اخبار مميزةليبيا

الحر: التوطين في ليبيا حق سيادي للدولة.. والمنظمات لا سلطة لها

أكد عبد المنعم الحر، المتخصص في القانون الدولي لحقوق الإنسان، أن مسألة التوطين تُعد من الحقوق السيادية الخالصة للدولة الليبية، ولا يجوز لأي منظمة دولية، بما في ذلك المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أو المنظمة الدولية للهجرة أو غيرها من المنظمات غير الحكومية، أن تمارس هذا الدور داخل الأراضي الليبية. مبيناً أن الحكومة الليبية وحدها هي الجهة المخوّلة قانوناً باتخاذ قرار بشأن التوطين أو رفضه.

وشدد الحر، في مداخلة على تلفزيون “المسار”، رصدتها “الساعة 24″على أهمية الموازنة بين الالتزامات الإنسانية وحقوق الإنسان من جهة، وممارسة الدولة الليبية لسلطاتها السيادية من جهة أخرى، مشيراً إلى أن هذا الموضوع يحظى باهتمام واسع ويتطلب وضوحاً في الفهم القانوني والدولي.

وأشار إلى أن ليبيا ليست طرفاً في اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، موضحاً أن عدداً من وزراء الخارجية الليبيين السابقين أكدوا تحفظ الدولة على الانضمام إلى هذه الاتفاقية، خشية أن يؤدي ذلك إلى فتح الباب أمام قبول لاجئين بشكل دائم داخل البلاد، وهو ما اعتُبر مساساً بالسيادة الوطنية.

وفي السياق ذاته، بين الحر، أن القانون الدولي يمنح الدولة الليبية الحق في إنهاء أو تقييد نشاط أي منظمة غير حكومية داخل أراضيها إذا تجاوزت اختصاصها أو أخلّت بالأمن الوطني أو مارست نشاطات سياسية أو استخباراتية، مشيراً إلى أن هذه الإجراءات مشروعة قانونياً متى استندت إلى مبدأ السيادة الوطنية.

ورغم ذلك، دعا الحر إلى عدم إغفال الجوانب الإنسانية المرتبطة بعمل هذه المنظمات، مؤكداً أن أي قرارات تتخذها الدولة الليبية تجاه المنظمات الدولية يجب ألا تؤدي إلى تدهور الأوضاع الإنسانية للمهاجرين أو النازحين. وأضاف: “علينا أن نحافظ على التوازن الدقيق بين حماية السيادة الوطنية وضمان احترام حقوق الإنسان، حتى لا تتأثر الفئات الهشة جراء أي إجراءات حكومية”.

ولفت إلى أن قرار السلطات الليبية بطرد بعض المنظمات الدولية، وعلى رأسها منظمة “أطباء بلا حدود”، يجب أن يُقيَّم وفق ثلاثة شروط رئيسية نصّ عليها القانون الدولي، وهي الشرعية، الضرورة، والتناسب، مشدداً على أن أي قرار لا يستوفي هذه المعايير قد يعرّض ليبيا لانتقادات قانونية وإنسانية واسعة.

وأوضح الحر، أن الشرط الأول وهو الشرعية يقتضي أن يستند قرار الطرد إلى إجراءات قانونية واضحة وفق القانون الوطني الليبي، أما الشرط الثاني، وهو الضرورة، فيتطلب أن يكون الإجراء مرتبطاً بـ “مصلحة جوهرية” للدولة، مثل ضبط المنظمة في أنشطة استخباراتية أو سياسية تهدد الأمن الوطني.

وبينّ أن الشرط الثالث، وهو التناسب، يُلزم السلطات بضمان ألا يؤدي قرار الطرد إلى تدهور الأوضاع الإنسانية أو الصحية داخل البلاد، أو إلى انتهاك حقوق الإنسان بشكل يفوق ما كان عليه الوضع قبل خروج المنظمة.

وأشار الحر إلى أن منظمة أطباء بلا حدود كانت تقدم خدمات صحية وإنسانية أساسية داخل الأراضي الليبية، وأن غيابها قد يُفاقم من معاناة المدنيين والنازحين والمهاجرين، محذراً من أن تدهور الأوضاع بعد طردها يمثل إخلالاً بشرط “التناسب” الذي يفرضه القانون الدولي.

وفي سياق متصل، لفت الحر إلى أن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين تعمل في ليبيا تحت غطاء بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، موضحاً أن مذكرة التفاهم الموقعة بينها وبين السلطات الليبية قد أُلغيت منذ عام 2010، وأن وجودها الحالي لا يستند إلى اتفاق رسمي مع الحكومة الليبية.

وتابع: المفوضية لم تمنح صفة “اللاجئ” لأي شخص داخل ليبيا، وأن منظمة الهجرة الدولية هي الجهة المعنية بالمهاجرين غير النظاميين ضمن ما يُعرف بـ “الهجرة المختلطة”. مبيناً أن التمييز بين اللاجئ والمهاجر غير الشرعي أمر ضروري، فالأول هو من يعبر الحدود الدولية خشية الاضطهاد الديني أو العرقي أو السياسي أو خوفاً على حياته نتيجة نزاع مسلح، في حين أن الثاني هو من يعبر الحدود بهدف تحسين وضعه الاقتصادي أو الاجتماعي.

وأكد على أن ليبيا، بوصفها دولة غير منضمة لاتفاقية اللاجئين لعام 1951، تملك الحق القانوني في ممارسة سلطتها التقديرية بشأن السماح أو رفض عمل المنظمات الدولية داخل أراضيها، غير أن هذه السلطة ينبغي أن تمارس في إطار القانون الدولي وبما يضمن حماية المدنيين وعدم تدهور الأوضاع الإنسانية.

وفيما يتعلق بأعداد المهاجرين، أوضح الحر أن نسبة ارتفاع أو انخفاض أعداد المهاجرين غير الشرعيين في ليبيا ترتبط أساسًا بعوامل عدة، من بينها عمليات التهريب عبر الحدود الجنوبية وبرامج العودة الطوعية التي تشرف عليها المنظمة الدولية للهجرة منذ سنوات. مبيناً أن هذه المنظمة تُعيد ما يصل إلى 20 ألف مهاجر طوعًا إلى بلدانهم سنويًا أو خلال فترات متقاربة، متكفلة بجميع نفقات الترحيل.

ونوه إلى أن تقرير المنظمة الدولية للهجرة حول أعداد المهاجرين في ليبيا، والذي يقدرهم بمئات الآلاف، يعد الأقرب إلى الواقع، بينما شكّك في البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية الليبية، معتبرًا أن بعض الدول – ومنها ليبيا – تميل إلى تضخيم الأرقام للحصول على منح وتمويلات أكبر من الدول والمنظمات المانحة لمعالجة ملفات المهاجرين وطالبي اللجوء.

وأشار أن ليبيا تواجه خطرًا حقيقيًا بسبب تزايد تدفقات الهجرة غير النظامية، داعيًا السلطات إلى إعادة صياغة سياساتها الداخلية وتنظيم الوضع الداخلي لمواجهة هذه الظاهرة التي باتت تشكل تهديدًا مباشرًا لأمنها الوطني.

من جهة ثانية، أكد الحر أن قضية التوطين في ليبيا أصبحت اليوم قضية جامعة لكل الأطياف الليبية، رغم الانقسام السياسي والمؤسسي والتشرذم الحاصل في البلاد، مشدداً على ضرورة استثمار هذا الإجماع الوطني من قبل المؤسسات الأمنية بشكل فعّال، لمعالجة الظاهرة وفق رؤية شاملة ومتوازنة.

وأوضح الحر أن الدولة الليبية اعتادت في تعاملها مع الأزمات على المقاربة الأمنية البحتة، مبتعدة عن المقاربة الحقوقية، وهو ما ساهم في تعقيد ملفات الهجرة واللجوء داخل البلاد. وأضاف أن القانون الدولي يمنح الدول الحق في ممارسة سلطتها التقديرية على أراضيها، بما في ذلك إبعاد الأجانب والمنظمات، إلا أن الأجهزة الأمنية الليبية ــ بحسب قوله ــ “غير ملمة بالقانون الدولي وكيفية التعاطي مع مثل هذه الأزمات”.

ودعا الحر إلى اعتماد مقاربة أمنية حقوقية مشتركة لمعالجة ظواهر الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر والإرهاب، مؤكداً أن استمرار الانقسام السياسي وغياب المؤسسة العسكرية الموحدة وافتقاد الإرادة السياسية، كلها عوامل جعلت من الأراضي الليبية مرتعاً مفتوحاً لكل الأجانب، سواء كانوا مهاجرين غير شرعيين أو طالبي لجوء”.

وختم عبد المنعم الحر مداخلته بالتأكيد على أن الطريق نحو معالجة ظاهرة الهجرة في ليبيا يمر عبر بناء مؤسسات قوية، وتدريب كوادر أمنية على فهم القانون الدولي الإنساني، وتوحيد الجهود الوطنية بعيداً عن التجاذبات السياسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى