الفضيل: الاتفاق التنموي الموحد يبشر بالتفاؤل.. والتحدي الأكبر في التنفيذ

اعتبر الأكاديمي والمختص في الشأن الاقتصادي، عبد الحميد الفضيل، أنّ الاتفاق بين مجلسي النواب والدولة بشأن البرنامج التنموي الموحد، يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح من الناحية النظرية، مبينا أنه لا يوجد عاقل يمكن أن يعترض على مثل هذه الاتفاقيات شريطة أن تُترجم فعلياً على أرض الواقع.
ورأى الفضيل في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته صحيفة الساعة 24، أن الأثر المتوقع للاتفاق سيكون إيجابياً، وأن من شأنه الإجابة عن أبرز التساؤلات الاقتصادية، لأن توحيد الإنفاق أو الميزانية التنموية يُعد خطوة ضرورية وصحيحة اقتصادياً.
ونوه الفضيل إلى وجود تحديات كبيرة قد تعترض تنفيذ هذا الاتفاق، لافتاً إلى أن البلاد شهدت في السابق عدة اتفاقيات اقتصادية لم تُنفذ رغم توقيعها. وأوضح أن المشهد الليبي، حافل بأمثلة على اتفاقيات عدّة غير منفذة، مشيراً إلى أن مجلس النواب، سبق أن اعتمد ميزانية دون أن يتحقق أي تغيير فعلي، كما لم يُترجم اتفاق توحيد مصرف ليبيا المركزي إلى نتائج ملموسة.
وتابع: شركة التدقيق الدولية التي راجعت حسابات المصرفين في عام 2021، برئاسة كل من علي الحبري والصديق الكبير، قدّمت توصيات مهمة لم يُنفذ منها أي شيء حتى الآن، مؤكدا على أن المختصين في الاقتصاد ينظرون إلى الاتفاق الحالي بتفاؤل من حيث المبدأ، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في التنفيذ العملي لهذه التفاهمات، وليس في توقيعها.
وشدد الفضيل، على أن المسار القائم لتوحيد الإنفاق بين الحكومتين في ليبيا، يعد خطوة مهمة بعد عقد من الانقسام، لافتا إلى أن هذا التوجه أصبح أكثر جدية خلال الأشهر الأخيرة، خصوصاً مع دخول رعاية دولية بينها الولايات المتحدة على خط الجهود الجارية، كما أوضح أن اجتماعات سابقة عُقدت منذ فبراير الماضي، بين الأطراف المحلية والبعثة الأممية، لم تُسفر عن نتائج عملية، قبل أن تتجدد فرص التوافق مع نهاية العام الجاري.
وحسب الفضيل، فإن توحيد الإنفاق المالي، يحتاج إلى شرطين أساسيين: التنفيذ الفعلي على الأرض، وهو ما وصفه بالشرط الضروري، وإصدار ميزانية موحدة بقانون من السلطة التشريعية، على أن تكون متوازنة مالياً وغير قائمة على عجز، وهو ما اعتبره الشرط الكافي لإنجاح العملية.
وأضاف أن مشروع الميزانية الموحدة، يجب أن يراعي الباب الثالث المخصص للتنمية، والمتوقع تقسيمه مبدئياً بين الحكومتين وفق المؤشرات الحالية، معتبراً أن التحدي الأكبر يكمن في باب التنمية وليس في الإيرادات النفطية أو المصروفات التشغيلية، ورأى أن مصرف ليبيا المركزي سيضطر للتعامل مع وزارتي المالية في الحكومتين لضبط حجم الإنفاق المقدّر بنحو 140 مليار دينار خلال 2026.
وأكد الفضيل، أن المصرف المركزي، لا يمكنه وضع سياسة نقدية فعالة وسعر صرف مستقر دون معرفة حجم الإنفاق الفعلي، وهو ما يدفعه لإعادة ترتيب العلاقة المالية بين الطرفين. متوقعا أن يُقدم المصرف المركزي في الفترة المقبلة على تخفيض جديد لقيمة الدينار الليبي، لضمان إصدار ميزانية متوازنة تغطي نفقات الجانبين، في ظل محدودية الإيرادات النفطية.
وأوضح أن إيرادات النفط بالدولار تُحوّل إلى المصرف المركزي بسعر صرف يبلغ 5.40–5.45 دينار، وأن رفع السعر مثلاً إلى 7 دنانير سيزيد القيمة المحلية للإيرادات من نحو 110 مليارات إلى نحو 140 مليار دينار، ما يسمح بتغطية حجم الإنفاق المطلوب، مشيرا إلى أن الحديث المتزايد عن إلغاء الضريبة على بيع النقد الأجنبي يرتبط عملياً بهذه الخطوة، لأن إلغاء الضريبة سيستتبع بالضرورة تخفيضاً في قيمة الدينار.
وحذّر المختص في الشأن الاقتصادي، من أن تخصيص 40 مليار دينار للتنمية في سنة واحدة غير واقعي، مؤكداً أن القدرة الاستيعابية للاقتصاد الليبي، لا يمكنها التعامل مع هذا الحجم من المشاريع دفعة واحدة، واقترح أن يُوزّع هذا المبلغ على ثلاث سنوات لضمان فاعلية الإنفاق وتحقيق نتائج ملموسة في الناتج المحلي.
وبينّ الفضيل، أن المواطن سيستفيد بشكل مباشر من اتفاق توحيد الإنفاق العام إذا ما تم تطبيقه فعلياً والالتزام بألا تتجاوز المصروفات حجم الإيرادات، موضحا أن غياب التخطيط الاستراتيجي في ليبيا طوال السنوات الـ 13 الماضية أدى إلى إدارة الدولة بنظام “صريرات” – حسب تعبيره – وتوزيع الحصص دون خطط اقتصادية واضحة أو برامج إنفاق مدروسة.
ورأى أن المصرف المركزي، ورغم عدم مسؤوليته عن وضع الخطط الاقتصادية والتنموية، فإنه يتعامل مع المالية العامة من منظور كلي، ويحدد سقف الإنفاق وفقاً للإيرادات الفعلية دون منح قروض إضافية قد تزيد من الدين العام.
ولفت إلى أن غياب الخطط لدى وزارتي الاقتصاد والتخطيط بات أمراً معتاداً، إذ لا توجد خطط ثلاثية أو خمسية حقيقية ولا برامج اقتصادية معلنة للسنوات المقبلة، ما جعل إدارة الموارد تتم بشكل عشوائي ومجزأ.
وتابع أن توحيد الإنفاق تحت سقف الإيرادات سيمنح المصرف المركزي القدرة على ضبط سعر الصرف وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، إضافة إلى تحسين توفر السيولة وفتح الحوالات السريعة والمباشرة للتجار، الأمر الذي سيقلل الاعتماد على السوق السوداء ويعيد السيولة إلى المصارف التجارية. كما أكد أن هذه الإجراءات ستخلق استقراراً نقدياً أساسياً لمعالجة الوضع الاقتصادي المتدهور، معلناً دعمه الاتفاق الاقتصادي الجديد بكل قوة لما قد يترتب عليه من آثار إيجابية على مستوى معيشة المواطن، رغم تحفظاته على التجارب السابقة التي لم تُترجم إلى نتائج ملموسة.
وذكر أن الاتفاق جاء بشكل مفاجئ ومن دون تسريبات أو تجاذبات سياسية كما حدث في اتفاقات سابقة، ما يعكس – بحسب قوله – وجود رعاية وضغط دولي قوي، وتحديداً من الجانب الأمريكي، لتسريع خطوات التفاهم.
واختتم الفضيل حديثه بالتأكيد على أنه متفائل بحذر، داعياً إلى دعم الاتفاق باعتباره خطوة قد تمهّد الطريق أمام تسوية سياسية أو توحيد مؤسسات الدولة في المستقبل، معتبراً أن نصف حل يظل أفضل من بقاء الوضع على حاله.









