موقع “جيوبوليتيكال” البريطاني: حكومة الدبيبة تعمل كمؤسسة إجرامية وسط صراعات قادة الأمن

نشر موقع “جيوبوليتيكال ديسك” البريطاني تقريرًا رصد فيه تداخل شبكات الفساد والعنف في غرب ليبيا وتحولها إلى ساحة صراع بين قادة الأمن الذين يتنافسون على النفوذ، في مشهد يكرر ذاته، موضحا كيف صعد عبد السلام الزوبي ليصبح أحد أبرز الوجوه الأمنية، وسط نظام قائم على المحسوبية، قبل أن تتحول تحالفاته إلى صراع مفتوح يهدد بإشعال جولة جديدة من عدم الاستقرار.
صعود الزوبي
يشير التقرير إلى أن الفساد والانتهازية جعلا قائد اللواء 111، عبد السلام الزوبي، شخصية مهيمنة في غرب ليبيا مؤخرًا، لكن بقاءه غير مضمون في ظل العنف الدوري.
ويرى أن حكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبد الحميد الدبيبة لا تعمل كهيئة حكومية لغرب ليبيا فحسب، بل تمارس أيضًا دور مؤسسة إجرامية، حيث ينتشر الفساد على نطاق واسع داخل النظام ويؤثر على قطاعات مختلفة.
شبكات محسوبية
تعمل الشبكات الإجرامية من خلال نظام محسوبية يوظف فيه قادة الأمن حلفاءهم في الهيئات الحكومية والشركات العامة، ويستغلون تلك المواقع لغسل الأموال والتلاعب بالرواتب والحصول على عمولات وتقديم منافع لأقاربهم وشركاتهم.
وكان عبد الغني الككلي (غنيوة) من أبرز قادة هذه الشبكات بوصفه قائد جهاز دعم الاستقرار، وقد استخدم قوة تشكيله لتعيين حلفاء في مواقع حكومية مهمة لتحقيق مكاسب شخصية.
يوضح التقرير أن محدودية المناصب الحكومية تسببت في منافسة دائمة بين الفصائل الأمنية والسياسية على السيطرة عليها، ما جعل النظام بطبيعته غير مستقر.
وبمرور الوقت، أصبح غنيوة أحد أقوى رجال طرابلس، الأمر الذي أثار مخاوف بين قادة الأمن والسياسة الآخرين، بينما استغل الدبيبة تلك المخاوف لتشكيل تحالف يستهدف إزاحته.
الإطاحة بغنيوة
في مايو 2025، حاصر التحالف مواقع غنيوة في طرابلس، وتم استدراجه إلى معسكر اللواء 444 الموالي للدبيبة حيث قُتل، قبل أن يُهزم جهاز دعم الاستقرار ويُفكك.
وزعم الدبيبة لاحقًا أن العملية كانت تهدف إلى تعزيز سيطرة الدولة، لكنها كانت في الواقع استيلاءً عدائيًا على النفوذ. وبعد دمج أصول جهاز دعم الاستقرار في وحدات أخرى، انتقلت شبكة اتصالات غنيوة الحكومية إلى نائب وزير الدفاع عبد السلام الزوبي، الذي كان حليفًا سابقًا له قبل أن يشارك في العملية.
تعزيز النفوذ
منذ ذلك الوقت، أصبح الزوبي من الشخصيات المؤثرة في طرابلس واتخذ دورًا مشابهًا لدور غنيوة، ويشير التقرير إلى أن الزوبي والدبيبة، رغم مزاعمهما بتحسين الحكومة، يدفعان نحو إضعافها.
ويحاول الزوبي استعادة السيطرة على مكتب مراجعة العقود، لكن خالد شكشك، رئيس ديوان المحاسبة، يعرقل ذلك، ما قد يدفع طرابلس إلى موجة جديدة من القتال.
الهيمنة على العقود
يعد مكتب مراجعة العقود جهة مركزية تمنح الموافقة على العقود الحكومية، ويمكن لرئيسه تجاوز الرقابة، أو رفض العقود للضغط أو الحصول على رشاوي.
ويشير التقرير إلى أن الزوبي، بصفته نائب وزير الدفاع، استغل المكتب لتمرير عقود الوزارة واختلاس أموال الدولة، كما سهل عقودًا للشركة العامة للكهرباء التي كان يرأسها محمد عمر حسن المشاي، الموالي له ولغنيوة.
صفقات كهرباء وخردة
يشير التقرير إلى عقد بقيمة 200 مليون دولار لاستيراد عدادات كهربائية بسعر 130 دولارًا للعداد رغم أن قيمته لا تتجاوز 70 دولارًا، وحصل الزوبي وغنيوة على تخفيضات كبيرة فيه.
وتوسط الزوبي في الصفقة، بينما نُفذت أعمال التركيب عبر شركة يسيطر عليها شقيق غنيوة، إضافة إلى صفقة تبادل خردة معدنية مع تركيا، إذ باعت الشركة العامة للكهرباء خردة بأسعار منخفضة لشركة يسيطر عليها شقيق الزوبي، الذي باعها لتركيا محققًا أرباحًا كبيرة، رغم أن تصدير الخردة محظور قانونًا، إلا أن وزارة الاقتصاد قدمت استثناءً.
ورغم توسع نفوذ الزوبي وغنيوة، فقدا السيطرة على مكتب مراجعة العقود بعد طعن خالد شكشك في القانون أمام المحكمة، وفي يناير 2024، أبطلت المحكمة الدستورية القانون وأعادت المكتب إلى ديوان المحاسبة، واستمر الغموض القانوني حتى يونيو 2025، وبسبب تعطل تمرير العقود، توترت علاقة الرجلين وبدأ غنيوة يسعى للسيطرة على الديوان وتعيين حليفه عطية الله السعيطي، بينما تزايد قلق الزوبي من نفوذه.
انقلاب على الحليف
يشير التقرير إلى أن محاولة غنيوة السيطرة على الشركة الليبية للبريد والاتصالات، تزامنت مع محاولاته ضد شكشك، ما دفع الزوبي للتحالف مع الدبيبة وقائد اللواء 444 محمود حمزة، والمشاركة في استهداف غنيوة وتفكيك مؤسسته، رغم سنوات من الشراكة.
ويذكر التقرير أن سيطرة شكشك على مكتب مراجعة العقود ما تزال تعطل مصالح الزوبي، ما قد يدفعه لمحاولة إقالته، وهو ما قد يؤدي إلى جولة جديدة من العنف، إذ قد ينقلب عليه حلفاؤه كما حدث مع غنيوة، ويحذر التقرير من أن إزاحة شكشك ستسقط آخر آلية ليبية لمساءلة الحكومة، وقد يفاقم ذلك الفساد.
دائرة العنف
يخلص التقرير إلى أن الوضع الراهن يعكس عبثية الحكم في غرب ليبيا، حيث بررت الحملة ضد غنيوة بأنها لتعزيز الدولة، لكنها كانت محاولة للاستيلاء على السلطة واستمرار الفساد بوجوه جديدة.
ورغم صعود الزوبي واعتماد بعض الدول عليه، لا يُعد شخصية مستقرة، وقد يواجه المصير ذاته في ظل استمرار دائرة العنف والنهب في غرب ليبيا، على غرار رمز “الأوروبوروس” الذي يلتهم فيه النظام نفسه.









