السنوسي: الضغوط الأوروبية لإغلاق مراكز الإيواء تهدد الأمن القومي الليبي

اعتبر المختص في الشؤون الأمنية، محمد السنوسي، أن الضغوط الدولية المتزايدة لإغلاق مراكز إيواء المهاجرين في ليبيا، تأتي في توقيت له دلالات خطيرة، مشيراً إلى أن هذه الضغوط تُمارس من دول غربية، بينها بريطانيا، دون تقديم بدائل أو خطط واضحة لمعالجة ملف الهجرة غير الشرعية.
وأشار السنوسي، في حديث لتلفزيون “المسار”، رصدته “الساعة 24” إلى أن الضغط الحالي لإغلاق مراكز الإيواء يتقاطع مع توجهات دولية تقودها مفوضية اللاجئين لجعل العالم خاليًا من حالات انعدام الجنسية بحلول 2030، موضحاً أن هذه الخطط قد تمهد لدمج المهاجرين غير داخل ليبيا ودفعها نحو تغيير قوانين الجنسية، خصوصاً فيما يتعلق بتسجيل الأطفال المولودين على الأراضي الليبية.
وأضاف أن استمرار غياب استراتيجية وطنية واضحة للتعامل مع هذه التحديات يجعل ليبيا عرضة لضغوط متزايدة، لافتاً إلى أن تحسين أو دعم مراكز الإيواء لم يكن مطروحاً أوروبياً كخيار، لأن وجود هذه المراكز يحدّ – بحسب قوله – من التوجهات الأوروبية لإعادة توطين المهاجرين داخل ليبيا.
وحذر السنوسي من أن الدعوات لإغلاق مراكز الاحتجاز قد تكون تمهيداً لمنح بعض المهاجرين حقوقاً تُفضي لاحقاً إلى المطالبة بالجنسية، في ظل التحولات الديمغرافية الداخلية، والنزوح من مناطق الجنوب، وتزايد موجات الهجرة القادمة من دول الساحل الأفريقي، معتبراً ذلك “ناقوس خطر” يهدد التركيبة السكانية ومستقبل الدولة الليبية.
وأوضح أن ليبيا تواجه منذ سنوات تحديات متجددة مرتبطة بالهجرة، انعكست على الأمن القومي والهوية الديمغرافية للدولة، مشيراً إلى أن موقع ليبيا الجغرافي ووفرة الثروات في باطنها جعلها محوراً رئيسياً في سياسات الهجرة الأوروبية. وأضاف أن هذا الواقع دفع بعض دول أوروبا إلى النظر لليبيا باعتبارها البوابة المحتملة لمعالجة تدفقات المهاجرين القادمين من الجنوب.
ورأى المختص بالشؤون الأمنية أن ضعف الدعم الدولي المقدم لليبيا في ملف الهجرة يعكس – برأيه – توجهاً غير معلن نحو دفع البلاد إلى تحمل تبعات أزمة المهاجرين غير النظاميين على أراضيها. مشيرا إلى أن ما يصل من مساعدات من المنظمات الدولية لا يكفي حتى لترحيل عشرة آلاف مهاجر سنوياً، رغم تخصيص ليبيا لموازنات خاصة بعمليات الإعادة إلى بلدان المنشأ.
وأوضح السنوسي، أن هشاشة الوضع السياسي والأمني الحالي تجعل ليبيا الحلقة الضعيفة في مسار الهجرة نحو أوروبا، ما يسمح لبعض الدول والمنظمات بممارسة ضغوط لتغيير التشريعات الليبية أو التأثير عليها في لحظات يصفها بأنها قد تمر في غفلة من الليبيين. وأضاف أن احترام التشريعات الوطنية يظل واجباً، غير أن الواقع الدولي القائم على تنافس المصالح يجعل ليبيا عرضة لمحاولات تصدير أزمات الهجرة إليها.
وأبان أن السياسات الأوروبية، المتأثرة بصعود التيارات اليمينية، تنظر إلى الهجرة باعتبارها تهديداً ثقافياً واقتصادياً، ولا تمانع في تحويل ليبيا إلى ساحة لمعالجة هذا الملف، مستفيدة من مساحتها الجغرافية الشاسعة ومواردها غير المستغلة. مشيرا إلى أن بعض الدراسات تفيد بأن ليبيا تمتلك من الموارد ما يكفي لاستيعاب ما يصل إلى 200 مليون نسمة، وهو ما يجعلها – بحسب قوله – محط اهتمام أوروبي واضح.
وحذّر السنوسي، من أن الأوروبيين، وخصوصاً إيطاليا، يتجهون إلى حل أزمة الهجرة على الأراضي الليبية، في ظل إغلاق الحدود الأوروبية وتصاعد موجات النزوح من دول الساحل والسودان. لافتا أن الجزائر تعتمد سياسات أكثر صرامة، ما يدفع المهاجرين للتوجه شمالاً عبر ليبيا تحديداً.
وشدد السنوسي، على ضرورة تبني سياسة وطنية واضحة للتعامل مع الهجرة، بعيداً عن الانقسامات السياسية بين الحكومات المتعاقبة، مشيراً إلى أن الرهان على أن المهاجرين مجرد عابرين، لم يعد واقعياً. فهناك – على حد تعبيره – جيل جديد ولد داخل ليبيا بلا جنسية، إضافة إلى مجموعات كبيرة تستقر في البلاد بهدف العمل أو الإقامة، مثل بعض القادمين من النيجر.
وحسب المختص بالشؤون الأمنية فإن التعامل مع هذه التحديات يتطلب واقعية سياسية وإدراكاً لحجم الخطر الديمغرافي الذي يواجه ليبيا، محذراً من الاعتماد على السياسات الأوروبية التي لا يرى أنها ستخدم المصلحة الليبية في المرحلة الراهنة.
كما حذّر من خطورة التحولات الجارية في الخطاب الأوروبي تجاه ملف الهجرة غير النظامية في ليبيا، مشيراً إلى أن استخدام مصطلح اللاجئ، من قبل ممثلي بعض الدول الأوروبية قد يشكّل تمهيداً لتغيير الوصف القانوني للمتسللين عبر الحدود الليبية بما يخدم المصالح الأوروبية. مؤكدا أن عجز الدولة عن ضبط حدودها وتعاملها مع الظاهرة بضعف مؤسسي يمنح أوروبا مساحة أوسع لفرض توصيفاتها وقراءاتها القانونية.
واعتبر السنوسي، أن غياب سياسة موحدة بين شرق ليبيا وغربها يعمّق هشاشة الموقف الوطني في مواجهة الضغوط، محذراً من أن الفشل في إدارة ملف الهجرة قد يفتح الباب أمام مطالب دولية بمنح المهاجرين حقوقاً مدنية أو حتى الجنسية مستقبلاً، في ظل التغير الديمغرافي المتسارع الذي تشهده مناطق الجنوب وبعض المدن الكبرى.
وأشار إلى أن التحديات الديمغرافية الحالية ليست نتاج الهجرة فقط، بل أيضاً نتيجة انتقال أعداد من الليبيين من الجنوب إلى الشمال بسبب ضعف التنمية والأمن، مقابل تدفق وافدين يستقرون في الجنوب، الأمر الذي يؤدي – بحسب قوله – إلى تحولات سكانية يمكن ملاحظتها يومياً.
وأكد السنوسي أن الهجرة غير النظامية تمثل منظومة إجرامية مربحة، تتداخل فيها شبكات محلية وإقليمية ودولية تدر مئات الملايين من الدولارات، مشدداً على أن الاعتقاد بإمكانية تخلي تلك الشبكات عن أرباحها لصالح الأمن القومي الليبي غير واقعي.
وتوقف السنوسي، عند تصريحات السفيرة البريطانية لدى الأمم المتحدة التي طالبت بلجنة تقصّي حقائق بشأن العثور على جثامين لمهاجرين داخل ليبيا، مؤكداً أن التعاطي مع هذه الملفات في ظل الانقسام السياسي يزيد من تعقيد المشهد ويهدد بتحميل ليبيا تبعات لم تتضح أطرافها بعد.
وانتقد ما وصفه بـ “ازدواجية المعايير الأوروبية” في التعاطي مع الهجرة، مؤكداً أن دولاً مثل النرويج تفرض ترحيلاً فورياً على أي متجاوز لقوانين الإقامة، بينما تطالب ليبيا بوقف الاعتقالات التعسفية حتى بحق من يدخلون أراضيها بشكل غير قانوني.
ورأى أن أوروبا تستخدم ملف حقوق الإنسان، كأداة ضغط سياسية، مشدداً على أن مواجهة هذه الضغوط لن تكون ممكنة دون سلطة سياسية موحدة قادرة على فرض سيادة حقيقية على الحدود وتقييد حركة التهريب من الجنوب إلى الشمال.
وحسب السنوسي، فإن الخيارات المتاحة أمام ليبيا محدودة، فإما مواجهة الضغط الأوروبي المباشر، أو مواجهة التدفق المستمر للمهاجرين والتغير الديمغرافي المتسارع. معتبرا أن حماية الأمن القومي تتطلب موقفاً وطنياً موحداً، وأضاف أن الأوروبيين لن يرضوا عن أي سياسة ليبية تحدّ من وصول المهاجرين إلى حدودهم، في الوقت الذي لا يمكن فيه محاسبتهم على انتهاكات تجري حتى في البحر.
وقال إن مقارنة تعاطي الأوروبيين مع ليبيا بتعاملهم مع دول أخرى، مثل الكويت في ملف “البدون”، تكشف أن أوروبا تستخدم معايير لغوية وسياسية مختلفة، حيث تتجنب استخدام مصطلحات حساسة مع بعض الدول بينما تعتمد خطاباً أكثر حدّة تجاه ليبيا، بما في ذلك التشكيك في قدرتها على تطبيق قوانينها أو فرض سيادتها القانونية.
وأشار السنوسي، إلى أن هذا التعامل غير المتوازن يعكس – برأيه – نظرة أوروبية تعتبر ليبيا ساحة مفتوحة للضغوط، مستفيدين من هشاشة الوضع السياسي وتشتت مؤسسات الدولة. كما أشار إلى أن الأحزاب اليمينية في أوروبا تدفع باتجاه الانسحاب من أنظمة اللجوء وتشديد السياسات ضد المهاجرين، ما قد يزيد من الضغوط على ليبيا عبر محاولة إعادة توجيه تدفقات المهاجرين نحو أراضيها.
وفي سياق حديثه عن قدرة ليبيا على مواجهة هذه التحديات، شدد السنوسي، على أن الدولة لا تستطيع في وضعها الحالي إدارة أي ملف يمس الأمن القومي، بما في ذلك الهجرة غير النظامية، دون إعادة إنتاج سلطة سياسية موحدة قادرة على فرض السيطرة على الحدود وتفكيك شبكات التهريب والمنظمات المتورطة في الاتجار بالبشر.
وأوضح أن معالجة الهجرة ليست قضية إنسانية فقط، بل أيضاً قضية أمنية تتطلب أدوات الدولة، من استخبارات وقدرات أمنية، لوقف نشاط العصابات. وأضاف أن منظمات أوروبية ترفض التعاون مع بعض الجهات الليبية بدعوى وجود انتهاكات، بينما تغض الطرف – بحسب قوله – عن ممارسات أكثر خطورة بحق المهاجرين في البحر الأبيض المتوسط.
وفي ختام حديثه، شدد السنوسي، على أن ليبيا ستظل متضررة سواء حكم اليمين أو اليسار أوروبا، لأن أمن أوروبا القومي من ثوابت الدولة وليس سياسات الحكومات المتعاقبة. مؤكدا أن على الليبيين اتباع النهج نفسه عبر صياغة سياسة أمن قومي ثابتة لا تتغير بتغير الحكومات، لأنها الضمان الوحيد لحماية البلاد من تبعات الهجرة غير النظامية والضغوط الدولية المتنامية.









