اخبار مميزةليبيا

الفنيش: واشنطن تعيد تشكيل المشهد الليبي عبر مسار بعيدًا عن البعثة الأممية

حذّر عضو الأمانة العامة لحزب ليبيا النماء، حسام الفنيش، من خطورة استمرار الجمود السياسي في البلاد، معتبرًا أنه زمن سياسي مجمّد بفعل فاعل، من خلال النخب الليبية، يقابله زمن اجتماعي متسارع يهدد بانفجار غير محمود العواقب، في ظل تدهور الظروف المعيشية واتساع فجوة الثقة بين المواطنين والسلطات.

واعتبر الفنيش، في تصريحات لقناة “الوسط، رصدته “الساعة24” أن إفادات المبعوثة الأممية إلى ليبيا، هانا تيتيه، الأخيرة والتي قالت فيها إن دورها فني وليس سياسي، جاءت نتيجة تحديات متراكمة ومتباينة واجهتها البعثة، بعضها كان متوقعًا وبعضها لم يكن في الحسبان. موضحا أن البعثة تواجه صعوبات من السلطات في الشرق والغرب، مرجّحًا أن تكون التحديات في الشرق أكثر حدة وتصلبًا ومواجهة.

وأضاف الفنيش، أن المبعوثة الأممية واجهت كذلك خطابًا سياديًا من الليبيين يعكس رفضًا واسعًا لأي تدخل أو وصاية دولية، حيث يعتبر قطاع من الليبيين أن البعثة تتجاوز دورها وتمارس نوعًا من التدخل في الشأن الداخلي، وهو ما دفعها – بحسب قوله – إلى التأكيد بأن دورها فني وليس سياسي.

وأشار إلى أن البعثة أخفقت حتى الآن في تحقيق توافق بين مجلسي النواب والأعلى للدولة بشأن قانون المفوضية، رغم منح الطرفين مهلة إضافية، لافتًا إلى أنه لم يتم الاتفاق حتى على الخطوة الأولى في خارطة الطريق.

وفيما يتعلق بالحوار المهيكل، أكد الفنيش، أن البعثة تواجه تحديات إضافية، خاصة رفض بعض الأطراف في الشرق إرسال مرشحيهم للمشاركة، إضافة إلى حالة من التردد لدى الجامعات والأحزاب في تقديم ممثليها، ما يعرقل قدرة البعثة على تشكيل هذا الحوار بصورة متوازنة، ويخلق مخاوف من أن يشعر طرف ما بأنه غير ممثل.

ورغم تلك العقبات، شدّد الفنيش، على أن البعثة حريصة على المضي في هذا المسار لإثبات أن الليبيين هم المشاركون الحقيقيون في العملية السياسية، وأن النقاشات التي ستجري عبر الحوار المهيكل ستتناول قضايا آنية ومستقبلية تتعلق بحياة الليبيين ومصير البلاد.

وأوضح أن البعثة أكدت مرارًا أن هذا المسار ليس بديلاً عن مجلسي النواب أو الدولة ولا يؤدي إلى تشكيل حكومة، بل يهدف إلى مناقشة قضايا جوهرية مرتبطة بجذور الصراع، إلى جانب ملفات اقتصادية وسياسية يمكن الاستفادة منها لاحقًا أمام مجلس الأمن. لكنه شدّد على أن الحوار يواجه اعتراضات من السلطات في الشرق والغرب، إضافة إلى موقف شعبي ناقد يتجلى في خطاب عام رافض.

وحسب الفنيش، فإن جزءًا كبيرًا من الشارع الليبي يحمّل البعثة الأممية مسؤولية استمرار الوضع الراهن، معتبرًا أن إخفاقها في دفع خارطة الطريق إلى الأمام مرتبط أيضًا بتوقعات الليبيين التي تفوق قدرات البعثة في الظروف الحالية. وأوضح أن قطاعًا واسعًا من المواطنين يتصور أن البعثة قادرة على تشكيل الحكومات أو تغييرها، في حين تواجه على الأرض تحديات حقيقية تعيق ذلك.

ورأى الفنيش، أن قراءة المشهد تتطلب النظر إلى تعدد المسارات المؤثرة، بينها المسار الأمريكي الذي – وفق وصفه – يعمل أحيانًا بمعزل عن البعثة، مستشهدًا باتفاق الإنفاق التنموي الموحّد الذي تم دون علم عدد من أعضاء مجلسي النواب والدولة، وهو ما يؤكد وجود مسار آخر موازٍ، يركز على توحيد المؤسسات، بما فيها المؤسسة العسكرية.

وأفاد بأن البعثة لا تملك أدوات ضغط كافية وتعتمد بشكل كبير على مجلس الأمن، في وقت تعاني فيه الدول الأعضاء من غياب رؤية موحدة تجاه ليبيا. مشيرا إلى أن هذا الوضع يقيّد دور البعثة ويجعلها عاجزة عن فرض قرارات يمكن أن تحرك العملية السياسية.

وحول الدعوات لحوار وطني خارج إطار الأمم المتحدة، اعتبر الفنيش، أن تحقيق حل ليبي – ليبي خالص غير ممكن حاليًا، موضحًا أن التجارب السابقة أثبتت أن الإرادة الليبية للحوار كانت مفقودة. وبالتالي فإن البعثة الأممية لا تزال الضامن الوحيد القادر على جمع الأطراف المتصارعة بحسب الفنيش، الذي أوضح أن من يطالبون بخروجها لا يقدمون خيارات بديلة. ورأى أن مغادرة البعثة لن تُسهم في حل الأزمة، مؤكدًا أن المحصلة النهائية تكشف عن غياب إرادة وطنية صادقة خلال السنوات الماضية، حتى لدى من تقلدوا مناصب قيادية.

واعتبر أن البعثة الأممية نجحت في أوقات سابقة عندما كانت الظروف الدولية والمحلية أكثر ملاءمة، بينما تعيش ليبيا اليوم حالة صفرية بين أطراف الصراع، ما يجعل التحرك السياسي أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. وقال إن البعثة الأممية لا تزال تحاول تجاوز تحديات كبيرة، ليست سهلة، مشيرًا إلى أنها بدأت تفكر في مسارات بديلة قد يدعمها المجتمع الدولي في حال استمرار الانسداد السياسي.

وأضاف: “البعثة تريد أن تقول إنها لا تملك العصا السحرية، وأن الحل في النهاية مسألة ليبية، لكنها تحاول أن تقدم الدعم الفني والتقني المطلوب، فيما تبقى الإرادة الوطنية هي العامل الحاسم”.

وفي ظل ذلك، أكد الفنيش، أن استمرار تجميد المشهد السياسي سيؤدي إلى نتائج خطيرة. موضحاً أن ليبيا بحاجة إلى عقد اجتماعي يسبق العقد السياسي، معتبرًا أن أي دستور دون توافق اجتماعي واسع سيظل عرضة للتعطيل. وأضاف أن الحوار المجتمعي وبناء العقد الاجتماعي يتطلبان سنوات من العمل واللقاءات والالتزام، بينما تمر ليبيا بوضع طارئ يستدعي حلولًا عاجلة.

واختتم قائلاً إن البعثة الأممية ليست قادرة على فرض حكومة أو تجاوز سلطات الأمر الواقع في الشرق والغرب، مؤكدًا أن ليبيا لا تزال عالقة في براثن هذه الأجسام السياسية، وأن الخروج من الأزمة يتطلب إرادة ليبية حقيقية قبل أي دعم خارجي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى