الشريف: أزمة السيولة “مزمنة” والحل يبدأ باستعادة الثقة في المصارف

أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، علي الشريف، أن أزمة السيولة النقدية تُعد أزمة مزمنة، تعود جذورها إلى أكثر من عشر سنوات، مرجعًا ذلك إلى الانقسام السياسي والمؤسسي في البلاد.
وأوضح الشريف في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، أن ليبيا أصبحت الدولة الوحيدة في العالم التي تعاني من أزمة سيولة بهذا الشكل، واصفًا الوضع بأنه غير مسبوق عالميًا، نتيجة الانقسام المؤسسي الذي أدى إلى وجود مصرفين مركزيين، وهي حالة فريدة من نوعها.
وأشار إلى أن المسؤولية المباشرة عن تفاقم هذه الأزمة تقع على عاتق مصرف ليبيا المركزي بسبب ضعف إدارته للسياسة النقدية في السنوات الماضية، ما أدى إلى استمرار الأزمة وتحولها إلى معضلة مزمنة تجاوزت عقدًا من الزمن.
وبيّن الشريف، أن الإدارة الجديدة للمصرف المركزي، والتي تولت مهامها منذ حوالي عام، بدأت في اتخاذ خطوات تدريجية لمعالجة الأزمة، منها إعادة بناء الثقة بين الجهاز المصرفي والمواطنين والتجار، إلى جانب التوجه نحو تطوير الشمول المالي في الاقتصاد.
ولفت إلى أن غياب الثقة بين الفاعلين الاقتصاديين – سواء كانوا مستهلكين أو تجاراً – أو الجهاز المصرفي، موضحًا أن هذه الفجوة في الثقة تساهم في تفاقم العديد من المشكلات الاقتصادية الأخرى في البلاد، حسب رأيه.
وشدد أستاذ الاقتصاد، على أن تجاوز الأزمة يتطلب وجود رؤية اقتصادية موحدة وشاملة تُعيد الثقة للمواطن وتُفعّل دور المصارف في التنمية، مؤكدًا أن الحل يبدأ بالاستقرار السياسي والمؤسسي، يليه إصلاح السياسات المالية والمصرفية.
وأكد الشريف أن الأزمة تستوجب حلولاً فريدة وغير تقليدية تقوم أساسًا على استعادة ثقة المواطنين بالجهاز المصرفي، وأوضح أن الأموال عادة ما تُحتفظ بها لأغراض المعاملات أو الاحتياط أو المضاربة، لكن في ظل غياب الثقة بالمصارف، أصبح الدافع الأكبر للاحتفاظ بالنقد هو المضاربة، خاصة مع اتساع الفجوة بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية.
وأوضح أن المصرف المركزي يتحمل جزءًا من مسؤولية تفاقم الأزمة بسبب تقليصه المستمر للمعروض من العملة الأجنبية خلال السنوات الماضية، ما ساهم في ارتفاع سعر الدولار بالسوق الموازية ودفع الأفراد للاحتفاظ بأموالهم خارج الجهاز المصرفي، نتيجة ضعف الثقة وتكلفة استخدام القنوات الرسمية مقارنة بالتعامل النقدي المباشر.
وبيّن الشريف، أن المصرف المركزي بدأ مؤخرًا باتخاذ إجراءات ملموسة لمعالجة الأزمة، أبرزها سحب الفئات النقدية الكبيرة مثل فئتي 50 و20 دينارًا، بهدف إعادة الأموال المكتنزة والمستخدمة في السوق الموازية إلى النظام المصرفي، محذرا من أن لهذه الخطوة ارتدادات سلبية على المدى القصير، خاصة بعد سحب أكثر من 35 مليار دينار من السوق خلال العام الماضي.
وذكر أن المصرف المركزي يسعى للتخفيف من أثر الصدمة عبر ضخ دفعات جديدة من السيولة إلى المصارف، حيث بدأ بصرف 3 مليارات من أصل 5.5 مليار دينار مخصصة كمرتبات، بالتوازي مع تعزيز الاعتماد على الصيرفة الإلكترونية، وهو مسار يشمل حاليًا ما بين 60 إلى 70% من المواطنين، لا سيما في المناطق الحضرية.
وشدد الشريف على ضرورة التوازن بين طباعة العملة الجديدة واحتياجات المواطنين، مع تجنب ضخ كميات كبيرة من النقد مرة أخرى في السوق للحد من ظاهرة الاكتناز.
ودعا إلى أن تتم الطباعة وفق تخطيط مدروس، يصاحبها تعزيز التحول إلى الصيرفة الإلكترونية، مع توفير سيولة نقدية جزئية لتلبية المتطلبات الأساسية.
ونبّه إلى أن أكثر من 60% من الاقتصاد الليبي يُصنف كاقتصاد غير رسمي، ويعتمد بشكل شبه كامل على التعامل النقدي، ما يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي ويجعل من الإصلاحات أكثر إلحاحًا.
وختم الشريف حديثه بالتأكيد على أن حل أزمة السيولة لن يكون سريعًا، وأن التوقعات الزمنية غير دقيقة بسبب طبيعة الوضع الاقتصادي والسياسي المعقد في البلاد، معرباً عن أمله في أن تبدأ الأزمة بالانحسار خلال أربعة إلى خمسة أشهر قادمة، مع تزايد الاعتماد على وسائل الدفع الإلكتروني وعودة تدريجية للثقة في الجهاز المصرفي.









