اخبار مميزةليبيا

بحيح: الأجسام السياسية أصبحت “مهترئة” ولم تعد تمثل طموحات الليبيين

عبّرت عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، الدكتورة ابتسام بحيح، عن أسفها العميق للوضع الراهن الذي تمر به ليبيا، مؤكدة أن اللحظة التي كان يفترض أن تكون مناسبة للفخر والاعتزاز بما أنجزه الآباء المؤسسون، تحولت إلى محطة مؤلمة تُظهر فشل الأجيال الحالية في استكمال مشروع بناء الدولة.

وأوضحت بحيح في مداخلة على قناة “الوسط”، رصدته “الساعة 24” في الذكرى الرابعة والسبعين لتأسيس الدولة الليبية، أن هذه المناسبة تستحضر عظمة ما تحقق في 7 أكتوبر 1951، حين تأسست الدولة الليبية بوثيقة دستورية جامعة، رغم أن ليبيا آنذاك لم تكن بعد على الخريطة الجغرافية بشكل رسمي.

وأضافت أن الآباء المؤسسين تمكنوا، في ظل ظروف صعبة وتجاذبات سياسية، من رسم معالم الدولة من خلال دستور موحّد أسّس لركائز الحكم والمؤسسات، وهو ما لم تستطع الأجيال اللاحقة المحافظة عليه أو البناء عليه.

وأكدت بحيح أن الأمل في استلهام تجربة التأسيس لا يزال ممكنًا، شريطة توفّر الإرادة السياسية الحقيقية، غير أنها أشارت بصراحة إلى أن تلك الإرادة مختطفة اليوم من قبل من وصفتهم بـ “الممسكين بزمام السلطة”، سواء داخل الهيئة التأسيسية أو في الأجسام التشريعية والتنفيذية الموازية، التي استغلّت غياب دستور جامع لتكريس الفراغ المؤسسي وتعميق الانقسام.

وحذرت بحيح، من أن الاستمرار في هذا المسار سيؤدي إلى تسليم الأجيال القادمة “أنقاض وطن”، بدلاً من دولة ذات سيادة ومرتكزات واضحة كما أرادها المؤسسون الأوائل، مؤكدة أن الأزمة الدستورية في ليبيا لا تكمن فقط في الخلافات حول مضمون المواد، بل في وجود أطراف داخلية وخارجية تسعى لتأبيد حالة “اللا وضوح”، حتى لا تُقيدها قواعد دستورية ملزمة.

وأوضحت أن المسار الدستوري في ليبيا تعرّض منذ عام 2011 إلى سلسلة من العراقيل، بدأت بتجاذبات داخل الهيئة التأسيسية نفسها، حيث حمل بعض أعضائها توجهات سياسية متضادة أثّرت على سير عملها. ومع ذلك، بينت بحيح أن اللجنة تمكنت، رغم كل الصعوبات، من تقديم مشروع عبر لجنة العمل، وكان من المقرر مناقشته في جلسات رسمية، قبل أن تتدخل بعثة الأمم المتحدة بشكل مفاجئ وتُخرج الهيئة من المشهد.

وأضافت أن ما عرف لاحقًا بـملتقى “صلالة”، الذي عُقد خارج ليبيا، شهد تعديلاً جوهريًا على مواد مشروع الدستور دون العودة إلى الهيئة، حيث تم اجتثاث مواد أساسية واستبدالها بأخرى تم التوافق عليها بين البعثة وأطراف ليبية مشاركة في ذلك اللقاء، معتبرة أن البعثة الأممية تجاوزت صلاحياتها، حيث كان يُفترض بها الاكتفاء بإدارة المرحلة الانتقالية، لكنها – بحسب وصفها – بسطت نفوذها حتى على المرحلة الدستورية الدائمة، مما أدى إلى تقويض استقلالية المسار الدستوري، وتحويله إلى ساحة لتصفية التوازنات السياسية بين القوى المحلية والدولية.

وفي سياق حديثها، انتقدت بحيح تدهور أداء مؤسسات الدولة، مشيرة إلى أنها أصبحت متآكلة من الداخل على الرغم من استمرارها الشكلي. وتساءلت: “كيف يمكن تحرير إرادة المؤسسات في ظل هذا التآكل البنيوي؟”، مشددة على أن البعثة استغلت هذا الضعف لتفرض رؤاها الخاصة على حساب جوهر القضية، وهو صياغة دستور دائم للبلاد.

كما أشارت إلى أن تعدد اللجان والمبادرات، مثل لجنة (6+6)، والتعديلات الدستورية “الثاني عشر – والثالث عشر”، ساهم في إرباك المشهد من خلال ما وصفته بـ “التلاعب بالألفاظ”، حيث تم استبدال مفاهيم واضحة مثل المسار الدستوري بمصطلحات فضفاضة كـ “القاعدة الدستورية”، ما أدى إلى تشويه العملية برمتها.

ورأت بحيح أن أحد أكبر العوائق تمثّل في عدم احترام المدد الزمنية المنصوص عليها سواء في الإعلان الدستوري أو من قبل الأمم المتحدة ضمن خارطة طريقها السياسية. وذكّرت بقرار الأمم المتحدة رقم 298، الذي أعاد التأكيد على ضرورة الالتزام بالمدد، ومنح الليبيين موعدًا أقصى لإنهاء المرحلة الانتقالية، وهو ما لم يُنفذ حتى الآن، رغم أن مشروع الدستور جاهز منذ 7 أكتوبر.

وبينت أن الفارق الجوهري بين دستور 1951 والمبادرات الدستورية الحالية يكمن في غياب الإرادة الوطنية الجامعة، واستبدالها بتجاذبات سياسية وهيمنة الخارج على مسارات الحسم. وأوضحت أن السلطة التأسيسية عام 1951 امتلكت رغبة حقيقية في إخراج ليبيا إلى الوجود كدولة ذات سيادة، مشيرة إلى أن ذلك التوجه كان نابعًا من إرادة شعبية صادقة، تُرجمت عبر شخصيات وطنية مرجعية تم التوافق عليها، ومن ثم تولوا تعيين ممثلي الأقاليم الثلاثة حينها، دون صراعات أو تدخلات أجنبية.

وأضافت: “كانت البساطة والرمزية في اختيار الشخصيات والآليات وقتها دليلًا على وحدة الهدف”، في مقابل ما وصفته اليوم بـ “الفراغ الرمزي”، حيث لم تعد هناك شخصيات جامعة يمكن الركون إليها أو الالتفاف حولها لحل المعضلات الوطنية.

وانتقدت بحيح اعتماد القوى السياسية اليوم على الخارج، سواء عبر بعثة الأمم المتحدة أو عبر ما أسمتها رحلات المقايضة السياسية من مدينة إلى مدينة، ومن دولة إلى أخرى، في مساعٍ لا تُنتج دستورًا وطنيًا، بل تُكرّس الاعتماد على حلول مستوردة. معتبرة أن ما يُنتج اليوم عبر لجان تفاوضية لا يحمل مشروعية دستورية حقيقية، مقارنة بدستور صاغه ممثلو الأمة، معتبرة أن ما يُفترض أن يكون عملية تأسيسية وطنية تحوّل إلى عملية تفاوض سياسي محكومة بمصالح آنية.

وفي ختام حديثها، دعت بحيح إلى تجاوز الأجسام السياسية الحالية، سواء الهيئة التأسيسية أو مجلسي النواب والأعلى للدولة، ووصفتها بـ “الأجسام المهترئة التي لم تعد تمثل طموحات الليبيين”. مطالبة بالبحث عن إرادة وطنية جديدة تنبثق من الشعب، قادرة على صياغة دستور حقيقي يضمن الحقوق والحريات، والتداول السلمي على السلطة، وشكل دولة يتوافق عليه جميع الليبيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى