اخبار مميزةليبيا

بالقاسم: تفكيك الميليشيات في غرب البلاد يحتاج إرادة سياسية وخطة شاملة

أكد الباحث السياسي إبراهيم بالقاسم أن الأزمة الأمنية في ليبيا شاملة ومتعددة الأبعاد، مشيرًا إلى أن جذورها لا تقتصر على جهة محلية واحدة، بل تمتد في كامل التراب الليبي، حيث تتفاوت الحالة الأمنية بين استقرار نسبي في الشرق والجنوب، وانفلات واضح في الغرب.

وأوضح بالقاسم في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته “الساعة 24″، أن التشخيص السائد للأزمة غالبًا ما يتخذ طابعًا سياسيًا موجّهًا، يهدف إلى تبرير أو نزع الشرعية عن طرف معين، وهو ما يزيد من تعقيد الأزمة بدلاً من حلها. مشيراً أن الاستنتاجات مبنية على دراسات وتقارير دولية وميدانية، بما فيها تقارير مجموعات دولية، التي ترى أن أسباب الانفلات متعددة، سياسية أولاً، ثم اجتماعية واقتصادية، ما أدى إلى اقتصاد سياسي موازٍ للمجموعات المسلحة يعتمد على موارد خارج نطاق الدولة عند جفاف التمويل الرسمي.

وأشار بلقاسم إلى أن فشل مسارات الإصلاح الأمني وعمليات الدمج والتأهيل بعد 2020 ترك عددًا كبيرًا من التشكيلات خارج إطار الانضباط، ما دفع بعض هذه المجموعات إلى اللجوء إلى أنشطة إجرامية واقتصادات بديلة. وأضاف أن الحكومات المتعاقبة لم تنفذ توصيات خرائط الأمان أو آليات إبعاد التشكيلات عمليًا، مثل نماذج المناطق الحمراء والصفراء والخضراء، كما لم تدعم الأجهزة الأمنية بما يكفي ليتمكّن النظام من فرض سيادته وسيطرة الدولة.

وحذّر بالقاسم من مغالطة محاولة تفكيك هذه المجموعات بضربة واحدة، مشيرًا إلى أن أي جهة تحاول ذلك قد تواجه صعوبة كبيرة، إذ تملك بعض الكيانات موارد وعُدة توازي مؤسسات أمنية رسمية، نتيجة تراكم موارد متأتية جزئيًا من ميزانيات سابقة وأنشطة غير مشروعة. لذلك شدّد على أن المواجهة تتطلب خطة متكاملة تشمل إرادة سياسية حقيقية، دعمًا مؤسساتيًا، وبرنامجًا طويل الأمد لتجفيف منابع التمويل وإعادة بناء الأجهزة الأمنية، وإدماج العناصر القابلة للاندماج ضمن المؤسسة الرسمية.

وبينّ الباحث السياسي، أهمية تحديد الخطوات الممكنة حاليًا لمعالجة الأزمة، مع التركيز على موقف المجتمع تجاه دور الحكومة، مشيرًا إلى أن هناك تصورًا سائداً بأن الحكومة تسعى للاستفراد بالسلطة وتوسيع نفوذها، ما يطرح تساؤلات عن البدائل المتاحة لتعزيز الاستقرار. لافتاً إلى أن المجتمع الليبي يعاني حالة تنافر وتشرذم بين مكوناته، معربًا عن خيبة أمل كبيرة من الخطاب الذي يتجه نحو النكاية بدلاً من التشخيص البنّاء للقضايا، مؤكدًا أن مثل هذا الخطاب لا يخدم القضية، بل تستفيد منه فقط السلطات الحاكمة الحالية.

وتطرق بالقاسم إلى الوضع الاقتصادي المتردي، مشيرًا إلى ارتفاع البطالة وقلة فرص العمل، إلى جانب أبعاد سياسية وأمنية حاسمة تتمثل في غياب المجال العام، انتشار الفساد، ضعف المؤسسات، الصراعات بين المجموعات المسلحة، وتآكل الأجهزة الأمنية، ما يزيد من تفاقم الأوضاع ويخرج الجريمة عن السيطرة، مع التنويه إلى أن هذه الظواهر ليست محصورة في ليبيا فقط، بل تتكرر في دول أخرى بالمنطقة.

وفيما يتعلق بالحلول، أكد بلقاسم أن تفكيك المجموعات المسلحة والعودة إلى دولة مدنية مؤسساتية يشكل الطريق الأمثل، بحيث يكون الشرطة والجيش في أماكنهما الطبيعية بعيدًا عن التشرذم الذي يعاني منه المشهد الليبي، مؤكدًا رفضه منح الفرصة لأي سلطات أمر واقع أو سلطات غير منتخبة لإدارة الأزمة.

كما شدد على أن مشروع المصالحة الوطنية الذي طرحه المجلس الرئاسي يوفر الإطار الهيكلي المناسب لمعالجة الإشكاليات، بما يشمل المصالحة السياسية والمجتمعية والاقتصادية، مع التأكيد على أن ضمان توزيع عادل للموارد يلعب دورًا أساسيًا في تحقيق الاستقرار وتقليل النزاعات.

ولفت بالقاسم إلى أهمية المسؤولية المجتمعية ودور المجتمع المدني، رغم التحديات التي تواجهه، بما فيها تضييق الخناق على النشطاء، داعيًا إلى تعزيز العدالة كجزء من الحلول الممكنة لتجاوز الأزمة الليبية. وأوضح أن المعالجات الأمنية يجب أن تستند إلى مقاربات عقلانية ومنطقية تقلل الخسائر البشرية والمادية، مؤكدًا أن المواجهة المسلحة ليست حلاً ناجعًا للتعامل مع الأزمات الأمنية أو الجريمة المنتشرة في البلاد.

وتطرق الباحث السياسي أيضًا إلى الترتيبات الأمنية السابقة التي استعانت بالدعم الدولي، والذي شمل خبراء من الولايات المتحدة وإيطاليا، بهدف تثبيت الأمن ودعم حكومة الوفاق الوطني، رغم أن مجلس النواب – أو ما يُعرف بـ “الثلث المعطّل” داخله – رفض تلك الحكومة، ما تسبب في تعثر نتائج الحوار السياسي حتى ما بعد عام 2018.

وشدد على أن ليبيا، بسبب حدودها المفتوحة وخاصة من الجنوب، تواجه تحديات أمنية كبيرة، وهو ما يستلزم مقاربة شاملة تتجاوز الحلول العسكرية لتشمل أبعاداً اجتماعية واقتصادية وسياسية، إلى جانب تنسيق جاد مع دول الجوار وإنشاء ما أسماه بـ “حزام اجتماعي” حول حدود البلاد لضبط الأمن والحد من التهريب والجريمة العابرة للحدود.

وأضاف بالقاسم أن بعض المدن المحاصرة غرب البلاد أصبحت ضحية للوضع القائم، على الرغم من غياب موانئ أو مطارات عاملة فيها، ما يزيد من هشاشتها الأمنية، مؤكدًا أن نماذج الحلول القائمة مستمدة من تجارب ناجحة في دول أخرى ويمكن البناء عليها.

واختتم الباحث السياسي حديثه بالتأكيد على أن الوضع في المنطقة الشرقية مستقر نسبيًا، داعيًا إلى توحيد ليبيا وإنهاء الانقسام، وقال: “ليبيا دولة واحدة، وما يحدث في الشرق يجب أن يُنظر إليه كجزء مما يحدث في الغرب”، مشيدًا بأصوات إعلامية من الشرق والغرب تسعى لتعزيز الوحدة الوطنية، مبيناً أن الفرصة لا تزال متاحة للاستفادة من التجارب الناجحة وتبادل الفرص، خصوصًا وأن الخارج ينظر إلى ليبيا كدولة موحدة، لا دولتين في دولة واحدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى