اخبار مميزةليبيا

بسيكري: يجب تغيير الطبقة السياسية الحالية ببديل أكثر وعياً

أكد السنوسي بسيكري، مدير المركز الليبي للدراسات ورسم السياسات، أن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن عمل البعثة الأممية في ليبيا قدّم تشخيصاً دقيقاً للمختنقات التي أعاقت أداء البعثة طيلة السنوات الماضية وحتى اليوم.

وفي مداخلة عبر قناة “ليبيا الأحرار”، رصدتها “الساعة 24″، أوضح بسيكري أن التقرير ركز على أربعة محاور رئيسية تمثل أبرز أسباب تعثر البعثة، أولها يتعلق بالبعثة ذاتها، من حيث ضعف الإمكانيات والهيكلية غير المتماسكة. بالإضافة إلى أقسام البعثة التي لا تعمل بتناغم أو ضمن استراتيجية موحدة، ما أضعف قدرتها على التأثير وإدارة العملية السياسية في البلاد.

أما المحور الثاني، بحسب بسيكري، فيتعلق بتعقيدات الواقع الليبي، لا سيما الانقسام الحاد الذي تعمق بعد العام 2022، حيث بات لكل طرف تموضع مؤسسي يزيد من صعوبة الحلول السياسية.

وبين بسيكري، أن المحور الثالث يتمثل في تضارب المواقف الإقليمية والدولية تجاه الأزمة الليبية، مما ساهم في إرباك المشهد السياسي وزاد من صعوبة مهمة البعثة الأممية.

أما المحور الرابع، فتمثل في “القصور الواضح” في أداء المجتمع الدولي، وخاصة مجلس الأمن، الذي فشل – وفقاً للتقرير- في تقديم الدعم الكافي للبعثة، ولم يتمكن من اتخاذ قرارات حاسمة تسند جهود الوساطة.

وانتقد بسيكري طريقة عمل الأمم المتحدة، معتبراً أن هناك خللاً هيكلياً متأصلاً في البنية الإدارية للمنظمة وطريقة إدارتها للبعثات في مناطق الأزمات. مبيناً أن البعثة الأممية تعاني من غياب التحديث والتطوير، حيث يتم إعادة تدوير نفس النموذج الإداري دون مراعاة خصوصية الحالة الليبية.

كما لفت إلى نقطة سلبية ذكرها التقرير بوضوح، تتعلق بانعدام التراكم في عمل مبعوثي الأمم المتحدة إلى ليبيا، حيث لا يبني كل مبعوث جديد على ما أنجزه سلفه، بل يبدأ من الصفر، ما أدى إلى انقطاع السياسات والمبادرات وفقدان الاستمرارية.

وتساءل بسيكري عن سبب غياب التحرك الجاد من قبل الأمين العام للأمم المتحدة أو مسؤولي البعثة لمعالجة هذا الخلل، رغم مرور أكثر من 14 عاماً على تأسيس البعثة، مضيفاً أن هذا الأمر يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مدى كفاءة الآليات الأممية في إدارة النزاعات.

وتابع: الأزمة الليبية كشفت عن قصور هيكلي في بنية النظام الدولي، وفشله في التعاطي مع الأزمات المعقدة، مثلما هو الحال في ليبيا، حيث تغيب الإرادة الموحدة داخل مجلس الأمن لاتخاذ قرارات حاسمة تسهم في تفكيك العقبات أمام العملية السياسية.

ورأى بسيكري، أن استمرار الأزمة السياسية في ليبيا يعود إلى هيمنة ما وصفه بـ “العقلية الصفرية” لدى الطبقة السياسية، وهي عقلية ترى أن مكاسب الخصوم تمثل خسارة لها، ما يُعيق أي إمكانية للتوافق أو تقاسم السلطة بشكل وطني.

وأوضح بسيكري أن هذه الذهنية القائمة على المحصلة الصفرية تُعد أحد أهم العوائق أمام تحقيق تقدم في المسار السياسي، مشيرًا إلى أن ما يقرب من عشر سنوات من المفاوضات والتجاذبات لم تسفر عن نتائج ملموسة، بسبب تمسك القوى السياسية بمصالحها الضيقة.

وأضاف أن المشكلة لا تتعلق فقط بالخلافات السياسية، بل بغياب شعور وطني كافٍ لدى بعض الفاعلين السياسيين، الذين تغلب لديهم الحسابات الشخصية أو الجهوية أو القبلية على المصلحة العامة، وهو ما أسهم، بحسب وصفه، في “تآكل الوطنية وتراجع الشعور العام بالمسؤولية تجاه الوطن”.

وأشار بسيكري إلى أن التقرير الأممي الأخير استخدم مصطلح “المصلحة الصفرية”، وهو توصيف يعكس إدراكاً دولياً لطبيعة الأزمة الليبية، مؤكداً أن “الفاعلين السياسيين يغلبّون مصالحهم الذاتية ويحافظون على مناصبهم من خلال تعطيل العملية السياسية”.

وأردف بالقول: إن الانتقال السياسي في ليبيا لن يكون ممكنًا في ظل استمرار هذه الطبقة السياسية، معتبرًا أن التغيير يتطلب إما حراكًا شعبيًا ضاغطًا يدفع باتجاه التغيير، أو تدخلًا دوليًا فاعلاً من خلال قرارات حاسمة وعقوبات، تؤدي إلى إنتاج طبقة سياسية جديدة أكثر وطنية ونضجاً.

وفي سياق متصل، علّق بسيكري على ما ورد في التقرير الأممي بخصوص الإخفاق في اعتماد إطار دستوري وقانوني للانتخابات، لافتاً إلى أن ذلك ساهم في تفاقم فقدان الثقة بين الأطراف، وأدى إلى “تكريس الوضع الراهن الذي يخدم النخب السياسية، ويمنحها مزيدًا من الوقت لتعزيز مواقعها”.

وأوضح أن مفهوم “الحفاظ على الذات” الذي ورد في التقرير لا يقتصر فقط على البقاء في السلطة، بل يشمل أيضًا حماية المصالح الشخصية والمكاسب المرتبطة بالمنصب، سواء كانت مادية أو معنوية، حتى وإن لم يعد الشخص فاعلًا بشكل مباشر في الحكم.

وشدد بسيكري، على أن الأزمة الليبية لا يمكن تجاوزها دون إعادة تشكيل المشهد السياسي، والانتقال إلى مرحلة تُبنى على أسس وطنية وشفافة، يشارك فيها الجميع دون إقصاء، وتتغلب فيها المصلحة العامة على الحسابات الشخصية والجهوية.

وأضاف: أن الأزمة السياسية الراهنة في ليبيا تسير وفق ما يُعرف بـ”الحلقة المفرغة”، حيث يصبح السبب والنتيجة شيئًا واحدًا، ولا يمكن الفصل بينهما في ظل غياب رؤية وطنية لدى الطبقة السياسية.

وأوضح أن هذا المفهوم يعكس واقع الأزمات العميقة، حيث يؤدي خلل في أحد عناصر المنظومة إلى تفاقم الخلل في عناصر أخرى، بشكل متواصل. وقال: “في الأزمات الكبرى، تصبح النتيجة والسبب متطابقين، فلا يمكن التمييز بين من بدأ المشكلة ومن يكرّسها، إذ إن الطبقة السياسية التي تفتقر للوعي والديمقراطية وتغلب مصالحها الذاتية، تفرز مشهدًا سياسيًا مأزوماً، والمشهد السياسي ذاته يعيد إنتاج طبقة سياسية عاجزة وغير وطنية.”

وأشار إلى أن هذه الحلقة المفرغة تشبه ما يحدث في الاقتصاد، حين يؤدي ضعف الاستثمار إلى ضعف الطاقة الإنتاجية، وبالتالي محدودية الدخل، مما يمنع الاستثمار مجددًا، وتستمر الأزمة.

واعتبر بسيكري أن الدستور الغائب في ليبيا هو في الوقت نفسه نتيجة تقاعس متعمد من قبل الطبقة السياسية، التي رفضت طرح مشروع الدستور للاستفتاء رغم اعتماده من قبل 43 من أصل 44 عضوًا في الهيئة التأسيسية المنتخبة. مبيّناً أن غياب الدستور أدى بدوره إلى استمرار الفوضى وغياب المؤسسات، وبالتالي فإن النتيجة كانت “غياب الدستور” ليتحول المشهد إلى سبب جديد لامتداد وتفاقم الأزمة.

وبحسب بسيكري: فإن الطبقة السياسية تعمدت عدم إقرار الدستور، مما خلق فراغًا قانونيًا ودستوريًا، وهذا الفراغ أعاد إنتاج نفس الطبقة السياسية، وبالتالي استمرت الأزمة.

وفي ختام حديثه أكد مدير مركز الدراسات، أن كسر هذه الحلقة لا يكون إلا عبر تغيير الطبقة السياسية الحالية ببديل أكثر وعيًا، يؤمن بالمؤسسات والدستور، ويبدأ بإعادة بناء الدولة على أسس قانونية وديمقراطية، مما يفرز بيئة مؤسساتية تُنتج قوانين وسلطة قضائية فعالة ووعيًا سياسيًا أوسع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى