الطور: ليبيا تواجه معادلة صعبة بين الاحتياطي وتوفير السلع قبل رمضان

أكد الخبير الاقتصادي، أبوبكر الطور، أن ليبيا تواجه معادلة صعبة، في محاولة التوفيق بين الحفاظ على الاحتياطيات من النقد الأجنبي، وتوفير السلع الأساسية، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.
وقال الطور في تصريحات لقناة “الوسط”، رصدتها الساعة24، إن الخلل الأكبر يكمن في برنامج الاعتمادات المستندية وفي استخدامات المصارف التجارية للنقد الأجنبي، مشيراً إلى وجود فجوة واضحة بين حجم الأموال المخصصة للاستيراد وما يقابلها من إيرادات جمركية.
وأوضح أن جزءاً من التحويلات إلى الخارج يتم فعلياً لغرض الاستيراد، بينما يُوجَّه جزء آخر لتغذية السوق السوداء، وهو ما يفاقم اختلالات سوق الصرف.
وأضاف أن قيمة الرسوم الجمركية على السلع الواردة إلى ليبيا لا تتجاوز 146 مليون دينار، في حين بلغت الاعتمادات المخصصة للاستيراد نحو 19 مليار دينار، إضافة إلى نحو 7 مليارات للتحويلات الشخصية، وهي مبالغ قال إنها تذهب غالباً إلى السوق الموازية.
وأشار إلى أن إجمالي استخدامات النقد الأجنبي حتى 31 أكتوبر وصلت إلى نحو 26 مليار دولار، ما يعكس – حسب قوله – اتساع الفجوة بين السلع الموردة والإيرادات الفعلية منها. معتبراً أن السوق الليبية تتعرض لحالة إغراق سلعي، نتيجة غياب الرقابة الصارمة على الاعتمادات، لافتاً إلى تكدس السيارات والسلع غير الأساسية في مقابل غياب تقدير حقيقي لاحتياجات المواطنين.
ورأى الطور، أن قرار تخصيص ملياري دولار إضافية يكفي لتغطية احتياجات الموسم القادم، خاصة موسم رمضان، لكنه شدد على ضرورة إعادة هيكلة منظومة الاعتمادات المستندية بشكل علمي ومنضبط، ووضع آليات دقيقة لتحديد الكميات الفعلية التي يحتاجها السوق الليبي، محذراً في الوقت نفسه من أن ليبيا باتت تستورد سلعاً تكفي لتلبية احتياجات دول مجاورة، وليس احتياجاتها فقط.
وقال الطور، إن ثقافة الاستثمار في المنتجات المالية ما تزال حديثة على المواطن والقطاع المالي في ليبيا، ما يتطلب – وفق تقديره – حوافز وسياسات تشجيعية لاستقطاب الأموال الراكدة والودائع الخاملة لدى المصارف. داعيا إلى رفع هامش الربح إلى ما يتجاوز 9% مؤقتاً لتحفيز المواطنين، على أن تُخفض لاحقاً بعد عامين أو ثلاثة مع ترسّخ ثقتهم في هذه الأدوات.
وحسب الطور، فإن ضعف الاستثمار يدفع شريحة من المواطنين إلى المضاربة بالعملة الأجنبية، وحتى بالعملة المحلية التي تُباع أحياناً بخصم يتجاوز 22% نتيجة تدهور السيولة. معتبرا أن العودة إلى مستوى فائدة قريب من 6.5% – وهو السعر الرسمي قبل إلغاء الصيرفة التقليدية – يجب أن يترافق مع مزايا إضافية، مثل منح قروض بضمان الشهادات الادخارية لتمكين المواطنين من تحويل نشاطهم نحو قطاعات إنتاجية.
ورأى الطور أن الفجوة المتزايدة بين السعر الرسمي وسعر الصرف في السوق الموازي – الذي يقترب من 8 دنانير وبفارق يفوق 40% – تمثل تحدياً كبيراً.
ولفت إلى ضرورة التمييز بين السوق الموازي المعترف به وبين السوق الأسود الذي تُحظر ممارساته قانوناً، مؤكدا أن تجارة العملة خارج الأطر الرسمية تشكل خطراً على الاقتصاد وعلى أوضاع المواطنين.
وشدد الخبير الاقتصادي، على ضرورة الحد من نشاط المحال التي تتعامل بالنقد الأجنبي خارج النظام المصرفي، واصفاً إياها بأنها لا تعترف بوجود الدولة وتُسهم في تفاقم المشكلات الاقتصادية.
وأضاف أن القرارات الأخيرة لا تعدو كونها مسكنات مؤلمة ذات طابع إعلامي، في ظل غياب إجراءات حقيقية لمكافحة السوق السوداء التي قال إنها المحرك الرئيس للجرائم الاقتصادية وتمويل الإرهاب وتعميق الاختلالات المالية في ليبيا.
وأفاد الطور، بأن الأسواق الليبية مكتنزة بالسلع، بما في ذلك الأساسية التي يستهلكها المواطن يومياً، مشيراً إلى وجود تخفيضات دورية على بعض السلع التي قاربت على انتهاء صلاحيتها. لكنه شدد على أن المشكلة ليست في ندرة السلع، بل في غياب ضمانات حقيقية لضبط الأسعار لصالح المستهلك.
وأقر بأن تعدد الأسواق في ليبيا يُعقد عملية الرقابة: فهناك سوق رسمي يديره المصرف المركزي وشركات الصرافة، وسوق آخر غير رسمي يعتمد التجار فيه على أسعار السوق الأسود لتسعير منتجاتهم، بحسب الطور الذي أوضح أن هذا الاختلاف الكبير في أسعار الصرف سيؤدي إلى مضاعفة الأسعار ويخلق صعوبات كبيرة أمام الجهات الرقابية والبلديات للسيطرة على الأسعار.
وكذلك، أشار إلى أن الاستيراد خارج إطار العملية المصرفية الرسمية يفاقم المشاكل، ويؤدي أحياناً إلى حالات غش تجاري، مثل حاويات تحتوي على مواد غير مطابقة للمواصفات أو احتيال على السلع المستوردة. لافتا إلى أن الفارق بين سعر الدولار للاعتماد الرسمي (حوالي 1.40 دينار) وسعره في السوق السوداء (حوالي 9.40 دينار) يجعل من المستحيل على التجار استيراد السلع وفق الأسعار الرسمية، ما يدفعهم إلى إعادة بيع الجزء الأكبر من الاعتمادات في الخارج بأسعار مغرية، وهو ما يزيد من اتساع السوق الموازية ويضر بالاقتصاد الوطني.









