أحواس: واشنطن تتحرك علنا لتشكيل حكومة جديدة بعيداً عن البعثة الأممية

قال د. خليفة أحواس، عميد كلية القانون السابق بجامعة سرت، إن المؤشرات الراهنة تكشف عن بروز مسار سياسي جديد في ليبيا، تدفع به الإرادة الدولية وفي مقدمتها الولايات المتحدة، بعيداً عن الجهود التي تقودها البعثة الأممية. معتبراً أن ما صدر مؤخراً من تصريحات أمريكية بشأن الحكومة المقبلة ليس أمراً عارضاً، بل يعكس ترتيبات يجري العمل عليها خلف الكواليس.
وفي مداخلة له عبر قناة “ليبيا الأحرار” رصدتها الساعة24، رأى أحواس أن تصريحات المستشار الأمريكي مسعد بولس، تحمل رسائل بالغة الدلالة وتشير إلى مسار موازٍ للمسار الأممي الذي تشرف عليه المبعوثة هانا تيتيه.
وأشار أحواس إلى أن “وجود حكومة جديدة بات مطلباً داخلياً وخارجياً، إذ لا يمكن الحديث عن انتخابات بدون سلطة تنفيذية موحدة، ولا عن توحيد المؤسسات دونها”. وأضاف أن هذه الحكومة، في حال تم التوافق عليها، “لن تُولد إلا برعاية وإرادة دولية صريحة”، مشدداً على أن المحرك الأساسي لهذا التوجه هو الإدارة الأمريكية، أو من وصفهم بـ “الدول الصديقة”.
وأكد أن مصالح القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وتركيا، في المنطقة الشرقية، جعلت من “تقاسم الكعكة” دافعاً إضافياً لدعم تشكيل حكومة توافقية جديدة تنبع من واقع السيطرة الفعلية على الأرض، وليس من التفاهمات السياسية فقط.
وأوضح أحواس أن “أمريكا تفكر منذ فترة في تشكيل حكومة جديدة، لكن هذه المرة كان طرحها مباشراً وواضحاً”، لافتاً إلى أن واشنطن بدأت تتحدث عن هذا المشروع بشكل علني، ما يشير إلى تحول نوعي في مقاربتها للملف الليبي.
وعن علاقة هذا التوجه بمسار البعثة الأممية، أكد احواس بالقول: “يبدو أننا أمام مسارين متوازيين، وليس بالضرورة متكاملين”، مضيفاً أن “خارطة الطريق التي تبنتها البعثة الأممية لم تُنفذ، والدليل أن مجلسي النواب والدولة لم يحققا أي تقدم خلال الشهرين الماضيين، دون أن تُبدي البعثة أي قلق أو تحرك جاد”، وهو ما اعتبره دليلاً على “عودة النهج القديم القائم على الصمت الدولي تجاه تعطل المسارات السياسية”.
وخلص إلى أن “القوتين الفاعلتين على الأرض اليوم هما حكومة الوحدة المؤقتة، المعترف بها دولياً، والقوات المسلحة في الشرق”، مؤكداً أن “أي حكومة قادمة ستتشكل عبر تفاهمات بين هذين الطرفين تحديداً”. مشيرا إلى أن “الإدارة الأمريكية، عبر مبعوثها، تبدو مقتنعة بضرورة تجاوز الأجسام القائمة، وهي تُنسّق بهدوء مع بعثة الأمم المتحدة، ما يعني أن أي مخرجات مستقبلية ستكون بإشراف ومباركة أمريكية أولاً وأخيراً”.
ورأى احواس أن البعثة الأممية، وعلى الرغم من محاولاتها المستمرة، لن تستطيع فرض رؤية دولية حقيقية لاستعادة سيادة البلاد في ظل الانقسام الداخلي العميق، وعقلية “الغنيمة” التي تسيطر على المشهد السياسي الليبي.
وقال احواس إن الولايات المتحدة أو البيت الأبيض لا يمكنهما إلغاء المسار الأممي الذي تحقق خلال عشر سنوات من عمل البعثة الأممية، غير أن الواقع الليبي الحالي يفرض معادلات جديدة أكثر تعقيدًا. مضيفاً بأن الدليل على هذا التباين هو ما حدث عند زيارة المبعوثة الأممية إلى ليبيا، حيث لحقت بها موجة من اللقاءات الاستثمارية الكبرى، قادتها حكومة الوحدة المؤقتة، واستُقبلت في الولايات المتحدة بترحاب، وتناولت مجالات اقتصادية واستثمارية واسعة، وفق مصادر متداولة”.
وأشار احواس إلى أن “المشكلة الحقيقية ليست في الخطة الأممية، بل في غياب الثقة في القيادات السياسية، إذ لا يمكن لأي خطة أن تنجح إذا لم تكن قائمة على توافق بين الأطراف الفاعلة، وعلى رأسهم مجلسا النواب والدولة، اللذان لم يلتقيا منذ أكثر من شهر رغم أهمية التوقيت”.
وأوضح أن الواقع الليبي اليوم متشظى، ومن غير الواقعي الاعتقاد أن أي خطة تُكتب في شهرين يمكن أن تُحقق نتائج حقيقية على الأرض، لافتًا إلى أن المواطنين باتوا يرفضون الشخصيات السياسية المحلية المتشابهة، التي تُعيد إنتاج الأزمة ولا تقدم حلولاً.
وانتقد احواس تدخل البعثة الأممية في كل مفاصل الدولة، حتى في المناسبات الوطنية، متسائلًا: ما علاقة البعثة بحضور فعاليات الذكرى السبعين لديوان المحاسبة؟ هذه أمور داخلية، ومع ذلك تتدخل فيها البعثة في ظل مسار استثماري تحكمه عقلية الغنيمة.
وبينّ احواس، أن ليبيا دولة غنية بالموارد، ولكنها خاضعة لتجاذبات إقليمية ودولية، لافتًا إلى أن كل طرف دولي، وخاصة الولايات المتحدة، يسعى لضمان حصته من الكعكة الليبية، سواء عبر المبعوثين أو من خلال اللقاءات غير الرسمية.
وتابع: “بعد انكشاف المتغيرات الدولية، وانشغال أمريكا بملفات كبرى مثل أوكرانيا، بات واضحًا أن هناك تحالفات جديدة بدأت تهدد الدور الأمريكي، مما يدفع واشنطن إلى الحفاظ على نفوذها في ليبيا من خلال الاستثمار والتواجد الأمني”.
واعتبر أن الاستثمار الحقيقي في ليبيا لا يمكن أن يتم دون استقرار أمني، مشيرًا إلى أن هذا الاستقرار لن يتحقق إلا عبر توافق بين “القيادة العامة للجيش في الشرق” و”حكومة الوحدة المؤقتة في الغرب”.
وأضاف: “هذان الطرفان هما من يملكان القدرة على الدفع نحو تشكيل حكومة موحدة، تمهد الطريق أمام استقرار أمني يمكّن من استقطاب استثمارات حقيقية، ويجنب البلاد انعكاسات سلبية تضرب الاقتصاد الليبي والأطراف الدولية ذات الصلة”.
وأشار احواس إلى أن رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة، ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، يتحصّنان خلف تعثّر الانتخابات كذريعة للبقاء في السلطة، مشيراً إلى أن “منطق القوة” هو السائد حالياً في ليبيا، وليس قوة القانون.
وأشار احواس، إلى أن الانتخابات في ليبيا لن تُجرى في ظل بيئة سياسية واجتماعية غير ناضجة، لافتاً إلى أنه على قناعة بأن الانتخابات تمثّل مقدّمة صحيحة، إلا أن “الأمر لم يعد متعلقاً بسلامة الإجراء، بل بانعدام التوقيت المناسب”.
وأضاف: “اليوم تُحسب معادلة البيضة والدجاجة – أي القاعدة الدستورية أولاً أم الانتخابات – لصالح القاعدة الدستورية. فكلما اقتربنا من الانتخابات، نصطدم بغياب هذه القاعدة، وهناك تغييب ممنهج لها بدعم دولي، لأنها ببساطة ليست ضمن أجندة البحث الدولي”.
وشدد الخبير القانوني، على أن المجتمع الدولي لم يعد يولي أولوية للقاعدة الدستورية، على عكس موقفه التاريخي في عام 1951 عندما ساهم في صياغة دستور المملكة الليبية، الذي كان حينها أولوية في اجتماعاته. مبيناً أن الحكومة الحالية والمجلس الرئاسي جاءا أصلاً بدون قاعدة دستورية ولا بإرادة شعبية حقيقية، بل عبر كيان افتراضي صاغه المجتمع الدولي، وبالتالي لا يحق لهما المطالبة بما يفتقدان إليه أصلاً.
وفي تقييمه للمشهد الحالي، أوضح احواس أن البلاد تتجه نحو تشكيل حكومة موحدة لا تختلف كثيراً عن حكومة الوحدة الوطنية، وستكون نتاج توافق بين الإرادة الوطنية والدولية، قائلاً: “لن تكون حكومة جديدة بقدر ما ستكون حكومة توافقيّة ترضي اللاعبين الدوليين وتوفر بيئة آمنة قد تُفضي لاحقاً إلى انتخابات، ولكن ليس في المدى القريب”.
كما لفت إلى أن بعثة الأمم المتحدة لا تمتلك الإرادة السياسية الحاسمة، ولا تستطيع اتخاذ قرارات جوهرية دون موافقة مجلس الأمن والولايات المتحدة، اللذين يرى أنهما لا يزالان يجدان مصالحهما في الإبقاء على حكومة الوحدة الوطنية.
واختتم احواس حديثه بالقول إن خارطة الطريق والوعود بإجراء الانتخابات خلال شهرين أو غيرها من المواعيد “ليست سوى شعارات ترفعها البعثة الأممية”، مؤكداً أن ما يُحرك الواقع السياسي الليبي هو توازنات القوى، وأن الحكومة المقبلة ستكون محاولة لدمج الحكومتين الحاليتين، لا لتأسيس كيان جديد.









