الكاديكي: طباعة العملة باستخدام الاحتياطيات والذهب خطوة محفوفة بالمخاطر

أكد الخبير الاقتصادي الدكتور خالد الكاديكي أن الأزمة الاقتصادية في ليبيا متجذّرة، وقد تفاقمت في الآونة الأخيرة نتيجة شح السيولة النقدية وغياب الحلول الجذرية للمشكلات المالية، مما انعكس سلبًا على الاقتصاد الوطني، وحياة المواطنين اليومية.
وأوضح الكاديكي، في تصريحات لقناة “ليبيا الحدث”، رصدتها “الساعة 24″، أن الانقسام السياسي يُعدّ أحد أبرز الأسباب التي أدت إلى اضطراب المشهد الاقتصادي، مشيرًا إلى أن الإنفاق العام المفرط للحكومات، وعدم وجود سياسة مالية موحدة، خاصة في ظل غياب واضح لدور وزارتي المالية والتخطيط، زادا من حدّة الأزمة.
وأضاف أن مصرف ليبيا المركزي يواصل اتباع سياسة نقدية يعتبرها الحل الوحيد للأزمة من خلال استخدام بعض الأدوات والمعايير المحدودة، إلا أن هذه الإجراءات – رغم أهميتها – لم تنجح في معالجة جوهر المشكلة، بل اقتصرت على توفير السيولة لفترات زمنية قصيرة دون حلول مستدامة.
وبيّن أن أحد أهم أسباب تفاقم شح السيولة هو تعثر طباعة العملة المحلية وارتفاع تكاليفها، إلى جانب تراجع الإيرادات النفطية التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الليبي. ونتيجة لذلك، أصبحت العملة الوطنية مكلفة وصعبة التداول، ما أدى إلى ركود حقيقي في الأسواق، رغم بعض المحاولات الفردية من رجال الأعمال والتجار لتحريك النشاط التجاري عبر توفير السلع الاستهلاكية، وإن كان ذلك بأسعار مرتفعة بفعل ارتفاع سعر الدولار.
وأشار إلى أن هذه الأوضاع أدت إلى ارتفاع معدلات التضخم في الأسواق الليبية، ما ألقى بعبء كبير على المواطنين الذين يتحملون نتائج سوء إدارة الأزمة من قبل الحكومة ومصرف ليبيا المركزي، اللذين لم يتمكنا من وضع حلول فنية ومهنية فعالة. مؤكداً أن المعاملات الإلكترونية، التي يُعوّل عليها البعض كبديل مؤقت، ما زالت تواجه صعوبات كبيرة بسبب ضعف البنية التحتية التقنية وعدم جاهزية معظم المحلات التجارية لاعتمادها، الأمر الذي يجعلها غير قادرة حاليًا على تلبية احتياجات المواطنين بالشكل المطلوب.
ولفت الكاديكي، إلى أن تحقيق التوازن بين أداء القطاع المصرفي من جهة، ومصالح التجار والمواطنين من جهة أخرى، يتطلب إرادة سياسية حقيقية وتوحيد مؤسسات الدولة، مشيرًا إلى أن استمرار الانقسام وغياب القانون المالي الموحّد يشكلان عائقًا رئيسيًا أمام أي إصلاح اقتصادي في البلاد.
وذكر أن الاعتماد الكامل على الدولار في عمليات الاستيراد والتصدير رفع الأسعار وأثر سلبًا على الاقتصاد المحلي، في ظل ضعف دور الدولة في ضبط السوق وتنظيم السياسة النقدية والمالية.
ورأى الخبير الاقتصادي، أن السياسة المالية شبه معطلة في الوقت الراهن، كما أن الاستثمارات الليبية والجبايات الضريبية غير مفعّلة، ما يحرم الخزانة العامة من موارد هامة. مشيراً إلى أن غياب التنظيم المالي والسياسة الاقتصادية المتكاملة يجعل من الصعب معالجة الأزمة الحالية، رغم الجهود التي يبذلها مصرف ليبيا المركزي بوصفه الجهة الوحيدة القادرة حاليًا على إدارة الإنفاق ومتابعة الإيرادات بين الحكومتين.
ووصف الكاديكي المصارف التجارية بأنها تعاني شللاً شبه تام بسبب نقص السيولة وتعطل خدمات المقاصة والتحويلات، لافتًا إلى أن السياسات المعتمدة حاليًا لا تمثل حلولًا اقتصادية مستدامة، بل مجرد إجراءات مؤقتة لمعالجة أزمات آنية.
وأردف: أن استمرار صرف كميات محدودة من النقد، مثل ثلاث مليارات دينار لا يكفي لإنعاش السوق، بل يجعل المواطنين في طوابير دائمة أمام أجهزة الصراف الآلي. ووصف هذه السياسات بأنها “لا تمت بصلة لأسس الاقتصاد أو الإدارة المالية الحديثة”.
وحذّر من استمرار الأزمة الحالية التي اعتبرها امتداداً لأزمة السيولة المزمنة منذ العام 2011، عندما كانت المصارف تصرف مبالغ زهيدة لا تتجاوز بضع مئات من الدنانير شهريًا، مشددًا على أن استمرار هذه الدائرة المغلقة دون إصلاح مؤسسي سيقود إلى مزيد من التدهور الاقتصادي.
ودعا الكاديكي، الحكومة إلى تفعيل دور الخبراء والمستشارين الماليين والاقتصاديين داخل الوزارات، مؤكدًا أن غياب الكفاءات الاستشارية ووقف التمويل الإداري (الباب الثاني من الميزانية) يعرقل أي محاولة للإصلاح الحقيقي.
وبينّ أن الإدارة الرشيدة والتخطيط العلمي هما السبيل الوحيد لإنقاذ الاقتصاد الليبي من حالة الجمود الراهنة.
ورفض الخبير الاقتصادي، فكرة لجوء الدولة إلى استخدام احتياطاتها الأجنبية أو الذهب لدعم الاقتصاد أو تمويل طباعة العملة، واصفاً إياها بالخطوة الخطيرة، في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، مشددًا على أن الأولوية يجب أن تكون لتوحيد السياسة المالية وإعداد ميزانية حقيقية قبل اتخاذ أي قرارات تمس الأصول الوطنية.
وأوضح أن مصرف ليبيا المركزي حاول معالجة أزمة شح السيولة من خلال الاستفادة من الاحتياطي الأجنبي، سواء بالدولار أو بالذهب، إلا أن الخزانة الأمريكية رفضت السماح باستخدام هذه الموارد في طباعة العملة، معتبرة أن ذلك يخالف الإجراءات الدولية المتبعة. وأشار إلى أن فقدان فئتي الـ 50 والـ 20 دينارًا من التداول، وطباعة فئة العشرة دنانير فقط بقيمة ثلاثة مليارات، خلق أزمة سيولة جديدة بعد أن أصبحت السوق تتداول 19 مليار ورقة نقدية من فئة واحدة فقط.
وبيّن أن هذا الوضع أدى إلى اعتماد بعض المعاملات الكبرى بالدولار مباشرة داخل ليبيا، وهو ما وصفه بـ “تحول خطير نحو دولرة الاقتصاد”، إذ شهدت السوق حالات بيع وشراء لأراضٍ بمبالغ تصل إلى 30 مليون دولار بدلاً من الدينار الليبي.
كما حذر من أن نقص التداول النقدي بالدولار داخل السوق المحلية بنسبة تتجاوز 20% وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع قيمته مجددًا، ويفاقم التضخم ويعمّق الركود.
لافتًا إلى أن الدولة حتى الآن لا تعرف بدقة حجم أصولها ولا ناتجها القومي، بسبب غياب الحسابات الختامية والرقابة المالية منذ عام 2012.
وأكد أن مصرف ليبيا المركزي مطالب اليوم بحل مشكلتين رئيسيتين هما تعديل سعر الصرف وتوفير السيولة عبر طباعة عملة جديدة، مع معالجة القضايا القانونية العالقة مع الشركات البريطانية التي رفعت دعاوى ضد ليبيا بشأن طباعة العملة خارج الاتفاقات المعتمدة منذ عام 1968.
وشدّد على ضرورة إعطاء الأولوية للمواطن الليبي من خلال صرف المنح والمساعدات عبر منظومة الأرقام الوطنية، بدلاً من تمويل التجار أو فرض ضرائب جديدة على الدخل. معتبراً أن تحميل المواطنين أعباء مالية إضافية “خطأ جسيم”، مؤكدًا أن الحل الحقيقي يكمن في تحريك الاقتصاد عبر دعم القوة الشرائية للمواطنين وتوزيع السيولة بعدالة وشفافية.
وختم الكاديكي حديثه بالتشديد على ضرورة إعداد ميزانية موحدة تخضع لرقابة حقيقية من مجلس النواب، لضمان الشفافية والانضباط المالي، مؤكدًا أن معالجة الأزمة تتطلب إصلاحًا إداريًا وماليًا متوازيًا يضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.









