الهواري: سيادة ليبيا وحماية اللاجئين تتطلب تنظيم عمل المنظمات الدولية
انتقد الناشط الحقوقي، ناصر الهواري، قرار حكومة الوحدة المؤقتة، القاضي بإلزام منظمة أطباء بلا حدود، بمغادرة الأراضي الليبية قبل التاسع من نوفمبر المقبل، واصفًا الخطوة بأنها غير مبررة وتفتقر إلى الشفافية، داعيًا السلطات إلى الإفصاح عن الأسباب الحقيقية وراء هذا القرار.
وأوضح الهواري، في مقابلة مع قناة «المسار»، رصدتها «الساعة 24»، أن المنظمة «أطباء بلا حدود» تعدّ من أبرز المنظمات الدولية العاملة في مناطق النزاع والتوتر، مشيرًا إلى أنها قدمت خدمات إنسانية وصحية كبيرة في ليبيا منذ عام 2011، وساهمت في دعم النظام الصحي وتشخيص وعلاج الأمراض المزمنة والمستعصية مثل السرطان.
وأضاف أن المنظمة، التي يبلغ عمرها أكثر من خمسين عامًا وتعمل في أكثر من سبعين دولة ويضمّ طاقمها أكثر من 65 ألف موظف، كان لها دوراً بارزاً في رعاية المهاجرين غير الشرعيين داخل مراكز الإيواء وتقديم الدعم الصحي لهم، مشددًا على أنه لم يثبت وجود أي تجاوزات قانونية، أو ممارسات مخالفة للعادات أو القيم من قبلها خلال فترة عملها في ليبيا.
وأكد الهواري أن الحكومة إذا كان لديها أسباب تتعلق بمخالفة العادات، أو تهديد الأمن القومي فعليها أن تعلنها صراحة للرأي العام، لافتًا إلى أن الملف لا يتعلق بعمل استخباراتي أو عسكري سري، بل بمنظمة إنسانية تقدم خدمات عامة يجب أن يعرف الجميع دوافع طردها.
وتطرّق الهواري إلى بيان جهاز الأمن الداخلي التابع لحكومة الدبيبة، والذي اتهم عددًا من المنظمات الدولية – من بينها أطباء بلا حدود – بالسعي إلى توطين المهاجرين، معتبرًا أن المعالجة الأمنية لهذه الملفات كانت خاطئة في كثير من الأحيان، خصوصًا مع سيطرة شخصيات ذات توجهات غير مهنية على بعض الأجهزة الأمنية في طرابلس.
وشدد على أن التعامل مع المنظمات الدولية يجب أن يكون عبر القنوات الدبلوماسية الممثلة في وزارة الخارجية، لا عبر قرارات أمنية منفردة، مضيفًا أن ليبيا ليست بمعزل عن العالم، وهذه المنظمات جزء من النظام الدولي، ولا يمكن لأي دولة أن تعمل بمعزل عنها.
وقال الهواري إنه يشكك في مصداقية الروايات الأمنية التي تصدر دون أدلة واضحة، موضحًا أن الأجهزة الأمنية ليست منزّهة عن الأخطاء، والمنظمات أيضًا ليست ملائكية، لكن لا يجوز اتهام جهة تعمل منذ أكثر من 15 عامًا في ليبيا دون تقديم أدلة أو توضيحات للرأي العام.
ورأى أن مجلس النواب بدوره مقصّر في مراقبة أدائها وفي متابعة عمل المنظمات الدولية داخل البلاد، داعيًا إلى “إعادة ضبط العلاقة بين المؤسسات الأمنية والمنظمات الدولية وفق إطار قانوني ودبلوماسي واضح يحفظ السيادة ويصون الحقوق”.
وتناول الهواري مسألة التوازن بين الجوانب الإنسانية والأمنية في عمل المنظمات الدولية، مشيرًا إلى أن النظام السابق في ليبيا كان نظامًا شموليًا تحكمه نظرية المؤامرة ويتعامل مع المنظمات الدولية بحذر أمني شديد، إلا أن مرحلة ما بعد فبراير 2011 شهدت انفتاحًا واسعًا سمح بدخول العديد من المنظمات، وبعضها – كما قال – حمل معه عناصر استخباراتية أو أجندات خاصة، كما يحدث في أغلب الدول الخارجة من النزاعات.
وبين المحامي والناشط الحقوقي، أن السبب الحقيقي وراء هذه القرارات هو أن الأجهزة الأمنية في طرابلس تدار بطريقة غير مهنية، وبعضها خاضع لعناصر ميليشياوية، مضيفًا أن رئيس جهاز الأمن الداخلي السابق لطفي الحراري مثال على ذلك، كونه شخصية ميليشياوية مطلوبة ومجردة من مهامها.
ودعا الهواري مجلس النواب إلى تحمّل مسؤوليته السياسية في مراقبة ومساءلة قادة الأجهزة الأمنية، قائلا: إن طرد منظمة أطباء بلا حدود قد يسيئ إلى سمعة ليبيا في المحافل الدولية، مشددًا على ضرورة استدعاء وزير الخارجية ورئيس مفوضية المجتمع المدني لسؤالهم عن دوافع القرار، وإعادة تقييم العلاقة مع المنظمات الدولية بما يحفظ السيادة ولا يضر بمصلحة المواطنين.
وطالب الناشط الحقوقي، بإحالة ملف قرار طرد المنظمة إلى النيابة العامة، وحذر من التسرّع في اتهام المنظمات الإنسانية دون تقديم أدلة واضحة، مشدّدًا على ضرورة شفافية الجهات المختصة وإشراك المؤسسات الدبلوماسية والقضائية في معالجة الملف.
وقال الهواري، إنّه قدّم شكوى إلى النيابة العامة ولم يتضح بعد ما إذا كانت قد وصلت أو بُحثت، مؤكِّدًا أن الموضوع يحتاج أن يكون واضحًا أمام الرأي العام خصوصًا بعد موجة التفاعل الشعبي التي أثارتها مسألة التوطين المحتمل للمهاجرين.
وفيما يتعلق بنظرية التوطين، قال الهواري إنّه يرفض التفسيرات القائمة على الهواجس والمؤامرات، لكنه أقرّ بوجود محاولات حقيقية للتوطين في بعض المناطق ولدى جهات معينة، داعيًا إلى التفريق بين وجود محاولات فعلية وبين تشويه كامل منظومة العمل الإنساني. كما استشهد بحوادث سابقة ذكرت فيها انتهاكات من منظمات بعينها، لكنه حثّ على مقاربة موضوعية لا تُعمّم الاتهامات.
وطالب الهواري بأن تضع السلطات بديلاً عمليًا إذا كانت ستنهي عمل المنظمات الإنسانية، مؤكّدًا أن انسحابها من مراكز المهاجرين سيؤدي إلى تفشّي أمراض كان يتم احتواؤها بفضل خدماتها، وهو ما سيزيد العبء على وزارة الصحة والمجتمع المحلي. مشدداً على أهمية أن تخضع جميع المنظمات الإنسانية، للإجراءات القانونية الرسمية المعتمدة في ليبيا، مؤكداً أن أي طرد أو تدخل يجب أن يستند إلى أسس قانونية واضحة وليس بناءً على أوامر داخلية أو ممارسات غير رسمية.
كما تناول الهواري مسألة منح صفة اللاجئ، مشيراً إلى أن هذه الصفة تمنح فقط من قبل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وليس المنظمات الإنسانية، وأن إعادة التوطين تتم في دول أخرى بعد إجراءات رسمية. مؤكدا على حق الدولة الليبية في متابعة منح هذه الصفة والتأكد من تطبيقها بالشكل القانوني.
وأشار الهواري إلى أن تقديم المساعدات المالية للاجئين أو المهاجرين يجب أن يتم بالتنسيق مع السلطات الليبية، مؤكداً على ضرورة إصدار تصاريح رسمية لجميع المنظمات الإنسانية من قبل مفوضية المجتمع المدني التابعة للبرلمان، مع مراعاة الرقابة والإشراف على جميع أنشطتها لضمان الالتزام بالقوانين والأطر الرسمية.
ورأى الهواري، أن ليبيا تواجه تحديات كبيرة مرتبطة بالهجرة غير النظامية، خاصة القادمة من المناطق الجنوبية والشرقية، وأشار إلى أن القوات المسلحة الليبية تتحمل مسؤولية حماية الحدود، بينما تواجه الحكومة الحالية صعوبة في السيطرة على هذه المناطق. مؤكدا أن وجود منظمات دولية مثل أطباء بلا حدود ضروري لدعم الدولة في تقديم الخدمات الإنسانية، لأن هذه المنظمات تقوم بأعمال لا تستطيع الدولة وحدها تنفيذها.
وحذر الهواري من مخاطر التضخيم الإعلامي لأعداد اللاجئين في ليبيا، مشيرًا إلى أن الأرقام المعلنة غير دقيقة وأن هناك جهات مستفيدة من استمرار الوضع الحالي، بما في ذلك بعض مراكز الإيواء وعصابات الهجرة. مبيناً أن الحلول المطروحة يجب أن تراعي الواقع الأمني والاستراتيجي، وأن أي تدخل حكومي يجب أن يكون مبنيًا على رؤية موحدة تجمع كل الجهات المعنية لحل أزمة الهجرة بطريقة منظمة ومستدامة.









