ليبيا

العبود: البعثة لم تعد وسيطًا محايدًا في حل الأزمة الليبية 

وصف الأكاديمي والباحث السياسي أحمد العبود إحاطة المبعوثة الأممية إلى ليبيا بأنها “روتينية” ولم تحمل جديداً يُذكر، باستثناء إشارة تتعلق بإمكانية اللجوء إلى “خيارات أخرى”، حال استمرار الجمود بين مجلسي النواب والدولة.

واعتبر العبود، في تصريحات لقناة “ليبيا الأحرار”، رصدتها “الساعة 24” أن هذه الإشارة تثير تساؤلات حول طبيعة تلك الخيارات، وما إذا كانت البعثة بصدد تجاوز المجلسين، أو استعجال طرح خيار الحوار المؤسسي، أو المؤتمر التأسيسي الوارد في مقترحات لجنة العشرين.

وأكد العبود أن البعثة الأممية تواجه ثلاثة تحديات رئيسية، أولها استمرار حالة عدم التوافق وتضارب المصالح داخل مجلس الأمن الدولي، مع وجود مسارات دولية أخرى تنافس مسار البعثة.

أما التحدي الثاني، فهو تعدد الحوارات المتوازية، لا سيما بعد إطلاق الحوار المهيكل بمساراته الأربعة: الحوكمة، والأمن، والاقتصاد، وحقوق الإنسان، مع غياب بوصلة واضحة تؤدي إلى مخرجات عملية، خاصة أن نتائج هذا الحوار ستكون توصيات غير ملزمة وتمتد لفترة تصل إلى ستة أشهر.

وأشار العبود إلى أن الملفات الجوهرية، وعلى رأسها الأمن والاقتصاد، تشكل جوهر الأزمة في المرحلة الانتقالية، مؤكداً أن نجاح أي خطة سياسية يرتبط بحسم هذين الملفين.

واستشهد العبود بفشل اتفاق الصخيرات الذي لم يسفر عن أي تقدم حقيقي في الترتيبات الأمنية، لافتاً إلى أن اللجنة الاقتصادية تضم شخصيات محترمة لكنها تفتقر إلى الخبرات التكنوقراطية القادرة على ابتكار حلول حقيقية للأزمة الاقتصادية والمالية.

ورأى العبود أن البعثة الأممية لم تقدم جديداً سوى التلويح بالبحث عن مسار حوار بديل في حال استمرار الجمود، خاصة بعد فشل اللقاء المقرر في باريس بين رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس مجلس الدولة محمد تكالة. وأكد أن أي مسار جديد يجب أن ينجز ثلاثة ملفات أساسية مرتبطة بالحوار بين المجلسين، وهي: استكمال تشكيل المفوضية، وإقرار القاعدة الدستورية، وصياغة القوانين الانتخابية، بما يفضي إلى توافق حقيقي.

وشدد العبود على أن ما تم التوصل إليه عبر مسار (6+6) يمثل أعلى مستوى توافق ممكن، داعياً إلى البناء عليه، ومشيراً إلى أن الانتخابات البلدية الأخيرة أثبتت قدرة المفوضية على تنظيم الاستحقاقات الانتخابية، بما يفتح المجال لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية بعيداً عن التعقيدات السابقة.

وأكد العبود أن ملف تشكيل الحكومة يبقى قضية معقدة تتطلب معالجة متأنية ضمن رؤية شاملة، مشيراً إلى أن خطاب المشير خليفة حفتر ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح ظل ثابتاً على المستوى الدولي والداخلي، ويركز على إنهاء الانقسام السياسي والذهاب إلى انتخابات تشريعية ورئاسية كحل وحيد للأزمة.

وحول نوايا المشير حفتر وعقيلة صالح، أكد العبود أن دعمهما للانتخابات ليس تهرباً من أي استحقاق أممي، مشيراً إلى أن جميع المسارات الدولية السابقة هدفت أساساً لإجراء الانتخابات، نافياً أن يكونا سبباً في تعطيل انتخابات ديسمبر 2021، بل كانا من أبرز داعميها، بل وقدّما طلبات الترشح.

وأشار العبود إلى أن المسؤولية اليوم تقع على عاتق حكومة الدبيبة، مشدداً على ضرورة توفير التمويل اللازم للمفوضية، وتمكين البعثة الأممية من أداء دورها الرقابي، وإشراك السلطة القضائية في الإشراف، لضمان استحقاق انتخابي واضح.

وبخصوص ملف الحكومة، وصف العبود المسعى الأمريكي بأنه قائم على نهج تفاوضي تدريجي “خطوة بخطوة”، معتبراً بأنه حقق نجاحات ملموسة مثل توحيد مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، إلى جانب الحلول الوسط بشأن باب التنمية في الميزانية العامة. وأضاف أن هذه النجاحات جاءت نتيجة البناء التراكمي، وهو ما تفتقده البعثة الأممية، مقارنة بالنهج الذي تبنته الأطراف الدولية الأخرى.

وأوضح أن الحديث عن الانقسام الحكومي والإنفاق العام لا ينفي حقيقة سيطرة القيادة العامة للجيش وحكومة مجلس النواب على أكثر من 85% من مساحة البلاد، مشيراً إلى أن الفترة من 2011 إلى 2020 شهدت خطابات لإعادة تأسيس الدولة وإنهاء المركزية، لكنها لم تحقق تنمية فعلية في الشرق والجنوب، بسبب الأزمة الاقتصادية وإغلاق نظام المقاصة في مصرف ليبيا المركزي.

وأشار العبود إلى أن السلطات في طرابلس تعاملت مع المؤسسة العسكرية وسكان المناطق الشرقية والجنوبية بمنطق الإقصاء، ما دفعهم للمطالبة باستعادة حقوقهم وبناء مؤسسة عسكرية نظامية، مشيراً إلى أن الفاعلين الدوليين أدركوا هذا التحول، بينما غابت القراءة الدقيقة لدى النخب في طرابلس.

وأضاف العبود أن المقاربة الأمريكية تعتمد على تقاسم التنمية والموارد، وإعادة توزيع الثروة، بما يتيح عودة المؤسسات السيادية لأداء دورها الوطني، مؤكداً أهمية عقد مؤتمر تأسيسي لبناء “ليبيا الجديدة”.

ورأى العبود أن ليبيا تقف عند مفترق طرق في تشكيل الحكومة الجديدة، داعياً إلى حكومة شراكة حقيقية تمثل جميع الليبيين بما في ذلك إقليم برقة، معتبراً أن أي مسار يفشل فيه التوافق بين الشرق والغرب قد يؤدي إلى إدامة الانقسام السياسي، وحذّر من تحميل طرف واحد المسؤولية دون مراعاة الواقع السياسي المعقد.

وأكد أن ليبيا لا تزال عالقة في مرحلة انتقالية “فاشلة”، محذراً من أن استمرار التعقيد السياسي والصراع بين القوى الفاعلة قد يدفع الدولة نحو المجهول، مشدداً على أن جميع الحلول المرحلية السابقة كانت مؤقتة ولم تؤسس لحل وطني شامل. وبينّ أن شرق البلاد نجح في بناء نموذج مختلف من خلال قوة عسكرية نظامية أسهمت في الأمن والاستقرار، مقارنة بالنموذج القائم في طرابلس.

وانتقد العبود “الطرح المثالي” للديمقراطية، مشيراً إلى فشل التجربة الانتخابية في ثلاث محطات سابقة، محذراً من الانزلاق نحو سيناريوهات مشابهة لدول مجاورة، داعياً إلى حلول توافقية تحافظ على وحدة ليبيا.

ورأى أن الصراع الحقيقي ليس شرقاً وغرباً فقط، بل صراع قوى ونفوذ داخل المدن والأقاليم، مشيراً إلى دور التشكيلات المسلحة في طرابلس في إفساد المراحل الانتقالية.

وختم العبود بالتأكيد على ضرورة التحلي بالواقعية السياسية، واعتماد مقاربة وطنية تقوم على الحلول الوسطى، مع احترام الأخلاقيات في الحوار السياسي، معتبرًا أن الاختلاف أمر طبيعي، لكن الحفاظ على وحدة البلاد يتطلب نقاشاً هادئاً ومسؤولاً يضع مصلحة ليبيا فوق أي اعتبار آخر.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى