الشريف: المصارف التجارية تمارس «فجوراً اقتصادياً» في إدارة الاعتمادات والسيولة
قال الخبير الاقتصادي والأستاذ بجامعة بنغازي، الدكتور علي الشريف، إن المشكلات الاقتصادية في ليبيا هي انعكاس مباشر للأزمة السياسية، مؤكداً أن نحو 70 إلى 80% من التحديات الاقتصادية يمكن حلّها لو توفرت بيئة سياسية مستقرة.
وأوضح الشريف في حديث لقناة «ليبيا الأحرار»، رصدته «الساعة 24» أن الاقتصاد الليبي لا يعاني تعقيداً هيكلياً كبيراً بحكم قلة عدد السكان واعتماده على مصدر رئيسي وحيد، مشيراً إلى أن معالجة الاختلالات ممكنة عبر سياسات مالية ونقدية وتجارية متوازنة.
وأضاف أن الانقسام الذي طال مؤسسات الدولة شمل أيضاً المؤسسة النقدية، التي تُعد الركيزة الأساسية للسياسات الاقتصادية، ما أدى إلى تفاقم أزمات الاعتمادات والسيولة. ووصف البنك المركزي بأنه “بيت الداء والدواء” في الاقتصاد الليبي، بحكم مسؤوليته عن إدارة النقد وتنظيم السيولة.
وبيّن الشريف أن إعادة توحيد المصرف المركزي عبر مجلس إدارة مشترك جاء في إطار توافق سياسي، رغم أنه كان من المفترض – بحسب رأيه – أن تتشكل هذه الإدارة من شخصيات تكنوقراط بحتة. لكنه اعتبر الخطوة ضرورية في ظل تعقّد المشهد السياسي.
وأشار إلى أن المصرف المركزي بدأ بعد إعادة تشكيله في اتخاذ خطوات صحيحة، أبرزها النقاط العشر التي أعلن عنها المحافظ، وفي مقدمتها الحفاظ على استقرار سعر الدينار، مؤكداً أن تقوية العملة “أمر صعب جداً”، بينما يمكن العمل على تثبيت قيمتها ومنع تدهورها.
وأوضح الشريف أن القانون رقم (1) لسنة 2005 والمعدل بقانون (46) لسنة 2012، يحدد للمصرف مجموعة من الأهداف، منها حماية العملة الوطنية، واستهداف التضخم، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، ومعالجة البطالة، إضافة إلى المحافظة على الناتج المحلي.
وشدد على أن ليبيا تواجه مشكلات لا تظهر في دول أخرى، منها أزمة السيولة التي تُعد “حالة فريدة”، مرجعاً أسبابها إلى الانقسام المؤسسي وفقدان الثقة بين المصارف والمتعاملين. كما لفت إلى أن الفارق بين السعر الرسمي للدولار وسعر السوق الموازية دفع الكثيرين إلى سحب السيولة واستخدامها في المضاربات، ما زاد الضغط على المصارف وعمّق الأزمة.
وفي رده على سؤال حول قدرة المركزي على مواجهة التحديات الحالية، أكد الشريف وجود مستوى عالٍ من التناسق داخل مجلس الإدارة، وأن القرارات تُتخذ بالإجماع خلافاً لما كان يحدث في السابق، ما يعد مؤشراً إيجابياً. لكنه أوضح أن المصرف “لا يملك كل الخيوط”، فجزء كبير من الحلول مرتبط بالسلطة التنفيذية والوزارات والجهات السياسية، مضيفاً أن الاقتصاد والسياسة في ليبيا “وجهان لعملة واحدة لا يمكن فصلهما”.
واعتبر الشريف أنّ خطوة مصرف ليبيا المركزي الأخيرة جاءت لتحقيق هدفين رئيسيين، أولهما هو استبدال العملة المتداولة بأخرى جديدة تخضع بالكامل لإشراف المصرف، بما يتيح له إدارة أكثر فاعلية للسيولة. موضحاً أن حجم الأموال المتداولة خارج النظام المصرفي بلغ نحو خمسة وخمسين مليار دينار، وهو رقم ضخم انعكس سلباً على ما يُعرف بـ “المضاعف النقدي”، الأمر الذي حدَّ – بحسب تعبيره – من قدرة المصرف المركزي على التحكم في السيولة، وجعله في حالة شبه عجز عن إدارة هذا الملف الحيوي.
ومضى الشريف قائلاً: إن المصرف اتجه إلى استرجاع هذه الأموال إلى الجهاز المصرفي لعدة أسباب، أبرزها تخفيف الضغط عن سوق المضاربة في العملة الأجنبية، إضافة إلى معالجة الإرباك الناجم عن وجود توقيعين مختلفين على العملة المتداولة سابقاً، وهو ما أفقدها وضوحها وثقة المتعاملين بها.
وفي السياق ذاته، لفت الشريف إلى أن الهدف الثاني تمثّل في تعزيز الشمول المالي، مؤكداً أن المصرف بدأ فعلياً في هذا الاتجاه، إذ سجّلت المدفوعات الرقمية خلال الأشهر الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً بمعدلات بلغت مليارات الدنانير، ما يعكس – وفق رأيه – تحسناً واضحاً في منظومة الدفع الإلكتروني.
ورغم الإشكاليات التي صاحبت عملية استبدال العملة، شدّد الشريف على أنها خطوة صحيحة لا خلاف على ضرورتها، لافتاً إلى أن استمرار الوضع السابق كان سيُغرق الاقتصاد في تعقيدات أكبر. وأضاف أن خبراء الاقتصاد دعوا منذ سنوات إلى سحب العملة في مثل هذه الظروف، مستشهداً بتجارب دول الجوار، مثل مصر وتونس، اللتين عانتا من تداول العملة الليبية في أسواقهما الحدودية قبل أن تعود إلى الداخل مجدداً.
وبيّن الشريف أنه تم الاتفاق على طباعة نحو ستين مليار دينار، ضُخ جزء منها خلال عام ألفين وخمسة وعشرين، فيما يُنتظر ضخ الجزء المتبقي على مراحل لاحقة.
إلا أن الشريف عاد ليشير إلى نقاط قصور رافقت العملية، أهمها غياب إجراءات موازية لإعادة بناء الثقة في الجهاز المصرفي، وهو ما سمح بعودة ظاهرة اكتناز الأموال بصورة سريعة. مبيناً أن كبار التجار والمضاربين ومن يمتلكون كميات كبيرة من النقد قاموا بإيداع أموالهم ثم سحبها عبر شراء الدولار بالشيكات، في عمليات تُعرف بـ “حرق الصك”، وهو ما أدى إلى توسّع الفجوة السعرية ودفع المواطن البسيط جزءاً من تكلفتها.
وأردف: المواطن العادي – صاحب دخل لا يتجاوز الثلاثة آلاف دينار يعتمد بنسبة تصل إلى تسعين في المئة على المدفوعات الإلكترونية، ما يجعله أقل تأثراً بهذه المضاربات. وكشف عن وجود نقاشات مع المصرف المركزي لوضع سقف سحب يتناسب مع متوسط الدخل، مؤكداً أن المصرف وفّر هذا السقف خلال الشهر الماضي، مما ساعد المواطنين على تلبية احتياجاتهم الأساسية دون أعباء إضافية.
كما تطرق الشريف إلى إشكالية أخرى ترتبط بقطاع الإعمار والبناء الذي يعتمد على عمالة وافدة كبيرة غير منظمة، وهو ما يصعّب – على حد تعبيره – ضبط حركة الأموال وخروجها من البلاد. مشدداً على ضرورة تنظيم العمالة وفتح حسابات مصرفية لها لضبط التدفقات النقدية وتعزيز الشفافية.
وأضاف الشريف أن على الليبيين تقبّل حقيقة أن التعامل النقدي التقليدي لم يعد ممكناً كما كان في السابق، موضحاً أن الاقتصاد الليبي ظل يعتمد على السيولة النقدية لسنوات طويلة قبل أن تدفعه أزمة السيولة نحو التحول إلى الاقتصاد الإلكتروني. وبيّن أن هذا التحول أدى بالفعل إلى توسع ملحوظ في استخدام البطاقات والخدمات الإلكترونية منذ عامي ألفين وخمسة عشر وألفين وستة عشر.
وتابع: هذا التطور يحتاج إلى بنية تحتية قوية في الاتصالات والإنترنت، محذراً من أن استمرار العوائق الراهنة سيؤثر سلباً على المواطنين والتجار والاقتصاد الوطني. ودعا محافظ المصرف المركزي إلى منح هذا الملف أولوية قصوى، باعتباره الركيزة الأساسية لنجاح منظومة الدفع الإلكتروني واستقرار السوق المالية في البلاد.
من جهة ثانية انتقد الخبير الاقتصادي المصارف التجارية التي وصفها بأنها أصبحت “بيت الداء”، بعد أن فقدت خضوعها الكامل لتعليمات المركزي، وهو ما فاقم مشكلتي السيولة والاعتمادات بشكل غير مسبوق.
وبينّ الشريف، أن جذور المشكلة تعود إلى سنوات الانقسام السياسي، حين كان للبلاد مصرفان مركزيان، الأمر الذي دفع المصارف التجارية إلى العمل بمعزل عن سلطة الرقابة. حتى المصارف القريبة من مصرف ليبيا المركزي في طرابلس – حسب قوله – استغلت الظروف السياسية وبدأت “تستعرض قوتها”، ما جعلها أقل التزاماً بالتعليمات.
وأضاف أن المصرف المركزي منح المصارف التجارية تفويضاً أوسع في ملف الاعتمادات، بعدما كان هذا الملف يمر سابقاً عبر “شباك واحد” داخل المصرف المركزي نفسه. ورغم أن التوسع كان بهدف تحسين الأداء، إلا أن المصارف – كما قال – لم تكن تمتلك الكفاءة المطلوبة، فمارست ما وصفه بـ “الفجور الاقتصادي” في إدارة الاعتمادات والسيولة على حدّ سواء.
ولفت الشريف إلى أن هذا الخلل انعكس بوضوح على حركة الأموال اليومية داخل المصارف، إذ تدخل السيولة في الصباح لتخرج بكميات ضخمة خلال ساعات قليلة، دون رقابة فعلية، في ظل غياب سلطة المصرف المركزي على المصارف التجارية.
وشدد على أن الحل يبدأ من تغيير الإدارات العليا والوسطى داخل المصارف التجارية، مع تفعيل إدارة الرقابة على النقد والمصارف داخل المركزي، وهي إدارة موجودة قانوناً لكنها – وفق تعبيره – “لم تُفعّل بالشكل المطلوب”. داعياً إلى تنفيذ زيارات تفتيشية دورية وشبه يومية للمصارف للتأكد من حجم السيولة الداخلة والخارجة، وعدد الاعتمادات الممنوحة، ونوعية الإجراءات التي تُتخذ.
وأشار الشريف إلى أن القانون يمنح المصرف المركزي صلاحية عزل إدارات مصرفية فاسدة، وتحويل ملفاتها إلى الرقابة أو حتى إلى النائب العام في حال وجود شبهة جنائية، مشدداً على أن المشكلة ليست في القوانين، بل في غياب تطبيقها.
وقال: “إن المصرف المركزي يتحمل اليوم أعباء تفوق طاقته، فهو يؤدي أدوار السياسة النقدية والمالية والتجارية معاً، في وقت يعاني فيه من ضغوط سياسية واقتصادية كبيرة. منوهاً إلى أن المصرف المركزي يحتاج إلى من يسانده، لا إلى من يهاجمه، لأنه يواجه مقاومة شديدة من داخل المنظومة المصرفية نفسها”.
وفي سياق متصل، كشف الشريف أن شركات التتبع الدولية التي تعاقد معها المصرف المركزي ستعيد ضبط دائرة الاعتمادات، لأنها ستحدّ من الفساد المتعلق بتعدد الشركات الوهمية التي يملكها بعض التجار داخل ليبيا وخارجها، سواء في التوريد أو النقل أو الرقابة. وأكد أن هذه الشركات ستضع حداً لعمليات غسل الأموال وتمويل النشاطات غير القانونية التي تُنفذ تحت غطاء الاعتمادات.
وفي ختام حديثه، شدّد الشريف على ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة من المصرف المركزي تجاه المصارف التجارية التي تُفاقم الأزمة، محذراً من أن استمرار الوضع الراهن سيحوّل المشكلات الإدارية إلى أزمة مالية كاملة. وقال إن لدى المصرف المركزي القدرة على إصلاح الخلل، بشرط أن يباشر تغيير القيادات المصرفية الفاسدة، ويضع منظومة رقابة داخلية صارمة، قادرة على وقف التلاعب وإعادة الانضباط للقطاع المصرفي.









