اخبار مميزةليبيا

الحاجي: التحقيق في حادث طائرة الحداد تحكمه اعتبارات دولية معقدة

أكد المحلل السياسي إسلام الحاجي، أن رفض ألمانيا المشاركة في فتح الصندوق الأسود لطائرة الفريق الراحل محمد الحداد يفتقر لأي مبرر تقني، مؤكدًا أن هذا الرفض يحمل أبعادًا سياسية واضحة.

وأوضح الحاجي، في مداخلة على تلفزيون «المسار»، رصدتها «الساعة 24»، أن ألمانيا، بصفتها دولة صناعية كبرى، تمتلك خبرات تقنية عالية وإمكانات متقدمة تؤهلها للتعامل مع أعقد حوادث الطيران، سواء كانت مدنية أو عسكرية، بل وأكثر تعقيدًا من حادث سقوط الطائرة محل الجدل. وأضاف أن الامتناع عن فتح الصندوق لا يرتبط إطلاقًا بالجوانب الفنية، وإنما يعكس حسابات سياسية تتعلق بتجنب أي توترات محتملة مع الأطراف التركية أو الليبية.

وأشار في السياق ذاته إلى أن الموقف الفرنسي لا يختلف كثيرًا عن الموقف الألماني، إذ تسعى باريس بدورها إلى تفادي أي تداعيات سياسية أو نزاعات محتملة قد تترتب على نتائج التحقيق، معتبرًا أن الاعتذار الألماني هو اعتذار سياسي بامتياز، لا تقف خلفه أي أسباب تقنية حقيقية، خاصة وأن ألمانيا تمتلك القدرة الكاملة على استخراج بيانات الصندوق الأسود وتسليمها للجنة التحقيق أو للرأي العام الدولي.

وأكد الحاجي أن التحقيق في حوادث الطيران الدولي، بما في ذلك مسألة فتح الصندوق الأسود، لا يظل حبيس الإطار الفني أو التقني، بل يخضع لتعقيدات سياسية ودولية متشابكة. ولفت إلى أن الدول الأوروبية، وفي مقدمتها ألمانيا وفرنسا، ترتبط بعلاقات ومصالح استراتيجية مع تركيا، تشمل ملفات الناتو والهجرة وشرق المتوسط، فضلًا عن تفاعلات الحرب في أوكرانيا، ما يجعل الدور التركي عنصرًا محوريًا في حساباتها.

وأضاف أن التحقيقات قد تكشف عن أسباب متعددة للحادث، تتراوح بين الإهمال الفني أو الأمني، أو الخلل التقني، أو حتى احتمال وجود أعمال عدائية، موضحًا أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في القدرة على فتح الصندوق، بل في الجهة التي ستتحمل تبعات ما قد تكشفه نتائجه، سواء تعلق الأمر بإهمال في الصيانة، أو استبدال قطع، أو إخفاقات أمنية. وشدد على أنه لا توجد أي تأكيدات قاطعة حتى الآن، وإنما مجرد احتمالات قائمة.

واستشهد الحاجي بحادثة طائرة “تكساس”، كنموذج على تعقيد التحقيقات الجوية، موضحًا أن أجهزة الطائرة توقفت نتيجة تداخل تكنولوجي مع الأقمار الصناعية، قبل أن تفسر الشركة المصنعة الحادث على أنه استجابة لتوجيه الطيار، مع إغلاق النظام قبل الهبوط، ما يعكس مدى تشابك العوامل التقنية والسياسية في مثل هذه الوقائع.

وفيما يتعلق بدور بريطانيا، أوضح الحاجي أنها تمتلك خبرة واسعة في إدارة الحوادث المعقدة، لكنها تتفوق تحديدًا في التعامل مع ما يُعرف بـ “الملفات الرمادية”، التي لا تكون فيها الحقيقة مكتملة أو قابلة للإعلان الكامل. وأشار إلى أنه حتى في حال تولي لندن فتح الصندوق الأسود، فهي غير ملزمة بالكشف عن جميع المعلومات، حرصًا على عدم تفجير أزمات سياسية مع ليبيا أو تركيا، موضحًا أن الهدف في مثل هذه الحالات لا ينصب بالضرورة على كشف الحقيقة كاملة، بقدر ما يتمثل في إدارة الملف بحذر وحياد، والحفاظ على التوازنات السياسية، ومنع أي طرف من الظهور كقاضٍ أو متهم بصورة مباشرة.

وأكد الحاجي أن الجانب التركي بدوره يسعى إلى عدم الانفراد بالتحقيق أو الاحتفاظ الكامل بالصندوق داخل أراضيه، مع العمل على إزالة أي شبهات قد تثار حول دوره في القضية. وفيما يخص التحليلات الفنية، شدد على أن الخبراء المحليين غير مؤهلين لتحديد طبيعة الحادث، سواء كان نتيجة تفجير داخلي أو خارجي، موضحًا أن مثل هذه التقييمات تتطلب خبرات متخصصة في الطيران المدني والمواد المتفجرة. وأضاف أن أي عمل عدائي، سواء باستخدام قنبلة داخل الطائرة أو صاروخ محمّل بمواد متفجرة، يمكن اكتشافه سريعًا من خلال فحص بقايا بدن الطائرة أو تحليل الحطام والجثث، حيث تظهر آثار المواد المتفجرة بوضوح حتى قبل فتح الصندوق الأسود.

وعلى المستوى السياسي، دعا الحاجي إلى البحث عن صاحب المصلحة في الحادثة، مستعرضًا علاقات تركيا بليبيا، ومؤكدًا أن الفريق الحداد كان يمثل عامل توازن داخل المشهد الليبي، ويتمتع بعلاقات جيدة مع مختلف الأطراف، بما في ذلك تركيا والولايات المتحدة، إضافة إلى تناغمه مع القوى الدولية المتدخلة في ليبيا. وأوضح أن ما يجري يندرج ضمن محاولات تعطيل أو عدم انسجام مع الخطة الأمريكية، التي طُرحت تحت مسمى تشكيل لجان عسكرية مشتركة بين الجيش في الشرق، والمؤسسة العسكرية في الغرب.

وأشار الحاجي إلى أنه، رغم الاعتراف الرسمي بالفريق الحداد رئيسًا للأركان، فإن الواقع الميداني يؤكد أنه لا يمتلك قوات فعلية تمكّنه من تهديد الوجود التركي أو ممارسة ضغط عسكري حقيقي عليه. وأضاف إنه، حتى لو ذهب البعض إلى القول بعدم رضاه عن قرار التمديد الأخير للوجود العسكري التركي، الصادر قبل أيام من الحادثة، فإن هذا الطرح لا يستند إلى معطيات واقعية.

وشدد على أن تحميل تركيا مسؤولية الحادثة أو الإيحاء بوقوفها خلفها يفتقر إلى المنطق، موضحًا أن الطرف المعني لا يمتلك أدوات القوة التي تمكّنه من استهداف القوات التركية أو أي قوات أجنبية أخرى موجودة في ليبيا. وأكد أن تغيير رئيس الأركان كان ممكنًا سياسيًا وبسهولة، دون الحاجة إلى العنف أو الاغتيال، لافتًا إلى أن قرارات مماثلة اتُخذت سابقًا دون اعتراض من الدول المتدخلة، ما يعكس محدودية صلاحيات المنصب وعدم وجود تهديد حقيقي.

وفيما يخص نتائج التحقيق، رأى الحاجي أن النتائج النهائية ستتجه نحو أسباب تقنية وفنية بحتة، بعيدًا عن أي دوافع سياسية، مشيرًا إلى أن التجارب السابقة في ليبيا ولبنان أثبتت أن الأسباب الفنية قد تتحول لاحقًا إلى جدل سياسي واسع، بينما يظل التقرير الرسمي محصورًا في العطل الفني.

وأضاف أن هناك حرصًا دوليًا على عدم تقديم الحقيقة كاملة، موضحًا أن تركيا طلبت حضور التحقيق رغم أنها ليست الطرف الوحيد، في حين أن لجنة الطيران المدني الليبية ضعيفة وغير فاعلة، ويقتصر دورها على مراقب يسجل الملاحظات دون المشاركة في النقاشات الفنية. وأكد أن التوتر السياسي لن يغير من النتائج النهائية، التي ستخلص، وفق تقديره، إلى أن الحادث ناجم عن خلل تقني، وليس عن عمل عدائي أو اغتيال سياسي.

وفي سياق أوسع، شدد الحاجي على أن بريطانيا ما تزال قوة سياسية مؤثرة، لعبت دورًا محوريًا خلال المئة عام الماضية، ولا يزال نفوذها قائمًا حتى اليوم، لافتًا إلى أن تدخلها في ليبيا يتم بأسلوب هادئ وغير معلن، على عكس تدخلات دول أخرى تتسم بالعلنية.

واختتم الحاجي بالتأكيد على أن ما تشهده ليبيا اليوم، وما يجري في العالم عمومًا، يعكس طبيعة صراعات مخابراتية وعسكرية معقدة، لا ترتبط بالسياسة المباشرة بقدر ما ترتبط بتوازنات النفوذ الدولية، وهو ما يجعل فهم المشهد أكثر تعقيدًا ويتطلب متابعة دقيقة لمساراته المختلفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى