اخبار مميزةليبيا

المسماري: الخلافات حول الحوار السياسي المقبل تعيد أزمة التمثيل بين النواب والدولة

أكد أستاذ القانون الخاص بالجامعات الليبية، راقي المسماري، أن مجلس النواب الليبي، يمرّ بين الحين والآخر بـ “فترات سبات عميق وطويل”، يعقبها حراك مؤقت يعيده إلى الواجهة السياسية، واعتبر أن هذا النمط من النشاط البرلماني ارتبط غالبًا بالمحطات السياسية الكبرى التي تشهدها البلاد. مستشهدًا بما حدث خلال مفاوضات الصخيرات، ثم محادثات تونس وجنيف التي أفرزت الاتفاق السياسي القائم حاليًا.

وأوضح المسماري، في تصريحات لقناة «الوسط»، رصدتها «الساعة 24»، أن مجلس النواب يعيش اليوم حالة مشابهة، تتجلى في الخلافات حول آلية المشاركة في الحوار السياسي القادم، ومن سيمثل المجلس فيه، ومدى جدوى الدخول في هذا الحوار من الأساس بالنسبة للمجلسين (النواب والدولة). مشيرا إلى أن النواب اختلفوا في آخر مرة حول آلية التمثيل في حوار جنيف، قبل أن يُتفق على تمثيل كل دائرة انتخابية بثلاثة عشر نائبًا يُختارون من زملائهم، لافتًا إلى أن الاتجاه العام اليوم يسير نحو توسيع قاعدة التمثيل السياسي بالتنسيق مع مجلس الدولة، استجابة لمقترح من البعثة الأممية.

وأضاف أن البعثة طلبت أيضًا إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، والنظر في توزيع المناصب السيادية مثل المصرف المركزي وديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية، مشيرًا إلى أن المجلسين يتعاملان مع هذه المطالب بحذر، خاصة في ظل حساسية العلاقة بين مجلس النواب والبعثة الأممية.

وفيما يتعلق بالجدل الدائر حول تمديد فرض الرسم على سعر الصرف دون تصويت رسمي من مجلس النواب، قال المسماري إن القرار جاء بطلب من محافظ مصرف ليبيا المركزي، باعتباره من أعمال السيادة، موضحًا أن العديد من النواب أيّدوا الخطوة بعدما حذر المحافظ من انهيار نقدي وشيك في الدولة.

وبيّن أن آليات العمل داخل مجلس النواب ليست مفعّلة بالكامل وفقًا للقانون رقم (4) لسنة 2014 بشأن النظام الداخلي للمجلس، مرجعًا ذلك إلى أن الديمقراطية في ليبيا ما زالت تجربة حديثة لم تتجاوز عقدًا من الزمن منذ انتخاب أول سلطة تشريعية بعد الثورة.

وبحسب المسماري فإن كثيرًا من النواب غير مؤهلين من الناحية السياسية والقانونية لممارسة العمل الديمقراطي الصحيح، مضيفًا أن بعضهم يتعامل مع العملية الديمقراطية كوسيلة لتحقيق مكاسب شخصية أو ارتقاء سياسي، لكنه استدرك قائلاً: إن هذا الأمر ليس عيبًا في حد ذاته، لأن التجربة الديمقراطية تتطلب التراكم والتكرار حتى تنضج بمرور الوقت.

ووفقا لأستاذ القانون فإن العلاقة بين مجلس النواب ومصرف ليبيا المركزي، تشهد تداخلاً في الصلاحيات، مشيرًا إلى أن الأزمة المالية في البلاد ليست وليدة اللحظة، بل حذّر منها المركزي منذ نحو عشر سنوات.

وأوضح المسماري، أن المصرف المركزي هو الجهة المناط بها تحديد السياسة النقدية للدولة، وأنه عندما تزداد عليه الضغوط المالية الناتجة عن الإنفاق الحكومي، يقوم بتنبيه السلطات إلى وجود عجز أو استحالة في الصرف، وهو ما حدث مؤخرًا.

وأضاف: “المجلس لم يُعيّن رسميًا مجلس إدارة للمركزي منذ تأسيسه، باستثناء خطوة واحدة في يوليو 2023، عندما أصدر قرارًا اعتُبر دعمًا لتوحيد المؤسسة بين محافظ المصرف في طرابلس الصديق الكبير ونائبه في الشرق مرعي البرعصي. وأشار إلى أن عملية التوحيد جاءت برعاية من السفارة الأمريكية في تونس، موضحًا أن مجلس النواب عزّز الإجراء عبر قرار رسمي، رغم أن بعض النواب شككوا في صحة الوثيقة الصادرة بشأنه.

وأوضح أن السياسة فرضت نفسها مجددًا على المشهد المالي، مبينًا أن إقالة الصديق الكبير من قبل حكومة الوحدة المؤقتة جاءت كردّ سياسي على تعاونه مع البرلمان في ملفات التنمية والإعمار، خصوصًا في المنطقتين الشرقية والجنوبية، واصفًا القرار بأنه خاطئ وتدخّل أممي لاحق صحّحه بتشكيل لجنة مشتركة من مجلسي النواب والدولة.

وشدّد على أن مجلس النواب يفترض أن يُمنح الفرصة لتعيين محافظ جديد ومجلس إدارة للمصرف المركزي، ليقرّا معًا سياسة نقدية موحدة للدولة الليبية، لكنه اعتبر أن تحقيق ذلك صعب سياسيًا واستراتيجيًا في ظل الواقع الحالي. مشيرا إلى أن الاقتصاد الليبي غير مهيكل ويعتمد كليًا على العوائد النفطية، مؤكّدًا أن ليبيا تحتاج إلى إعادة هيكلة اقتصادية شاملة لتكون دولة ذات بنية مالية واضحة ومعترف بها دوليًا.

ورأى المسماري أن الديمقراطية الليبية وُلدت في بيئة صعبة وغير مهيأة، إذ نشأت في ظل ثورة مسلحة وصراعات سياسية حادة، وأُجبر مجلس النواب على الدخول في لعبة سياسية فرضتها الظروف، مشيرًا إلى أن كثيرًا من التشريعات الصادرة عن المجلس كانت انعكاسًا للمواقف السياسية أكثر من كونها نابعة من حاجة تشريعية موضوعية.

وتابع أن مجلس الدولة تطوّر في تعامله مع مجلس النواب خلال الفترة الأخيرة، خصوصًا عندما كان برئاسة خالد المشري، حيث توصّل الطرفان إلى توافقات حقيقية مع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح.

وحسب المسماري فإن البلاد بحاجة إلى عملية سياسية شاملة لتجديد الشرعية التشريعية والتنفيذية، مشيرًا إلى أن جميع الأجسام الحالية، من برلمان وحكومة ومصرف مركزي وهيئات رقابية، وصلت إلى مرحلة تتطلب تجديد الشرعية لإعادة بناء الدولة على أسس مؤسسية سليمة.

ورأى المسماري أن تعطيل مسار التوافق الوطني في ليبيا يعود إلى تدخلات البعثة الأممية والضغوط الدولية، مشيرًا إلى أن الجهود الداخلية في مجلس النواب ومجلس الدولة كانت متقدمة رغم الصعوبات.

وأوضح أن المسيرة التشريعية لمجلس النواب شهدت توافقات مهمة، من بينها التعديل الدستوري الثاني عشر الذي أدى إلى تشكيل حكومة جديدة، إلا أن البعثة الأممية والمجتمع الدولي لم يعتمدا هذه القرارات، بل سعت إلى فرض صيغها القانونية الخاصة دون مراعاة القوانين الليبية المعتمدة.

وأشار إلى التعديل الدستوري الثالث عشر المعروف بقانون “6+6″، الذي وضع أسس الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وقال إن هذه القوانين أُقرّت بشكل صحيح من قبل مجلس النواب ومجلس الدولة ونُشرت في الجريدة الرسمية، ما يجعلها نافذة وقابلة للتطبيق على أرض الواقع، إلا أن البعثة الأممية استغرقت عامين قبل تقديم توصياتها، مما أدى إلى تأجيل العملية الانتخابية وخلق فراغ حكومي.

وأوضح أن التأخير في تطبيق القوانين أفضى إلى نزاعات مسلحة واستنزاف للموارد المالية العامة، مؤكدًا أن وجود حكومة واحدة حاليًا هو نتيجة هذا التأخير، وليس تقصيرًا من مجلس النواب ومجلس الدولة فقط.

كما تطرق المسماري، إلى مسألة الانتخابات الرئاسية، مؤكدًا أن اللجنة الاستشارية التابعة للبحث الأممي فرضت ضرورة إجراء جولة أولى وجولة إعادة بسبب كثرة المترشحين، مشيرًا إلى أن التجربة السابقة أظهرت تفتت الأصوات وخطر انتخاب رئيس بأغلبية بسيطة جدًا لا تعكس إرادة الشعب.

واختتم الدكتور المسماري تصريحاته بالقول إن جميع الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تمر بها ليبيا منذ 2011 تعود جزئيًا إلى أداء البعثة الأممية، مضيفًا أن البرلمان ومجلس الدولة لم يكن بالإمكان أن ينهضا بالعمل دون الدعم الكامل من الجهات الدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى