الشحومي: مجلس الدولة مجرد «كومبارس» يأتمر بأوامر حكومة الدبيبة
وصف الاكاديمي والباحث السياسي أسامة الشحومي ملف المناصب السيادية في ليبيا بأنه رمز للفشل السياسي، مشيرًا إلى أن هذا الفشل امتد لأكثر من عشر سنوات منذ إقرار المادة 15 من اتفاق الصخيرات عام 2011، والتي نصت على المناصب السيادية بشأن “محافظ المركزي، ديوان المحاسبة، الرقابة الإدارية، مكافحة الفساد، المفوضية العليا للانتخابات، المحكمة العليا، والنائب العام، وكيفية التوافق عليها، لكنه لم يتم الالتزام بها حتى اليوم – بحسب تعبيره.
وكشف الشحومي في تصريحات لقناة «الوسط»، رصدتها «الساعة 24» أن الأطراف السياسية المتنازعة فشلت في الوصول إلى اتفاق حول هذه المناصب رغم تعدد اللجان والهيئات، من لجنة بوزنيقة 2020، ولجنة 2021، ولجنة 2023، وصولًا إلى اللجنة المشتركة التي انتهت أعمالها في 2025، وجميعها وصلت إلى نفس النتيجة وهي “الفشل”.
وأوضح الشحومي أن هذا الفشل البنيوي يؤكد أن المشكلة ليست في الإجراءات، بل في الأطراف نفسها وفي بنية النظام السياسي بأكمله، مشددًا على أن الانقسامات داخل مجلس الدولة الاستشاري تؤثر على مفهوم الشرعية، بين من يريد بناء مؤسسات مستقلة ومن يربط كل شيء بالقاعدة الدستورية، موضحًا أن بعض الأطراف تعمل على توظيف المناصب السيادية لتحقيق نفوذ سياسي داخلي.
ولفت إلى أن ما يسمى بـ “هيئة الرئاسيات”، التي شكلت أخيراً ومن ضمن الأعلى للدولة، تعتير لجنة غير دستورية، إذ لا وجود لها في الإعلان الدستوري ولا في اتفاق الصخيرات، ولا في الاتفاقات الأخيرة. وأضاف أن حكومة الدبيبة تحاول عبر هذه الهيئة فرض واقع جديد واستخدامها كبديل تشريعي للبرلمان، بما يشمل تحديد من يتولى المناصب السيادية.
وحول الانقسامات، أكد الشحومي أن المجلس الأعلى للدولة يشهد اختلافات حادة بين تيارات مختلفة، مشيرًا إلى أن المجلس أصبح تحت تأثير حكومة الدبيبة، وعبارة عن “كومبارس” يأتمر بأوامرها، ويتحرك حسب توجيهاتها. وبالنسبة للبعثة الأممية، فقد وصفها الشحومي بأنها مجرد “تغذية للمشهد”، مشددًا على أن تدخلها لا يحقق أي تقدم حقيقي في حل أزمة المناصب السيادية، وأن التركيز يجب أن يكون على معالجة الانقسامات الداخلية ووضع الأسس لبنية سياسية مستقرة.
وأكد أن البعثة الأممية تعتبر المناصب السيادية في ليبيا أولوية قصوى ضمن خارطة الطريق، إلا أنها على مدار السنوات لم تتمكن من إحداث أي تغيير فعلي أو إلزام الأطراف السياسية بتنفيذ اتفاق واحد. وبينّ أن البعثة الأممية تمتلك هيكلًا عميقًا معظم أفراده غير ليبيين ويقيمون في تونس أغلب الوقت، وأن نشاطهم داخل ليبيا يتم في عالم موازٍ لا يعكس الواقع الليبي، معتبرًا أن الرهان على الأمم المتحدة لإصلاح المشهد الليبي غير واقعي ومتناقض مع التجربة السابقة على مدى عشر سنوات.
وأوضح أن الطبقة السياسية الحالية التي تدير الحوار حول المناصب السيادية هي نفسها التي أدارت جولات الفشل السابقة، مع تكرار نفس الأدوات والمنهجيات، وهو ما اعتبره الشحومي ضربًا من الجنون ينتظر نتائج مختلفة من نفس التجربة.
وحول الهدف المحتمل للبعثة، رأى الشحومي أن التركيز على المناصب السيادية قد يكون محاولة لفرض هندسة سياسية جديدة تعيد تشكيل مراكز القوة داخل مؤسسات الدولة، أو محاولة لتجاوز الشلل القائم بعد فقدان بعض المؤسسات لمصداقيتها، لكنه شدد على أن الأمم المتحدة ليست قادرة على إيجاد حلول حقيقية، مستشهدًا بتجربة لبنان عام 2011، وانتخابات ليبيا عام 2014 التي لم تحقق فيها البعثة أي تأثير ملموس.
ووصف الشحومي خارطة الطريق التي تتبناها الأمم المتحدة بما فيها ملف المناصب السيادية بأنها غير واقعية وتعتمد آليات عشوائية، مشيرًا إلى أن الاجتماعات المفترضة لتفعيل هذه الآليات لم تُعقد كما هو مقرر، مثل الحوار الذي كان من المفترض أن يجري نهاية نوفمبر، ولم يحدث، كما اعتبر أن طريقة اختيار الأسماء المشاركة في عملية الحوار المهيكل “عبثية”، حيث يتم تجاهل الخبرات الليبية الحقيقية في مجالات الاقتصاد والأمن، وتفضيل أشخاص يعيشون خارج ليبيا ويتقاضون رواتب كبيرة، وهو ما يجعلهم معزولين عن الواقع المحلي. وأضاف أن هذه العملية تدار بشكل لا يعكس مصالح الليبيين، وإنما تخدم مصالح أطراف خارجية.
وأكد أن الحكومة الحالية بقيادة الدبيبة تواجه صعوبات كبيرة في فرض سيطرتها على الموارد، معتبراً أن “هيئة الرئاسات” أصبحت بمثابة متنفذ للحكومة، بينما يلعب بعض الضباط مثل عبد السلام الزوبي دورًا محوريًا بدعم أمريكي.
وأضاف الشحومي أن الأمم المتحدة منذ 2014 لم تقدم حلولًا حقيقية للأزمة الليبية، بل اكتفت بإدارة الأزمة وإضفاء الشرعية على توافقات قوى الواقع الفعلي، مشيراً إلى أن أي حل ملموس لن يكون إلا من خلال ضغط أمريكي مباشر على الأطراف الليبية.
وكشف الشحومي عن بعض المصادر التي نقلت إليه أن مبعوث ترامب ” مسعد بولس” يرى أن أداء حكومة الدبيبة غير مقنع في إدارة الأزمة الليبية، مشيرًا إلى أن الحكومة تحاول تنفيذ حلول معينة لكنها لم تحقق التأثير المطلوب. وفي الوقت نفسه، يُظهر بولس مرونة في التعامل مع هذه الحلول، وليس متشددًا بشأنها، ما قد يفتح المجال لاحتمال تجاوز الحكومة الحالية والتفاوض مباشرة مع قوى أخرى على الأرض.









