الغدامسي: مؤشرات الرقمنة المالية إيجابية لكنها تخفي اختلالات أساسية

اعتبر المحلل الاقتصادي مدحت الغدامسي، أن الأرقام المرتبطة بالمؤشرات الرقمية في ليبيا تبدو إيجابية بشكل عام، لكنها قد تكون سلبية عند النظر إلى المؤثرات الأساسية، موضحًا أن الضغط الناتج عن عدم توفر السيولة النقدية، كان العامل الرئيسي وراء ارتفاع هذه المؤشرات.
وأكد الغدامسي في مداخله عبر قناة “سلام”، أن هذا الوضع ليس بالضرورة سلبيًا في المجمل، لكنه شدد على ضرورة مراجعة مؤشرات أخرى قبل إصدار تقييم شامل لحالة “الرقمنة” في البلاد، سواء فيما يتعلق بالنظام الإلكتروني للدفع، أو “الرقمنة” المالية بشكل عام.
وأشار الغدامسي إلى أن المؤشرات المهمة التي كان يرغب في الاطلاع عليها، هي حجم التداول الرقمي وانتشاره جغرافيًا، خصوصًا في المدن والمناطق الاقتصادية الكبرى والصغرى في ليبيا، حيث عزا ذلك إلى أن الأرقام الكبيرة المعلنة تتركز في ثلاث إلى أربع مدن رئيسية، فيما تأثرت المؤشرات في المناطق البعيدة والنائية بشكل أقل.
وفيما يتعلق بالسيولة النقدية، بينّ الغدامسي أن أحد الأرقام المتاحة حاليًا يظهر أن عشرة مليارات دينار تم سحبها عبر منافذ البيع، ما يعكس تداول عشرة مليارات دينار نقديًا في السوق.
وقال إن هذه الأرقام تمثل جانب التداول النقدي عبر نقاط البيع، مؤكدًا أنه لو تم النظر إلى حدود التداول أو السقف الخاص بالسحب، لكانت الأرقام أعلى من ذلك، مشيرًا إلى أهمية هذا التحليل لفهم حجم السيولة الفعلي المتداول في الاقتصاد الرقمي الليبي.
ورأى الغدامسي، أن المؤشرات الاقتصادية والمالية في ليبيا ما زالت غير واضحة، مشيراً إلى صعوبة تفسير بعض الأرقام الرسمية المتعلقة بحجم التداول النقدي في السوق المحلي.
وتناول الغدامسي “على سبيل المثال”، حجم التداول البالغ 326 مليار، أو حتى 328 مليار، مشيراً إلى تفاصيله الدقيقة غائبة، سواء كانت المعاملات نقدية مباشرة بين المواطنين، أو تداولاً من خلال المصارف، أو معاملات أخرى.”
وأضاف: “المعروض النقدي داخل وخارج المصارف يحتاج لتقارير شاملة ودقيقة من المصارف المركزية، تشمل جميع التفاصيل مثل تقسيم الأموال بين المصارف، لأن هذه البيانات ضرورية لتقييم الوضع الاقتصادي بشكل صحيح.”
وأشار إلى أن حجم التحويلات الفورية عبر وسائل التداول الإلكتروني يصل إلى 56 مليار من أصل 328 مليار، لكنه أشار إلى غياب وضوح الهدف من هذه التحويلات: هل هي لتحصيل السلع والخدمات، أم مدفوعات خاصة بالشركات العامة أو الخدمات الأساسية؟
وتطرق الغدامسي إلى مخاوف تتعلق بحوكمة التكنولوجيا والمعلومات في المصارف الليبية، مؤكداً أن الدليل الحالي للحوكمة، المنشور من قبل إدارة الرقابة على المصارف والنقد عام 2023، يشير إلى أن النضج الكامل في هذا المجال لن يتحقق قبل عام 2028، ما يثير المخاوف بشأن أمان المعاملات المالية.
وخلص الغدامسي إلى أن ما يظهر من أرقام إيجابية على السطح قد يكون مضللاً، إذ أن الاطلاع على التفاصيل الكاملة قد يكشف أن البيانات لا تعكس الواقع الفعلي، داعياً إلى مزيد من الشفافية والدقة في نشر البيانات الاقتصادية والمالية في ليبيا.
وأكد الغدامسي أن جودة المنتجات التقنية المصرفية في السوق، لا سيما التطبيقات الإلكترونية، تعتبر عالية، حيث أظهرت التجارب مع المصرف المركزي والمصارف العامة والخاصة قدرة الشباب الليبيين في مجال تقنية المعلومات على مسايرة التطورات الحديثة بشكل كبير. لافتاً إلى أن المخاوف من استخدامات التقنية في حد ذاتها منخفضة، إلا أن التحدي الأساسي يكمن في حوكمة هذه التقنيات.
وأشار إلى دليل الحوكمة الذي أصدرته إدارة الرقابة على المصارف والنقد في 2023، بموجب المنشور رقم 2021، والذي يلزم المصارف التجارية والخاصة باتباع خطوات واضحة في إدارة التقنية والمعلومات. وتشمل هذه الإجراءات: تقييم الوضع خلال الستة أشهر الأولى بعد صدور المنشور، كمرحلة أولى، وفي المرحلة الثانية يتم البدء في التطبيق والممارسة العملية خلال الستة أشهر التالية، على أن تستمر هذه المرحلة لمدة 36 شهرًا. ومن ثم تأتي مرحلة النضج، بمنح فترة سماح تصل إلى خمس سنوات للوصول إلى مستوى ناضج منذ تاريخ صدور المنشور في يوليو 2023.
وأشار الغدامسي إلى أن المنشور يشمل ثمانية مرفقات تحتوي على سياسات وتقارير، منها 27 سياسة أساسية لتقنية المعلومات، و62 بندًا لمعالجة المعلومات والتقنية، و23 بندًا تتعلق بالمعلومات والتقارير، مع الالتزام بالتوجهات والمعايير الدولية. وأكد أن هذه الخطوات مستمدة من أطر عمل عالمية، مثل إطار COBIT المستخدم على نطاق واسع في الجامعات والمنظمات التقنية الأمريكية، لضمان توافق المنظومة المصرفية مع المعايير الدولية.
وختم الغدامسي بالإشارة إلى أن بعض الإجراءات يتم تنفيذها بشكل متوازي أو مستبق، ما يجعل إتمام الحوكمة أحد أبرز التحديات الحالية، وهو ما يستدعي متابعة دقيقة لضمان تحقيق الأهداف المرجوة.









