الشح: سياسات “الدبيبة” غذت نفوذ المجموعات المسلحة بالمال والسلاح

انتقد المستشار السياسي السابق لمجلس الدولة أشرف الشُح، ما وصفه بـ “الادعاءات” التي تطلقها حكومة الوحدة المؤقتة بشأن تنفيذ خطة أمنية وفرض سيطرة الدولة، معتبراً أن هذه التحركات تأتي في إطار محاولات استباق العملية السياسية وإظهار القوة والنفوذ.
وقال الشح، في مداخلة عبر قناة “ليبيا الأحرار”، إن الحديث المتكرر عن خطة أمنية ليس جديداً، موضحاً أن هذه الخطط أُعلنت “للمرة الألف” دون أن تحقق نتائج ملموسة، مضيفاً أن ما يُنفذ على الأرض لا يعكس استراتيجية أمنية حقيقية بقدر ما يُظهر “صراع نفوذ بين المجموعات المسلحة”، حيث تستخدم الحكومة بعض هذه المجموعات ضد أخرى.
وأكد الشح أن رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة يعتبر المجموعات الموالية له بمثابة “قوات شرطة”، بينما يصف المجموعات المعارضة بـ “العصابات”، في حين أن الطرفين – حسب قوله – “ينطبق عليهما وصف العصابة”، مع غياب كامل لسيطرة مؤسسات الدولة النظامية.
وأشار إلى أن الحكومة لم تُحاسب المسؤولين عن الانتهاكات والمعارك التي شهدتها البلاد خلال العامين الماضيين، متسائلاً عن مصير التحقيقات في القضايا التي أودت بحياة المدنيين وألحقت أضراراً بممتلكاتهم، مؤكداً أنه “لم يُقدَّم أحد للقضاء، بل تمت ترقية بعض المتورطين وتسليمهم مناصب عليا”.
وتحدى الشح رئيس الحكومة بأن “يقيل بعض الشخصيات النافذة”، مشدداً على أن بقاءه في السلطة مرهون بتحالفاته مع هذه الأطراف، سواء داخل طرابلس أو في مدن المنطقة الغربية الممتدة من مصراتة إلى رأس جدير.
وفي سياق حديثه، أوضح الشح أن التحالفات السياسية والعسكرية في الغرب الليبي “تتغير بتغير الظروف والتطورات السياسية”، ما جعل المشهد – حسب وصفه – مُعقداً وغير قابل للإصلاح بخطط أمنية سطحية.
وأضاف أن القضايا التي تُقدَّم كإنجازات للحكومة، مثل توقيف بعض الشخصيات، هي في الواقع إجراءات قضائية مستقلة تمت بطلب من النائب العام وليس بفضل الحكومة”، مؤكداً أن محاولة توظيفها سياسياً “تُعد تضليلاً للرأي العام،وفقا لقوله.
وتابع الشح قائلاً: إن ليبيا لم تشهد تغولاً وسيطرة مالية للمجموعات المسلحة كما هو حاصل خلال السنوات الثلاث الأخيرة، مبيناً أن هذه المجموعات توسعت في النفوذ والإنفاق المالي بشكل غير مسبوق، حتى أصبحت “دولاً داخل الدولة”، وهو ما اعتبره نتيجة مباشرة لسياسات الحكومة الحالية برئاسة عبد الحميد الدبيبة.
وأوضح أن المجموعات المسلحة لم تكن بهذا الحجم من القوة قبل تولي الدبيبة رئاسة الحكومة، وأن الأخير ساهم بسياساته في تغذية نفوذها المالي والعسكري، مؤكداً أن الوضع الأمني والاقتصادي اليوم أسوأ بكثير مما كان عليه في السنوات السابقة، نتيجة “استباحة المال العام وتزاوج المصالح بين السلطة والمجموعات المسلحة” بحسب تعبيره.
وتطرق الشح إلى أن البلاد تعيش اليوم حالة من تفكك المؤسسات الرسمية، وتبدّل التحالفات وفق المصالح، مشيراً إلى أن العملية السياسية الجارية حالياً هي المحرك الأساسي لهذه التحركات والدعايات الحكومية، لا الرغبة الحقيقية في تحقيق الأمن والاستقرار. معتبراً أن التغيير الحكومي لن يكون مجديًا ما لم يكن جزءًا من مشروع وطني متكامل يهدف إلى إعادة المسار السياسي واكتساب شرعية حقيقية من الشعب الليبي عبر مؤسسات جديدة تختلف في هيكليتها عن المؤسسات الحالية، التي وصفها بأنها غارقة في الفوضى والتداخلات بين الأجهزة الأمنية والتنفيذية.
وتابع: من يسعى لتولي رئاسة الحكومة بعد عبد الحميد الدبيبة يجب أن يكون هدفه إعادة الأمانة لأصحابها، وليس عقد الصفقات أو تحقيق المصالح الشخصية، مؤكدًا أن “الكثير من المتنافسين اليوم يتحركون بعقلية الصفقات والسعي إلى الثراء السريع عبر الوصول إلى السلطة”، وهو ما اعتبره استمرارًا لنفس النهج الذي أوصل البلاد إلى أزمتها الراهنة.
ولفت إلى أن المال العام يمثل المفتاح العملي والسريع لتقليص نفوذ المجموعات المسلحة والسياسية المتغلغلة داخل مؤسسات الدولة، مشيرًا إلى أن هذه المجموعات تعيش على التمويل الحكومي المباشر وغير المباشر، سواء عبر مرتبات ومصاريف مبالغ فيها أو من خلال تصاريح استيراد الأسلحة والمعدات.
وبيّن الشح: أن الحكومة نفسها سمحت لتلك المجموعات بالتمدد، مستدلًا بتصريحات رسمية أقرّت بأن بعض الكيانات “تستورد أسلحة بشكل مستقل عن الدولة”، وأن تصاريح الطيران والهبوط منحتها الحكومة نفسها. محذراً من أن هذه المجموعات توجّه رسائل إلى جهات دولية باسم الدولة الليبية، وتستغل الشرعية الدولية الممنوحة للحكومة لتعزيز نفوذها السياسي والعسكري، معتبرًا أن استمرار تدفق الأموال هو ما يجعل هذه الشخصيات و”العصابات” قادرة على السيطرة والتوسع.
وشدد على ضرورة وقف الإنفاق غير الضروري معتبراً بأنه السبيل لتقليص هذا النفوذ، قائلاً: “لو توقف المال عن التدفق، ستنفضّ من حولهم كل المصالح الشخصية، وسيتراجع نفوذهم تدريجيًا حتى يضعفوا ويعجزوا عن الاستمرار”.
وحمّل الشح مصرف ليبيا المركزي المسؤولية الرئيسية في هذا الجانب، داعيًا إلى الامتناع عن الهدر المالي والإنفاق الزائد خارج إطار الضرورات الأساسية مثل المرتبات والخدمات العامة”، مضيفًا بأن التمادي في الصرف تحت شعارات مثل الإعمار أو عودة الحياة سيؤدي إلى مزيد من تغوّل المجموعات المسلحة وصعوبة السيطرة عليها لاحقًا. مشيراً إلى أن المفتاح هو المال، وتجفيف منابعه هو الطريق الوحيد لإنهاء الفوضى والانفلات في ليبيا.
وأردف: تجفيف منابع التمويل يجب أن يبدأ من المصدر الرئيسي وهو المصرف المركزي، دون إغفال المصادر الجانبية للتمويل، مثل التحويلات المالية المشبوهة إلى حسابات في دبي وجنيف، والتي وثّقتها تقارير دولية، إلى جانب ملفات فساد أخرى كان آخرها قضية الفندق الذي خسرته ليبيا في مالي بسبب سرقات تورطت فيها شخصيات رسمية.
واستهجن المستشار السياسي السابق لمجلس الدولة، نفوذ المجموعات المسلحة التي باتت ترسل ممثلي ليبيا إلى خارج البلاد، ما يجعلها شريكًا أساسيًا في عمليات النهب والفساد المالي، مشددًا على أن وقف هذا النزيف المالي هو المدخل الحقيقي لإعادة هيكلة المشهد السياسي واستعادة الدولة لمؤسساتها.
من جهة ثانية لفت الشح أن القمة التي عقدت في إسطنبول كان هدفها الرئيسي مناقشة ملف الهجرة غير الشرعية المنطلقة من السواحل الليبية نحو إيطاليا، موضحًا أن إيطاليا كانت الداعي الأساسي لعقد الملتقى، وطلبت من تركيا المساهمة في الحد من تدفق المهاجرين.
ورأى أن اهتمام إيطاليا يتركز على وقف وصول المهاجرين إلى أراضيها، بينما لا تعنيها أوضاع المهاجرين داخل ليبيا أو تداعيات بقائهم فيها، معتبرًا أن هذه الأزمة شأن داخلي ليبي تتحمل مسؤوليته الحكومة والدولة الليبية.
وختم الشح حديثه بالتأكيد على أن إنقاذ ليبيا يتطلب شجاعة وتضحية، داعيًا إلى ظهور شخصيات لا تفكر في المناصب أو المكاسب، بل تسعى بإخلاص لإنقاذ البلاد، مشيرًا إلى أن ما يسمى بـ “الطبقة السياسية الحالية” تفتقر إلى مواقف وطنية حقيقية، لانشغالها بالمصالح والتحالفات المؤقتة على حساب مستقبل المواطن والدولة، على حد تعبيره.









