الديباني: حكومة الدبيبة تغذي الفوضى في طرابلس بدعمها للتشكيلات المسلحة
أكد الباحث السياسي عبد الله الديباني، أن الوضع الأمني في غرب ليبيا ما زال يشهد حالة من الانفلات المستمر منذ سنوات، وسط تصاعد هيمنة التشكيلات المسلحة التي باتت تفرض سيطرتها ليس فقط على الأرض، بل على مفاصل الدولة ومؤسساتها الحيوية، بما في ذلك الوزارات.
وقال الديباني في تصريحات لقناة «ليبيا الحدث»، رصدتها «السساعة 24»: “الترتيبات التي وضعتها حكومة الوحدة المؤقتة، كانت تهدف في الأصل إلى تقليص نفوذ هذه التشكيلات ودمجها ضمن مؤسسات الدولة، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل، فمصطلحات مثل «الترتيبات الأمنية» و«استتباب الأمن» تكررت مرارًا دون أن تنعكس على الواقع، إذ لا تزال الجماعات المسلحة ترفض الانخراط في أي تنظيم أمني حقيقي. والمجلس الرئاسي، الذي يصف نفسه بأنه القائد الأعلى للجيش الليبي، لا يمتلك في الواقع سلطة القرار أو القدرة على فرض السيطرة على هذه التشكيلات، مما يفضح هشاشة البنية الأمنية للدولة الليبية”.
وأضاف الديباني “الوضع الحالي يتجه نحو مزيد من التصعيد، حيث تسعى كل مجموعة مسلحة إلى إقصاء الأخرى عبر مواجهات مسلحة في الشوارع، كما حدث في الزاوية ومناطق متفرقة مثل تاجوراء وضواحي العاصمة طرابلس. والهدف الأساسي من هذه التحركات هو السيطرة على أحياء ومناطق محددة، تمهيدًا لفرض شروط تفاوضية على الحكومة واستنزاف مواردها، فغياب النظام الأمني الحقيقي وتفكك سلطة الدولة يشجع هذه الجماعات على التمادي، ويهدد أي فرصة حقيقية لبناء مؤسسات مستقرة أو تحقيق الأمن في البلاد”.
وتابع “قراءة الوضع الأمني في ليبيا تأتي من تشخيص واقعي للمشهد الذي يؤشر إلى وقائع دموية كانت نتائجها قتل المدنيين وتدمير الممتلكات العامة والخاصة، إضافة إلى انتشار تجارة المخدرات وتورّط «أمراء الميليشيات» والتشكيلات المسلحة غير الخاضعة للرقابة الرسمية”.
وأشار إلى أن هذا التشخيص لا ينفي دعمه للمشروع السياسي الموجود في شرق البلاد، والذي – بحسب رأيه – سعى إلى توفير الاستقرار وضمان توحيد قيادة الأجهزة الأمنية، معتبراً من يصفون هذا المشروع بالعسكرة أو التحول إلى “ديكتاتورية جديدة” هم طرف آخر يسعى للتشويه، مؤكداً أن الواقع المعيشي في مناطق نفوذ الجيش الوطني بات أفضل حيث اختفت أصوات الرصاص والقذائف، ويمكن للسكان التحرك بأمان بعد المغرب، خلافاً لما كان عليه الحال في بنغازي سابقاً.
ولفت الديباني إلى أن الوضع في الغرب ما زال يعاني من أعمال عنف وجرائم مرتبطة بتجارة المخدرات وعمليات تهريب، وأن بعض الميليشيات تُسوِّق أعمالها بزعم الانخراط في «مشروعات» معينة، بينما هي في حقيقة الأمر مصدر فوضى وإرهاب واعتداء على المواطنين. كما نفى الاتهامات الموجّهة لتياره بالتورّط في تجارة مخدرات أو نقلها، موضحاً أنها اتهامات “باطلة” وأنه يتحدّث انطلاقاً من واقع يراه ويدافع عنه.
وشدد الديباني على حقه في المقارنة بين المشاريع السياسية أمام الجمهور ليتبين أيها أقرب إلى ضمان كرامة وأمن المواطن، مطالبًا بأن تُوضَع النقاط على الحروف لمعالجة الاختلالات الأمنية وإظهار الحقائق كما هي.
واتهم الديباني حكومة الوحدة المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة بالتورط في تغذية الفوضى الأمنية في العاصمة طرابلس، من خلال دعمها غير المباشر للتشكيلات المسلحة المسيطرة على مفاصل الدولة، واعتبر غيابها عن المشهد أثناء الاشتباكات المتكررة “أمرًا متوقعًا”.
وأوضح أن الصمت الرسمي، سواء من خلال غياب البيانات أو التحقيقات أو المواقف الواضحة، ليس وليد اللحظة، بل نتيجة طبيعية لكون التشكيلات المتورطة في النزاع ترتبط فعليًا برئيس الحكومة، وتحظى بدعمه المالي والإداري.
وأضاف أن الترتيبات الأمنية التي سبق الإعلان عنها لم تكن تهدف إلى تحقيق الأمن أو حلّ الميليشيات، بل استخدمت كأداة لإقصاء أجهزة بعينها – مثل جهاز الردع وجهاز دعم الاستقرار – لصالح تشكيلات أخرى موالية للدبيبة.
وأكد أن هذه المجموعات المسلحة لا تزال تسيطر على وزارات ومؤسسات مالية ومشروعات الدولة، وتستلم مقابل ذلك “إتاوات شهرية”، وفق تعبيره. مشيراً إلى أن التشكيلات التي تتصادم فيما بينها بطرابلس، هي نفسها التي يُعوّل عليها الدبيبة لتثبيت حكمه، حيث توحدت في أكثر من مرة ضد كيانات أمنية كانت تعتبر عقبة في طريق إحكام السيطرة على العاصمة.
ولفت إلى أن حكومة الدبيبة تتعمد الغياب عن المشهد الأمني أثناء الأزمات لإظهار أن أي محاولة لاستبدالها، أو إجراء انتخابات أو تشكيل حكومة بديلة ستقود إلى حرب أهلية أو فوضى أمنية، وبالتالي تسوّق نفسها كـ “خيار وحيد” رغم مساهمتها في ترسيخ حالة الانفلات الأمني.
وقال إن هذا النمط من إدارة الأزمات أصبح متكرراً في طرابلس، حيث يتم تهدئة الوضع لفترة وجيزة ثم تعود الاشتباكات والانقسامات، مشدداً على أن “الدوّامة ستستمر طالما بقيت التشكيلات المسلحة شريكة في الحكم وتُكافأ بدل أن تُحاسب”.
واضاف أن العجز عن معالجة استمرار حالة الانفلات قد يدفع نحو “خطة ثابتة” تتجه إلى خيار عسكري للقضاء على التشكيلات المسلحة، مؤكداً أن التعامل معها “لا يتم إلا بالنار” ما دامت مرتبطة بتجارة مخدرات وجرائم منظمة وعابرة للحدود.
وانتقد المقارنات بين التشكيلات المسلحة في ليبيا وفصائل المقاومة في فلسطين، معتبراً أن الاختلاف جوهري، إذ أن أغلب التشكيلات الفلسطينية تحارب من أجل قضية وطنية تاريخية (تحرير فلسطين)، بينما “التشكيلات في ليبيا معظمها يدور حول تجارة المخدرات، الابتزاز، الاستنزاف المالي، وحتى تجارة أعضاء” وفق تعبيره. لذلك لا يمكن مقارنتها بمشروعات وطنية قائمة على مبدأ وقضية.
وأشار إلى أن دعمه لمشروعه لا يعني تعطيل الحوار أو رفض بدائل وطنية واقعية، بل يطالب الخصوم بتقديم مشروع بديل “مواكب للواقع” بدلاً من السير وراء “نظريات المدينة الفاضلة” غير القابلة للتطبيق على الأرض.
وختم بالتأكيد على أن استمرار حالة الانفلات، وغياب قدرة الدولة على السيطرة، يترك الخيارات مفتوحة أمام القوى الوطنية التي ترى في السلاح الوسيلة الوحيدة لفرض النظام، داعياً في الوقت نفسه إلى تقديم بدائل وطنية عملية تعيد للدولة سيادتها وتضمن كرامة وأمن المواطن.









