بوسعيدة: خارطة طريق البعثة الأممية تحمل ملامح الفشل منذ البداية

رأى المحلل السياسي، عمر بوسعيدة، أن ما يجري بين مجلسي النواب والدولة، لا يعدو كونه تكراراً لنفس السلوك السياسي، الذي اتبعته الأجسام التشريعية في ليبيا خلال السنوات الماضية، مؤكداً أن الطرفين ما زالا “يتمترسان” خلف مواقفهما رغم محاولات البعثة الأممية، الدفع نحو تحقيق توافق قبل انتهاء المدة المحددة.
وأوضح بوسعيدة، في تصريحات لقناة “ليبيا الأحرار”، رصدته “الساعة 24″، أن المجلسين يبدوان في العلن وكأنهما في خلاف حاد يعطل المسار السياسي، إلا أن ما يحدث في الواقع ـ بحسب تعبيره ـ يتناغم مع ما تطرحه البعثة الأممية، من إحاطات أو خرائط طريق سبق طرحها دون نتائج ملموسة. معتبرا أن السلوك الحالي ليس جديداً، بل هو تكرار لمنهجية سابقة تتزامن مع ما وصفه بدور البعثة في إدارة المشهد السياسي، وذلك عبر أدوات مختلفة تعكس إرادات دولية تتقاطع مصالحها في الملف الليبي.
وأشار إلى أن هذا المشهد يعكس – في نظره – حالة من التشدد المفتعل بين الأطراف السياسية، حيث يظهر المجلسان، في صورة متنافرة أمام الرأي العام، بينما يجريان من تحت الطاولة، ما يشبه التناغم الذي يسمح باستمرار هذه الأجسام في السلطة لأطول فترة ممكنة.
ووصف بوسعيدة الخلاف القائم بأنه أقرب إلى مسرحية سياسية يتم تمريرها على الليبيين، بهدف إبقاء الوضع على ما هو عليه، بالتوازي مع دور البعثة الأممية، التي تركز على إرادات دولية أكثر من تركيزها على إرادة الليبيين أنفسهم.
وحذر بوسعيدة، من أن خارطة الطريق الأممية الحالية مرشحة للفشل، مؤكداً أن تعقيدات المشهد الليبي وتباين مواقف الأطراف، يجعل من الصعب تحقيق أي تقدم ملموس، سواء عبر المجلسين أو حتى من خلال البعثة الأممية نفسها.
وحسب بوسعيدة، فإن البعثة التي قد تفكر في تجاوز المجلسين، قد يتم تجاوزها هي الأخرى، من قبل الفاعلين الداخليين، خصوصاً في ظل مبادرات متوازية من أطراف محلية وخارجية، من بينها المبادرة التي يقودها مبعوث الرئيس الأميركي، مسعد بولس.
وحول توقعاته بفشل الخارطة الأممية أوضح بوسعيدة أن الخارطة تحمل ملامح الفشل منذ البداية، حيث مرّت بسلسلة من التعديلات، بدءاً من إنشاء لجنة تحضيرية قدمت أربعة مسارات جرى تعديلها لاحقاً، وصولاً إلى خارطة 21 أغسطس، التي اصطدمت ـ حسب قوله ـ بإشكالية التنفيذ وبشروط عديدة، منها ضرورة تقديم الأمين العام للأمم المتحدة إحاطة دورية كل شهرين.
وأضاف أن الحوار المهيكل الذي أطلقته البعثة ولد “غير ملزم”، الأمر الذي يحوله إلى مجرد توصيات قد لا تُقرأ، ومنصة جديدة للحديث دون نتائج. مبيناً أن البعثة وقعت في حالة من التشتت، بسبب توسعها في دعوة فاعلين متعددين إلى الحوار، بدلاً من التركيز على الضغط على الجسمين السياسيين الرئيسيين، رغم امتلاكها أدوات فعّالة لا تستخدمها بالشكل المطلوب.
واعتبر بوسعيدة، أن إدخال أطراف جديدة، من بينها ممثلين عن المرأة وأنصار النظام السابق، إضافة إلى تعدد المنصات المطروحة، لا يعدو كونه محاولة لملء الفراغ السياسي وتعويض غياب الفعالية وغياب موقف دولي واضح، في ظل توازنات معقدة تتعلق بالمصالح الإقليمية والدولية في ليبيا. مؤكدا أن الملف السياسي الليبي ثقيل جداً ويُستعمل في بعض الأحيان للضغط السياسي وفرض التنازلات.
وبينّ أن الحل في ليبيا صعب ولا يمكن أن يتحقق عبر خارطة أممية أو عبر التعويل على مجلسي النواب والدولة، مؤكداً أن تجاوز الأزمة يتطلب حراكاً داخلياً حقيقياً يتناغم مع توافق دولي ولو بحده الأدنى حتى يمكن المضي قدماً نحو تسوية سياسية واقعية.
وأردف: البعثة الأممية، لم تعد قادرة حتى على إدارة الأزمة الليبية، وأن أسلوبها في المرحلة الحالية انتقل من محاولة إنتاج حلول حقيقية إلى مجرد تسكين للمشهد عبر توسيع دائرة المشاركة في الحوار المهيكل دون تحقيق أي تقدم فعلي في المسار السياسي، معتبراً أن هذا النهج يعكس عجزاً واضحاً عن إطلاق حوار سياسي حقيقي شبيه بحوارات جنيف أو تونس أو اتفاق الصخيرات.
وأشار إلى أن التعقيد لا يرتبط فقط بالبعثة، بل أيضاً بتزاحم المسارات الدولية المؤثرة في ليبيا، وعلى رأسها المسار الأميركي، إضافة إلى المسار الأمني، الذي جرى الحديث عنه في سياق مناورات مقررة في ربيع العام المقبل، فضلاً عن المسار الاقتصادي والمسار السياسي اللذين يُكملان التحركات الأميركية، إلى جانب مسار روسي متوازن يراقب عن كثب أي تحرك أميركي واسع.
ولفت بوسعيدة، إلى القلق الأوروبي المتصاعد من التطورات داخل ليبيا، قائلاً: إن بعض الدول الأوروبية ـ وعلى الأخص بريطانيا ـ تلعب دوراً سلبياً بدافع الخشية من فقدان نفوذها التاريخي في البلاد. مضيفاً أن هذا القلق يدفع بعض العواصم إلى اتخاذ مواقف متشددة للحفاظ على موقعها في التوازنات الدولية المتعلقة بالملف الليبي.
وختم بوسعيدة، مؤكداً أن هذه التشابكات الدولية والإقليمية، إلى جانب ضعف البعثة الأممية، تجعل إطلاق حوار سياسي حقيقي أمراً معقداً، رغم حاجة ليبيا الماسة إليه.









