مباشرة لتدخلات خارجية هدفها إضعاف الدولة الليبية ومنعها من النهوض من جديد، مشدداً على أن هناك دولًا عربية وغربية ساهمت بشكل مباشر في تكريس حالة الانقسام، ومنعت قيام دولة موحدة، مستقرة وآمنة في ليبيا.
ولفت إلى أن هذه التدخلات لم تكن بريئة، بل تهدف إلى ضرب وحدة ليبيا ومنعها من استعادة دورها الإقليمي الفاعل، خاصة في شمال إفريقيا والمنطقة العربية. مضيفاً بالقول: لا يمكن إنكار أن بعض هذه الدول جاءت إلى ليبيا ليس لمساعدتها، بل لإبقائها تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وبالتالي استمرارها كدولة فاقدة للسيادة الكاملة.
واعتبر ربوح أن ليبيا، بما تملكه من ثروات نفطية هائلة وجودة عالية في الإنتاج، إلى جانب موقعها الجغرافي الاستراتيجي، وساحلها الطويل على البحر المتوسط، وحدودها المشتركة مع عدد كبير من الدول الإفريقية والعربية، تمثل عامل قوة قد يُحوّلها إلى دولة مزدهرة ومستقرة، لكنه يرى أن هذا الأمر لا يروق لبعض القوى الإقليمية والدولية التي تسعى إلى إبقاء ليبيا دولة ضعيفة تابعة.
وتابع: ليبيا كانت من بين الدول القليلة التي نالت استقلالها عبر ثورة مسلحة، وعادت لتنتزع حريتها مجددًا بثورة سلمية، معبرة عن تطلع شعبها إلى إقامة دولة ديمقراطية رغم كل العراقيل، مبيناً أن هذا الطموح لم يكن مقبولًا لدى العديد من القوى الخارجية، التي سعت إلى عرقلة أي عملية سياسية أو انتخابية قد تُفضي إلى مؤسسات شرعية.
كما بينّ أن الجزائر وتونس تملكان رؤية مغايرة، تقوم على دعم استقلال ليبيا واستقرارها، نظرًا للروابط الاجتماعية والثقافية والتاريخية بين البلدان الثلاثة، فضلًا عن وحدة المصير المشترك، مشيراً إلى أن استقلال ليبيا يصب في مصلحة استقرار كامل المنطقة المغاربية.
وتطرق ربوح، في حديثه إلى علاقة دول الجوار الجنوبي مثل النيجر وتشاد، مؤكدًا أن علاقاتها التاريخية مع ليبيا كانت في الغالب جيدة، باستثناء فترات توتر عابرة. كما أشار إلى وجود روابط دينية واجتماعية تجمع ليبيا بمحيطها الإفريقي، ما يجعل استقرارها ضرورة استراتيجية.
وفي ختام حديثه، وجّه انتقادات لاذعة لبعض الدول الغربية التي قال إنها لم تجلب إلى المنطقة سوى الحروب والانقسامات، قائلاً: “الغرب يسعى لتحويل بلداننا إلى حراس لحدوده الجنوبية، مقابل بعض الأموال، لوقف موجات الهجرة نحوه، وهذا الدور لا يليق بليبيا، أو الجزائر، أو أي دولة مغاربية، نحن نمتلك مقومات الشراكة وليس التبعية”.. مؤكداً أن المستقبل في يد الليبيين، وأن الإرادة الشعبية لبناء الدولة لا تزال قائمة، رغم التحديات التي تواجه طريق الاستقرار.









