العريبي: ظاهرة العنف المدرسي تتطلب استراتيجية وطنية شاملة
أكدت سعاد العريبي، مدير إدارة الخدمة الاجتماعية بوزارة التربية والتعليم في الحكومة الليبية، أن العنف المدرسي لم يعد مجرد مشكلة محدودة، بل أصبح ظاهرة مجتمعية تستدعي تدخلًا شاملًا من مختلف الجهات المعنية، موضحة أن مظاهره بدأت تمتد من خارج أسوار المدارس إلى داخلها، مما يستوجب التعامل معها بجدية ومسؤولية.
وقالت العريبي إن مسؤولية انتشار العنف في المدارس مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع والإعلام، مشيرة إلى أن الأسرة تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية نتيجة ضعف الرقابة والتربية الأخلاقية وغياب القدوة الحسنة داخل البيت، واعتماد بعض الأسر العنف كأسلوب للتربية، مما ينعكس سلبًا على سلوك الأبناء داخل المدرسة.
وأضافت في حديث لقناة «ليبيا الحدث»، رصدته «الساعة 24» أن الطفل الذي يرى والديه يتعاملان مع الخلافات بهدوء واحترام يتعلم الحوار والتفاهم، في حين أن الطفل الذي ينشأ في بيئة يسودها العنف اللفظي أو الجسدي يميل إلى تقليد هذا السلوك مع زملائه.
وأوضحت العريبي أن بعض الأسر ما زالت تتبنى مفهوم “الضرب وسيلة للتربية”، وهو ما يؤدي إلى تطبيع سلوك العنف لدى الطفل حتى يصبح ردّ فعل طبيعيًا في تعاملاته، مشيرة إلى أن الإهمال العاطفي وضعف التواصل بين الأسرة والمدرسة يسهمان في تفاقم المشكلة، إذ يغيب عن بعض أولياء الأمور ما يقوم به أبناؤهم داخل المدرسة نتيجة اللامبالاة أو ضعف المتابعة، مما يخلق فجوة تربوية كبيرة بين الجانبين. وأضافت أن الطفل المحروم من الاهتمام الأسري قد يسعى إلى إثبات ذاته بطرق سلبية مثل الاعتداء أو السلوك العدواني.
وشددت العريبي على أهمية الدور الإيجابي للأسرة القائم على الحوار والتفاهم وغرس قيم التسامح وضبط الانفعالات واحترام الآخرين، مؤكدة أن هذه القيم تمثل حجر الأساس في الوقاية من العنف المدرسي.
أما على صعيد المدرسة، فقد بينت أن الإدارة التعليمية والمعلمين يتحملون جزءًا من المسؤولية، موضحة أن ضعف الانضباط المدرسي وغياب العدالة في التعامل مع الطلبة وعدم تدريب الكادر التعليمي على أساليب التعليم الإيجابي من أهم أسباب تفاقم الظاهرة. وبيّنت أن بعض المعلمين يلجؤون إلى العقاب البدني أو اللفظي، وهو سلوك مرفوض تربويًا ويترك آثارًا نفسية سلبية على الطلاب.
ولفتت العريبي إلى أن بؤر العنف داخل المدارس تظهر غالبًا في الساحات والممرات خلال فترات الانصراف وما بين الحصص، وهي أوقات تستدعي تكثيف الرقابة والإشراف من قبل الكادر التربوي والإداري، مشيرة إلى أنها خلال زيارة ميدانية رصدت حالة طالب تعرض لإصابة في عينه نتيجة ضرب مبرح من زميلٍ أصغر سنًا. وقالت: “المؤسف أن بعض الأطفال يعتبرون العنف وسيلة لإثبات الذات، وهو انعكاس مباشر لما يشاهدونه داخل الأسرة”.
ودعت العريبي إلى تعزيز التعاون بين إدارات المدارس ووزارة الداخلية لتأمين محيط المؤسسات التعليمية، خصوصًا في أوقات الانصراف التي تشهد مشاجرات متكررة بين الطلبة، مشددة على أهمية تواجد دوريات أمنية قرب المدارس، وخاصة مدارس البنين.
كما أكدت العريبي أن تجاهل حالات العنف وعدم التعامل الجدي مع شكاوى الطلاب يمثل مشكلة إضافية تشجع على تفاقم السلوكيات العدوانية، موضحة أن الطلاب أنفسهم يتحملون جزءًا من المسؤولية نتيجة تقليدهم لسلوكيات عدوانية مكتسبة من الإعلام أو من محيطهم الأسري، وضعف الوعي القيمي لديهم.
وأكدت أن إدارة الخدمة الاجتماعية والصحة المدرسية والإرشاد النفسي تعمل على مواجهة الظاهرة عبر برامج توعوية وتربوية، واقتراح قوانين وتشريعات تحد من مظاهر العنف داخل البيئة التعليمية، والحد من انتشارها سواء بين أولياء الأمور أو المعلمين أو الطلبة أنفسهم.
وفي إطار المعالجة، شددت العريبي على ضرورة إطلاق استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة العنف المدرسي، تقوم على رؤية تهدف إلى بناء مدارس آمنة ومحترمة تضمن لكل طفل حقه في التعليم والحماية.
وبيّنت أن غاية الاستراتيجية هي تقليل حوادث العنف عبر شراكة فعالة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع، واحترام حقوق الطفل، وتبني نهج الوقاية المبكرة.
وذكرت أن الأهداف الرئيسية للاستراتيجية تشمل: غرس ثقافة تربوية سليمة قائمة على الاحترام؛ وتعزيز آليات الحماية والاستجابة الفورية لحالات العنف؛ فضلاً عن إنشاء نظم آمنة وسرية للتبليغ والدعم؛ بالإضافة لتطوير قدرات الكوادر التعليمية والأخصائيين في إدارة السلوكيات؛ وسنّ تشريعات واضحة تمنع الممارسات العقابية وتدعم التأهيل التربوي؛ وكذلك وضع نظام وطني لمتابعة ورصد حالات العنف المدرسي وتعميم التدخلات الوقائية.
واختتمت العريبي حديثها بالتأكيد على أن تحقيق بيئة تعليمية آمنة مسؤولية مشتركة تتطلب تضافر جهود المؤسسات التعليمية، والأسر، والمجتمع المدني، والإعلام.









