ليبيا

أيمن بدر: سقوط طائرة الحداد حادث معقد ويحمل كثيراً من الألغاز

قال الدبلوماسي أيمن بدر، عضو البعثة الليبية في الأمم المتحدة سابقاً، إن حادثة سقوط الطائرة التي كانت تقل الفريق محمد الحداد ومرافقيه، تمثل قضية شديدة التعقيد، وذات أبعاد أمنية وسياسية ودولية، ولا يمكن التعامل معها كحادث عرضي أو فني عابر، مشددًا على أن طريقة إدارة الملف منذ تنظيم الرحلة، وحتى ما بعد الحادثة أثارت تساؤلات وقلقًا واسعًا داخل الشارع الليبي.

وأوضح بدر في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته “الساعة 24” أن أكثر ما يثير الريبة هو رفض ألمانيا استقبال الصندوق الأسود للطائرة، رغم أنها دولة مُصنِّعة ومعتمدة دوليًا، وتُعد واحدة من ثلاث دول فقط مخوّلة عالميًا بإجراء التحقيقات الفنية والتقنية في حوادث الطيران، إلى جانب فرنسا والولايات المتحدة.

وأكد أن هذا الرفض فتح باب الشكوك لدى الليبيين، خاصة في ظل عدم الجزم حتى الآن بما إذا كان الحادث ناتجًا عن خلل فني طارئ غير متوقع، أم بفعل فاعل، لافتًا إلى أن بعض الأعطال قد تكون قابلة للاكتشاف قبل الإقلاع لو تم اتباع الإجراءات اللازمة.

وأشار بدر، إلى أن التقدير الألماني، بحكم الخبرة الفنية، قد يكون مبنيًا على قناعة بأن طريقة سقوط الطائرة لا توحي بخلل طبيعي، وإنما بوجود خلل مُسبق، ما دفع برلين إلى النأي بنفسها حفاظًا على مصداقيتها أمام شعبها أولًا، ثم أمام الأطراف الدولية الأخرى، سواء كانت ليبيا أو تركيا أو الجهات المرتبطة بالطائرة وطاقمها أو الشركات المصنعة والمرخِّصة.

واعتبر أن أي دور بريطاني كامل سيكون بالضرورة واضحًا وشفافًا، مؤكدًا أن بريطانيا، في حال مشاركتها الفعلية، لن تكون قادرة على إخفاء أي معلومات، نظرًا للصفة الاعتبارية للدولة الليبية، ووجود أفراد من جنسيات أوروبية ضمن طاقم الطائرة، إضافة إلى الرقابة الصارمة من الإعلام والرأي العام البريطاني.

وفي السياق ذاته، استبعد بدر، لجوء بريطانيا إلى ممارسة ضغوط مباشرة عبر هذا الملف، معتبرًا أنها لاعب رئيسي في المشهد الليبي، وتنسق سياساتها مع قوى كبرى مثل الولايات المتحدة، وقادرة – إن أرادت – على التأثير دون ضغوط علنية، محذرًا من أن أي خطوة من هذا النوع ستكون لها تبعات وردود فعل.

وتطرق بدر، إلى طريقة تنظيم رحلة الحداد، معتبرًا أن الإجراءات المتبعة منذ مغادرة الوفد من ليبيا إلى تركيا شابها كثير من الأخطاء والألغاز، التي تمس الأمن القومي الليبي وتخالف الأعراف الدبلوماسية.

وأكد أن الحداد، بصفته الرسمية كرئيس للأركان بالمنطقة الغربية، كان يجب تأمينه على أعلى مستوى، واصفًا موقعه وحساسية المعلومات التي يمتلكها بأنه صندوق أسود للأمن القومي الليبي، نظرًا لإلمامه بالتركيبة العسكرية والملفات السيادية.

وأشار بدر، إلى غياب الترتيبات الأمنية والبروتوكولية المعتادة، وعدم وجود مرافقين أمنيين من جهاز المخابرات أو تنسيق مسبق مع وزارة الخارجية، فضلًا عن سفر شخصيات رفيعة على متن طائرة خاصة بطاقم غير ليبي، رغم ما يحملونه من معلومات عسكرية حساسة. وأضاف أن مسؤولية الطائرة الخاصة قانونيًا وأخلاقيًا ووطنيًا تقع على عاتق وزارة الدفاع، وأن هناك إجراءات كان يجب اتخاذها قبل الإقلاع من الأساس.

وانتقد بدر، أداء حكومة الدبيبة، في التعامل ما بعد الحادثة، معتبرًا أن الشفافية وتدفق المعلومات كانا مرتبكين، حيث جرى الحديث عن تفاصيل قبل تحديد موقع الحادثة بدقة، وقبل اتضاح وضع الحطام والجثامين.

كما أشار إلى التخبط في تشكيل لجنة متابعة القضية بقرار من وزير الداخلية، رغم أن الأصول القانونية تقتضي إسناد مثل هذه الملفات، خاصة الواقعة خارج البلاد، إلى النائب العام، وبمشاركة رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية والمجلس الرئاسي.

وأكد بدر، أن هذا الارتباك لا يعني بالضرورة اتهام الحكومة بالضلوع في الحادثة، مشددًا على أن الصندوق الأسود سيظل الفيصل في كشف الحقيقة.

ووصف الدبلوماسي السابق القضية بأنها تحمل بُعدًا سياسيًا خطيرًا، يصل إلى مستوى صراع بقاء، في ظل تحوّل ليبيا إلى ساحة صراع مفتوح بين قوى دولية كبرى.

وفي هذا الإطار، أشار إلى أن تركيا، التي وقعت الحادثة على أراضيها، سعت منذ اللحظات الأولى لإشراك طرف محايد لرفع الشبهات عنها وامتصاص الغضب الليبي، خاصة مع قوة ردود الفعل الشعبية في مختلف المناطق، ما يؤكد أن ما حدث لا يمكن تجاوزه أو التعامل معه كأمر عادي.

وشدد بدر، على أن تحميل المسؤولية في مثل هذه الحوادث أمر طبيعي وواجب، وأكد أن أي إهمال أو تقصير مهني أو فني يجب أن يُحاسَب مرتكبه قانونيًا. مبينا أن أهالي الضحايا هم أصحاب الحق الأول في المطالبة بالمحاسبة، تليهم المؤسسات المعنية، التي تتحمل مسؤولية قانونية وأخلاقية في التحقيق والمساءلة.

كما أكد أن حكومة الدبيبة مطالَبة، بصفتها “أمرًا واقعًا” معترفًا به دوليًا، بتحمّل مسؤوليتها الكاملة في حماية المسؤولين الليبيين، بغض النظر عن الخلافات السياسية، مشددًا على أن سلامتهم واجب وطني وأخلاقي، لارتباطها المباشر بالأمن القومي وحماية أسرار الدولة.

وختم بدر، بالتأكيد على أن القضية بالغة الخطورة، وقد تحمل الأيام المقبلة مفاجآت، معربًا عن أمله في ألا يثبت تورط أي طرف ليبي فيما جرى، لأن ذلك – إن حدث – سيكون وصمة عار تسيء إلى صورة ليبيا بأكملها، مجددًا التأكيد على أن استعادة السيادة، وانتخاب قيادة موحدة للدولة هما المدخل الحقيقي لمراجعة كل الملفات ومحاسبة المسؤولين، وضمان عدم تكرار مثل هذه المآسي.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى