احواس: قضية المريمي اختبار حقيقي لاستعادة السيادة الوطنية

أكد خليفة احواس، عميد كلية القانون بجامعة سرت سابقًا، أن قضية بوعجِيلة المريمي، تُعد “قضية مركبة ومعقدة”، مشيرًا إلى أن لها أبعادًا قانونية تتعلق بطريقة القبض والسيادة الوطنية، إلى جانب ارتباطها بمفاهيم قانونية دقيقة مثل القصد الجنائي والسببية.
وأوضح احواس في تصريحات لقناة الوسط، رصدتها “الساعة 24” أنه لا يمتلك اليقين الكامل بأن ما تم تداوله يمثل الحقيقة المطلقة، مؤكدًا في ذات الوقت أن “الاعتراف سيد الأدلة”، إلا أن التشكيك في الاعترافات لطالما كان حاضرًا في التاريخ القانوني، خصوصًا عندما يتراجع المجني عليه أو المتهم عن أقواله بزعم أنها انتُزعت تحت الضغط أو الإكراه.
وأضاف: حينما يُصرّح المتهم بأن اعترافه جاء تحت تأثير الإكراه، فإن ذلك يشكك في نزاهة الإجراءات القضائية، ويفتح الباب أمام إعادة النظر فيها، وهو أمر يُولي له المحامون أهمية قصوى، حيث يسعون لانتزاع الدفوع حتى من أقوال الخصوم.
وفي سياق حديثه عن اعترافات بوعجِيلة، شدد احواس على أن هذه التصريحات، والتي نُشرت في مقال صحفي، تفتقر حتى الآن إلى دلائل قاطعة، سواء كانت قضائية أو إعلامية، مبينًا أنه من خلال تجربته في المجال القضائي، فإن “غالبية المتهمين في ليبيا يدّعون بأن اعترافاتهم أُخذت تحت الإكراه، ما يجعل من هذا الدفع أمرا شائعًا في القضايا”. مشيراً إلى أن “فريق الدفاع وحده هو القادر على تمحيص هذه الادعاءات وتمييز مدى صحتها بناءً على ما يتوفر من دلائل وتحقيقات”.
وشدد الخبير القانوني على ضرورة احترام السيادة الليبية في التعامل مع هذه القضية، قائلاً: “إذا ثبتت إدانة بوعجيلة، فيجب أن يتم ذلك عبر القضاء الليبي ووفقًا للقانون، لا عبر إجراءات قبض سرية تمس السيادة”، مؤكداً أن ما سُمع من تصريحات على لسان المتهم، يمكن أن يقوله أي متهم آخر، ما لم تكن هناك أدلة ملموسة تُسند هذه الأقوال.
وأوضح أحواس، أن إعادة فتح ملف قضية لوكربي بعد إغلاقه قانونيًا ودوليًا تمثل تدخلًا سافرًا في الشأن الليبي، مؤكدًا أن هذه الخطوة لا تستند إلى أسس قانونية بقدر ما تعكس أبعادًا سياسية بحتة.
وأوضح أحواس أن الملف قد أُغلق بشكل نهائي بموجب اتفاقيات دولية، كما أن هذا الإغلاق كان محل توافق بين مختلف التيارات السياسية داخل ليبيا، معتبرًا أن “الاعتراف المتناقض” الذي تسوّقه بعض وسائل الإعلام اليوم يقوّض ما تم التوافق عليه سابقًا.
وأشار إلى أن ما حدث لم يكن ليحدث لولا وجود تواطؤ داخلي سهل الطريق أمام تسليم المواطن الليبي، مؤكدًا أن كل ما جرى على الأرض الليبية يندرج تحت أعمال السيادة الوطنية، وهو ما يستدعي من حكومة الوحدة المؤقتة أن تتحمل مسؤوليتها كاملة في الدفاع عن مواطنيها، ورفض أي تدخل خارجي.
وأضاف أن القانون الدولي يمنع التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وحتى في حال وجود اتفاقيات ثنائية لتسليم المطلوبين، فإن الإجراءات تفرض التحقيق مع المتهمين ومنحهم كامل حقوقهم القانونية، بما في ذلك تمكينهم من محامٍ وحضور جلسات الاستماع معهم.
وتابع: كل المواثيق الدولية، بما فيها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، تنص على ضمان المحاكمة العادلة، وأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وليس العكس كما يجري الآن، معربًا عن أسفه لـ “خلط الأوراق” الذي يحدث حالياً، والذي وصفه بأنه دليل على الطابع السياسي للقضية أكثر من كونه قانونياً.
وفيما يخص القضاء الأمريكي، أكد أحواس أن المسؤولية لا تقع عليه وحده، بل على أطراف رسمية في الدولة الليبية، وهي من سهلت عملية القبض على المتهم وتسليمه، مبيناً أن هذا الفعل يُعد بمثابة اعتراف ضمني بشرعية الإجراءات التي تمت رغم تعارضها مع القانون الليبي والدولي، وهو ما يتطلب إعادة النظر في كيفية إدارة مثل هذه القضايا ذات الحساسية السيادية.
كما نبه إلى أن هناك شرعيات متضاربة داخل البلاد، وكل طرف يدّعي تمثيل الشعب والسيادة، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل من المواطن الليبي ضحية للصراعات السياسية الداخلية والخارجية على حد سواء.
وشدد احواس، على أن الإجراءات الشكلية إذا شابها الخلل، فإنها تبطل النتائج، مشيرًا إلى أن أي تحقيق أو استدلال يتم على أرض الوطن خارج الإطار القانوني يفقد مشروعيته أمام أي محكمة دولية. مضيفاً بالقول: “نحن نراهن على ضمير القاضي الأمريكي وعلى تطبيقه للمعايير القانونية، ولكن من الواجب أن تتحرك مؤسسات الدولة دفاعًا عن سيادتها وعن كرامة مواطنيها”.
وأكد أن العدالة لا تتحقق بالشعارات أو الضغوط السياسية، بل بالضمانات القانونية والإجرائية التي تمثل الركيزة الأساسية لأي نظام قضائي نزيه، داعيًا إلى احترام ما تعلمناه من مبادئ العدالة، حتى وإن جاء الغرب ليعلمنا إياها، فإن وجداننا اليوم لا يسمح بالظلم، لا لليبيين ولا لغيرهم.
ورأى الخبير القانوني أن القضية المرتبطة بالمتهم بوعجيلة لا تستند إلى أسس قانونية واضحة، مشيراً إلى أن الاعترافات المنسوبة إليه لا تُعد دليلاً قاطعًا، بل تُسهم في تعزيز موقف ليبيا وتأكيد براءتها من التهم المنسوبة إليها في حادثة لوكربي.
وأوضح احواس أن الاتفاق على محاكمة بوعجيلة في دولة محايدة تم بالفعل، وأنه بعد صدور حكم في القضية، لا يمكن فتح الملف من جديد، مضيفاً أن ادعاء مسؤولية بوعجيلة لا يستند إلى دلائل قانونية واضحة، كما أن الشخص المتهم بارتكاب الجريمة ما يزال غير معروف على وجه التحديد، بحسب المزاعم المطروحة.
وفي السياق ذاته، شدد احواس على أن ليبيا هي صاحبة الاختصاص الأصلي في محاكمة أي متهم ليبي، لا سيما إذا كان الأمر يتعلق باتهامات بهذا الحجم والحساسية، لافتًا إلى أن تسليم بوعجيلة للولايات المتحدة تم خارج الإطار القانوني، وبصورة تتنافى مع السيادة الوطنية، على حد تعبيره.
واعتبر احواس أن نقل بوعجيلة إلى أمريكا تم عبر عملية “خطف” بتواطؤ أطراف محلية، دون وجود أي مسوغات قانونية واضحة، أو حتى محاضر تحقيق رسمية، أو أدلة ملموسة تبرر ذلك، مضيفًا: “نحن كقانونيين، نولي أهمية كبرى للشكليات، وأين هي؟ لا تحقيقات، لا محاضر، لا اعترافات موثقة”.
وتابع: “الآن هو منفي، وهذه الحقيقة بحد ذاتها لا تُعيد فتح القضية، لكنها تُمثّل دليلًا إضافيًا على براءة ليبيا من التهم الموجهة لها”.
ودعا احواس حكومة الوحدة إلى التحرك الجاد من أجل استعادة المواطن الليبي، خاصة وأن حالته الصحية متدهورة، وله الحق في المعاملة التي تكفلها له القوانين والتشريعات الدولية، كما شدد على أن الحكومة بوصفها معترف بها دوليًا، مطالبة ليس فقط بالتماهي مع الأطراف الدولية القوية سياسيًا، بل بترسيخ قيم العدالة، والدفاع عن السيادة الوطنية، وصون كرامة المواطن الليبي وحقوقه.
وختم احواس حديثه بالتأكيد على أن هذه القضية تضع الحكومة أمام اختبار حقيقي لاستعادة السيادة الوطنية، وتعزيز وجود دولة واحدة بحكومة موحدة ودستور واحد.









