الفضيل: سحب النقد الأجنبي والسياسات المصرفية وراء التحسن المؤقت للدينار

قال أستاذ الاقتصاد عبد الحميد الفضيل، إن التقلبات الأخيرة في سعر صرف العملات الأجنبية مقابل الدينار الليبي تُعد أمرًا طبيعيًا ومتوقعًا، خاصة بعد سنوات طويلة من عدم الاستقرار المالي والنقدي في ليبيا.
وأوضح الفضيل في حديث لقناة “التناصح” التابعة للمفتي المعزول الصادق الغرياني، أن السوق عادةً ما يشهد موجات صعود وهبوط متكررة تسبق أي مرحلة استقرار مؤقت، مشيرًا إلى أن التحسن النسبي لقيمة الدينار في الأسابيع الأخيرة جاء نتيجة عاملين أساسيين، هما التوقعات بتخفيض أو إلغاء الرسم على بيع النقد الأجنبي، والثاني سحب كميات ضخمة من النقد المحلي من السوق.
وأشار إلى أن الأخبار المتداولة حول نية مصرف ليبيا المركزي تخفيض الرسم على بيع النقد الأجنبي من 15% إلى 10% في أكتوبر، تمهيدًا لإلغائه بالكامل في ديسمبر، خلقت حالة من التفاؤل في السوق. وهو ما دفع بعض الذين يمتلكون العملة الأجنبية إلى البيع خشية انخفاض إضافي في سعر الدولار، في حين فضل آخرون تأجيل الشراء انتظارًا لهبوط أكبر محتمل. وفي الوقت نفسه، ساهم سحب كميات كبيرة من الأوراق النقدية المحلية من فئتي 5 و20 دينار، والتي تُقدر قيمتها بنحو 23 إلى 25 مليار دينار، في تقليص الكتلة النقدية المتداولة وتعزيز قيمة العملة الوطنية، خاصة في سوق “الكاش”، دون أن ينعكس هذا التأثير بنفس النسبة على السوق الإلكتروني أو الرسمي.
ولفت الفضيل إلى أن هذا التحسن لا يعكس تحسنًا هيكليًا في الاقتصاد، بل هو انعكاس لموجة ترقب عامة لدى المتعاملين في السوق. محذراً من أن النجاح الجزئي لمصرف ليبيا المركزي، من خلال تخفيض الرسم فقط دون إلغائه بالكامل، قد يحقق استقرارًا قصير الأجل، لكنه لن يكون كافيًا إذا استمرت معدلات الإنفاق العام المرتفعة من قبل الحكومات المتعددة، إضافة إلى استمرار تقلبات أسعار النفط.
وأكد الفضيل أن السوق يمر حاليًا بمرحلة ترقب حذِر، وأن الحديث عن استقرار طويل الأمد في سعر الصرف سابق لأوانه في ظل المعطيات الاقتصادية الراهنة، مشيرًا إلى أن تحميل مصرف ليبيا المركزي كامل المسؤولية عن تحديد سعر الصرف ليس دقيقًا، إذ تكمن مهمته الرئيسية في تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، وليس تحديد السعر بحد ذاته.
وبينّ الفضيل، أن مستوى سعر الصرف الفعلي للدينار الليبي يتحدد أساسًا وفقًا لحجم الإنفاق العام للدولة، معتبرًا هذا العامل الحاسم في رسم السعر المتوازن للعملة الوطنية.
وأضاف أن مصرف ليبيا المركزي يعتمد عند تحديد سعر الصرف على تقديرات حجم الإنفاق ونمو الكتلة النقدية، وليس فقط على رغبة في رفع قيمة الدينار، موضحًا أن السعر الرسمي عند حدود 5.46 دينار للدولار أصبح غير واقعي في ظل إنفاق سنوي يتجاوز 230 مليار دينار، خاصة إذا تم تخفيض أو إلغاء الرسم المفروض على بيع النقد الأجنبي. وقال: “في ظل هذا الإنفاق، إذا قرر المصرف المركزي تحديد سعر الصرف عند 7.5 دينار مثلاً، فهو قرار مفهوم ومعقول اقتصادياً”.
ورأى الفضيل أن السياسات الأخيرة التي اتخذها المصرف، مثل إصدار السندات بفوائد محددة وفرض عمولات على عمليات السحب النقدي والشراء المصرفي، تهدف أساسًا إلى تقليص الطلب غير الضروري على السيولة والحد من ظاهرة الاكتناز النقدي التي تعاني منها البنوك نتيجة ضعف ثقة المواطنين في الجهاز المصرفي. لكنه شدد على أن هذه الإجراءات ليست جذرية، حيث إن غياب الثقة يجعل بعض العملاء يدفعون عمولات مرتفعة لسحب أموالهم، حتى وإن كانت بنسبة 5% من القيمة.
ولفت الفضيل إلى أن حل أزمة السيولة مرتبط مباشرة بإتاحة النقد الأجنبي بسرعة وشفافية، مشيرًا إلى أن التجار، سواء لغرض الاستيراد أو للاستخدام الشخصي، يمثلون المصدر الرئيسي للطلب على السيولة المحلية بسبب تعقيدات إجراءات فتح الاعتمادات والتحويلات الخارجية. وأضاف أن تحسن منظومة الاعتمادات المستندية مؤخرًا ساهم جزئيًا في تخفيف حدة الأزمة، لكن الحل الأكبر يكمن في تسهيل بيع العملة الأجنبية بشكل مباشر، إلى جانب تطوير البنية التحتية للدفع الإلكتروني، مثل نقاط البيع والتطبيقات المصرفية الحديثة.
ورأى الفضيل، أن الأزمة المالية في ليبيا تفاقمت نتيجة غياب سلطة مركزية موحدة والانقسام السياسي الحاد، ما أدى إلى وصول الدين العام المحلي إلى نحو 270 مليار دينار، وهو رقم ضخم يعكس عمق الأزمة الهيكلية في المالية العامة للدولة. وأضاف أن هذا الدين موزع بين الشرق والغرب بسبب السياسات المالية المستقلة التي تتبعها كل من حكومة الوحدة الوطنية في الغرب وحكومة حماد في الشرق.
وأشار الفضيل إلى أن مصرف ليبيا المركزي لا يمتلك سلطة حقيقية لإجبار أي من الحكومتين على الالتزام بإنفاق محدود أو موجه نحو سداد الدين، موضحًا أن كل حكومة تعتبر نفسها غير مدينة عند إعلان إنفاقها من إيراداتها الخاصة، مما يجعل أي تدخل قانوني من المصرف مستحيلاً. وختم الفضيل مؤكداً أن استمرار وجود حكومتين ومصرفين يمثل أحد الأسباب الجوهرية في عدم القدرة على ضبط السياسة النقدية أو التحكم في سعر الصرف، مشددًا على أنه “طالما هذا الانقسام قائم، من الصعب جدًا الحديث عن استقرار حقيقي في سعر الصرف أو التنبؤ بمستقبله”.









