اخبار مميزةليبيا

باحث تركي: بقاء الدبيبة مرهون بآليات واتفاقات أمنية قد تكون فرصته الأخيرة

قال المحلل السياسي مهند حافظ أوغلو، إن الدور التركي كان حاسمًا في إنجاح الاتفاق الأمني بين حكومة الوحدة وجهاز الردع، موضحًا أن التاريخ أثبت أن التدخل التركي شكّل صمام أمان وخطوة أساسية لتحقيق قدر من الاستقرار، ولو كان مرحليًا أو جزئيًا، من خلال المحافظة على الشرعية داخل العاصمة طرابلس.

وأضاف أوغلو، في مقابلة مع “تلفزيون المسار”، أن الموقف الليبي من التدخل التركي تغيّر بمرور الوقت، لافتًا إلى أنه بينما واجهت أنقرة رفضًا قاطعًا من الشرق الليبي في بدايات تدخلها، أصبحت اليوم تقف على مسافة واحدة تقريبًا بين طرابلس وبنغازي، وهو ما اعتبره تحولًا إيجابيًا.

وشدد على أن التحرك التركي يُنظر إليه بإيجابية من أكثر من ثلثي الأجسام السياسية الليبية، رغم تحفظات بعض الأطراف التي تصفه بتدخل خارجي، متسائلًا عن تجاهل هؤلاء للتدخلات الأخرى مثل التدخل الأمريكي أو الروسي.

وأشار إلى أن الحساسية تجاه تركيا قد تكون نابعة من اعتبارات تاريخية قديمة أو حديثة، لكنها لا تقلل من حقيقة قبول غالبية القوى السياسية الليبية بدورها.

وعن طبيعة الوساطة التركية في طرابلس، أوضح أوغلو أن الاستخبارات التركية، هي التي تولت الرعاية المباشرة للاتفاق الأمني، معتبرًا أن هذا البعد الاستخباراتي كان “كلمة السر الأولى” في إنجاح المسار.

أما “كلمة السر الثانية”، بحسب قوله، فتمثلت في الإحاطة الكاملة للمشهد داخل طرابلس، إذ نبّهت أنقرة إلى أن استمرار الخلافات والانقسامات والمعارك المسلحة سيؤدي إلى تشويه صورة العاصمة، وجعلها تبدو أقل استقرارًا مقارنة ببنغازي، وهو ما كان يمكن أن يرجّح كفة الأخيرة سياسيًا وأمنيًا.

ولفت إلى أن هذا الإدراك خلق حالة من الاستنفار، وأجبر الأطراف الليبية في طرابلس على التعامل بجدية مع خطورة الموقف، خشية خسارة موقع العاصمة أمام المشهد الأكثر تماسكًا في الشرق.

وبين أوغلو أن ملف الوساطة التركية معقد ويحتاج إلى أكثر من “كلمة سر” لفهمه بشكل كامل، لكنه يظل مؤشرًا على أن أنقرة باتت تمتلك مفاتيح مؤثرة في توازنات الأزمة الليبية، من خلال الجمع بين البعد الأمني والاستخباراتي والسياسي.

وأشار المحلل التركي إلى أن رئيس حكومة الوحدة المؤقتة عبد الحميد الدبيبة يواجه وضعاً معقداً يتداخل فيه البعد السياسي مع الأمني، موضحاً أن الدبيبة أصبح في “دائرة مغلقة ومتاهة متعددة المستويات” تبدأ من التعقيدات السياسية ولا تنتهي عند الأزمات الأمنية.

وأفاد أوغلو، بأن استمرار المراوحة في المكان دون نتائج ملموسة، خاصة على الصعيد الأمني وتفكيك المجموعات المسلحة، يعني عملياً التراجع إلى الوراء، مؤكداً أن أي سياسي لا يستطيع الاستمرار بهذه الوتيرة.

وشدد على أن الدبيبة بحاجة إلى ديناميكية وآليات سريعة إذا أراد إطالة عمره السياسي ومواصلة وجوده في المشهد.

وبينّ أوغلو إلى أن الفرصة الأخيرة أمام الدبيبة تكمن في إعادة ترتيب أوراقه عبر التعاون مع دول إقليمية ترتبط بعلاقات قوية مع شرق ليبيا، إلى جانب الانفتاح على تفاهمات مع الدول الأوروبية، لكنه تساءل: هل سيبقى الدبيبة على نهج تفضيل بعض الفاعلين على حساب آخرين، أم يعود إلى المربع الأول الذي بدأ منه برئاسة الحكومة؟.

وبحسب أوغلو، فإن بقاء الدبيبة مرتبط بشكل مباشر بالاتفاق الأمني الذي رعته تركيا، معتبراً أن هذا الارتباط هو العامل الحاسم في تحديد مستقبله السياسي. مضيفاً أن إصرار الدبيبة على توقيع اتفاقيات أمنية وعقود جديدة في طرابلس، رغم الحديث المتزايد عن قرب انتهاء ولايته وفق خارطة الطريق الأممية، يعكس تمسكه بالسلطة واستناده إلى ضمانات إقليمية ودولية تمنحه هامشاً للاستمرار.

ورأى أوغلو أن مشاركة الدبيبة في المحافل الدولية، تؤكد أنه ما زال يمثل السلطة الشرعية أمام المجتمع الدولي، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى واقعية السيناريوهات التي تتحدث عن إزاحته القريبة.

وذكر أوغلو، أن أي دولة تواجه أزمات سياسية وأمنية معقدة لا بد أن تقدم فيها الأجسام السياسية تضحيات كبرى من أجل مستقبل البلاد، مؤكداً أن ليبيا اليوم بحاجة إلى مثل هذه التضحيات حتى يتمكن الشعب من المضي نحو الاستقرار.

وتابع:” عبد الحميد الدبيبة أبرم الاتفاق الأمني الأخير ربما في إطار تمهيد خروجه بشكل آمن، ورسم صورة إيجابية لنفسه كرجل يسعى لتحقيق الأمن والاستقرار”.

وفي السياق نفسه، شدد أوغلو على أن تركيا لا تستطيع فرض رؤيتها أو ضماناتها على الأطراف الليبية إلا بموافقتها، مشيراً إلى تصريح الرئيس رجب طيب أردوغان حول اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا، الذي أكد فيه أن مرور الاتفاق عبر البرلمان الليبي سيمنحه ثقلاً في القانون الدولي، وهو ما يوضح أن التحرك التركي يستند إلى الشرعية القانونية والقبول الداخلي.

ولفت إلى أن التوافقات الليبية هي التي تحدد سقف الدور التركي وضماناته، مبيناً أن أكثر من ثلثي الأجسام السياسية في ليبيا تنظر بإيجابية إلى الدور التركي رغم وجود حساسيات تاريخية لدى بعض الأطراف. وأضاف أن هناك سياسيين يطيلون عمرهم عبر السلام والخدمات والتنازلات، فيما يسعى آخرون إلى ترسيخ حضورهم عبر الحرب وتعقيد المشهد، وهو مساران مألوفان في كل التجارب السياسية حول العالم، ولكل منهما انعكاساته على الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني.

كما قارن أوغلو التجربة الليبية بالحالة التركية، موضحاً أن قوة أنقرة تنبع من بناء جبهة داخلية متماسكة إلى جانب انفتاحها الخارجي وقراءتها الدقيقة للواقع.

ونوه بأن الأحزاب التركية قدمت في انتخابات 2023 تضحيات كبيرة لإنقاذ البلاد، حتى لو أثرت تلك الخطوات على صورتها لدى بعض الناخبين، داعياً الساسة الليبيين إلى استلهام هذا النهج وتقديم تنازلات واسعة لمصلحة الوطن بعيداً عن الحسابات الضيقة وتسجيل النقاط بين الخصوم.

وأضاف أوغلو، أن الزخم الدبلوماسي التركي في ليبيا، سواء عبر زيارات وزير الخارجية “هاكان فيدان” أو عبر قنوات التواصل مع الشرق والغرب، يثير تساؤلات مشروعة لدى الشارع الليبي حول أهداف أنقرة، وهل تسعى لحماية مصالحها الجيوسياسية في مواجهة اليونان ونزاع الطاقة في المتوسط، أم لدعم مسار الاستقرار الداخلي الليبي.

وأكد أن تركيا تتحرك بجدية وسرعة من أجل الدفع نحو توحيد الحكومتين الليبيتين في الشرق والغرب، سواء بقيادة الدبيبة أو أي شخصية أخرى، مشدداً على أن الاستقرار النسبي في ليبيا بات ضرورة ملحة لمواجهة التحديات المقبلة، والتي وصفها بـ “الطوفان القادم” من الشرق نحو شمال أفريقيا ومنطقة الساحل.

وأوضح أوغلو، أن التحرك التركي نحو الشرق الليبي ليس مجرد انفتاح سياسي أو دبلوماسي، بل هو مسعى لبناء ضمانات حقيقية لاتفاق مستقر، مبيناً أن أنقرة تتحمل في هذا الإطار مسؤولية ثقيلة كونها ضامنة لأي تفاهمات ليبية، وهو ما ينعكس نفعاً على ليبيا وتركيا في آن واحد.

وأشار إلى أن التركيز الإعلامي ينصب غالباً على قضية ترسيم الحدود البحرية وموارد الطاقة في شرق المتوسط، غير أن البعد الأخطر – بحسب تقديره – هو بناء تحالفات إقليمية جديدة تضم ليبيا وتركيا ومصر، بما يعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة ويفرض رؤية مختلفة على حساب اليونان وقبرص وبعض الدول الأوروبية التي طالما استخدمت الملف الليبي كورقة ضغط.

واستطرد أوغلو: “هذا البحر المتوسط هو جغرافيتنا، وهو ليس ملكاً لليونان ولا لفرنسا البعيدة عنه، بل يجب أن يكون ساحة لدور فاعل لليبيا وتركيا ومصر، وعلينا أن نفرض رؤيتنا فيه شاء الآخرون أم أبوا”.

وأوضح أن التحركات التركية في ليبيا لا تقتصر على ضمان الاتفاقات الأمنية أو تحقيق مصالح آنية في مجال الطاقة، بل تستهدف في جوهرها إعادة ترتيب المشهد السياسي والإقليمي على أسس جديدة أكثر عدلاً وفعالية.

وفي سياق آخر، رد أوغلو على تصريحات من القاهرة اعتبرت أن ليبيا ليست ذات أهمية لتركيا في شرق المتوسط، مؤكداً أن العكس هو الصحيح، وأن ليبيا تمثل إحدى الدول المحورية إلى جانب مصر وتركيا. وأوضح أن هذه الدول تتفوق على الاتحاد الأوروبي من حيث الموقع الجغرافي، العمق البشري، والثقل السياسي والاقتصادي، مضيفاً أن الاتحاد الأوروبي “آيل للسقوط” ويحاول إطالة عمره من خلال قوانين وصفها بـ “الظالمة”.

وشكك المحلل التركي في دور البعثة الأممية، مؤكداً أنها لم تقدّم جديداً في الملف الليبي، بل على العكس أسهمت في تعقيد المشهد ووضع العراقيل أمام أي محاولات جادة للتوصل إلى حلول حقيقية. وقال إن البعثة “تُبقي الفرقاء في حالة تيه سياسي”، مشدداً على أن الحلول يجب أن تكون إقليمية عبر تفاهمات مباشرة بين أنقرة والقاهرة والأطراف الليبية، على أن تقتصر الأمم المتحدة على دور داعم أو مبارك لاحقاً.

وأشار أوغلو إلى أن المؤتمرات الدولية السابقة مثل برلين ومدريد والصخيرات لم تُسفر عن نتائج ملموسة، لافتاً إلى أن الاتفاق الموقع بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس حكومة الوفاق السابق فايز السراج عام 2019 لم يُترجم إلى إنجازات حقيقية على الأرض، رغم مرور ست سنوات.

وفيما يتعلق بمخاوف انهيار الاتفاق الأمني الراهن، أوضح أوغلو أن فشل حكومة الدبيبة في فرض سيطرتها قد يفتح الباب أمام عودة التحالفات القديمة أو بروز قوى عسكرية بديلة لملء الفراغ.

ونوه بأن تركيا تدرك هذا الاحتمال جيداً، ولذلك وضعت خططاً وبدائل في حال تعثر الاتفاق، محذراً من إمكانية ظهور “مفاجآت كبرى” قد تغير موازين القوى من الشرق إلى الغرب.

وبشأن التغيير السياسي في ليبيا، رأى أوغلو أن الأمر لا يرتبط بالملف الليبي وحده، بل يتداخل مع ملفات إقليمية أكثر سخونة مثل غزة وفلسطين ولبنان وسوريا والعراق، إضافة إلى التوترات مع إيران.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى