ليبيا

حسني بي: رسم الـ 27% خطأ تاريخي واستمرار السياسة الحالية يضعف الدينار

حمّل رجل الأعمال الليبي حسني بي المسؤولين الرسميين تبعات فرض رسم الـ 27% على بيع النقد الأجنبي، معتبرًا أن هذا القرار لم يكن ضروريًا وأسهم بشكل مباشر في تدهور قيمة الدينار الليبي وانهيار قوته الشرائية.
وأوضح حسني، في تصريحات لقناة “سلام”، رصدتها “الساعة 24” أن ليبيا لم تكن تعاني من عجز مالي خلال عام 2023، مشيرًا إلى أن الأزمة بدأت عقب سحب نحو 6 مليارات دولار خلال العام ذاته، إضافة إلى ملياري دولار أخرى في الربع الأول من عام 2024، بذريعة دعم قيمة الدينار، وهي سياسة وصفها بأنها “خطأ تاريخي متكرر في ليبيا منذ سبعينيات القرن الماضي”.
وأضاف أن قرار شراء 28 طنًا من الذهب، رغم الترويج له باعتباره إنجازًا مع ارتفاع سعر الذهب بنسبة 150%، جاء على حساب الاستقرار النقدي، إذ أدى ضم هذه الدولارات إلى الاحتياطيات لخلق نقود جديدة بالعملة المحلية تُقدّر بنحو 40 مليار دينار خلال فترة 15 شهرًا، وهو ما مثّل قرابة 30% من عرض النقود آنذاك، متسببًا – بحسب تقديره – في انهيار قيمة الدينار بالنسبة نفسها تقريبًا.
وأكد حسني أن فرض رسم الـ 27% لم يكن قرارًا صادرًا عن مجلس النواب بصفته مؤسسة تشريعية، وإنما قرارًا شخصيًا لرئيسه عقيلة صالح، موضحًا أن ليبيا لم تكن بحاجة إلى هذا الرسم، ولا إلى زيادة الاحتياطيات بنحو 6 مليارات دولار أو إضافة 28 طنًا من الذهب، مقابل خسارة الدينار لما يقارب 27% من قيمته.
وأشار إلى أن الإيرادات المتحصلة من هذا الرسم جرى إنفاقها لاحقًا خلال عامي 2024 و2025، دون أن يترك القرار أي أثر مالي إيجابي ملموس، باستثناء تدهور سعر صرف الدينار، الذي انخفض – وفق قوله – من نحو 5 دنانير للدولار إلى ما يقارب 6.45 دنانير، بل وصل إلى 7 دنانير في بعض الفترات.
وفي سياق متصل، شدد حسني بي، على ضرورة تحمّل المسؤولية عن القرارات التي أفضت إلى هذا الوضع، داعيًا إلى الاستماع لآراء الرأي العام والعمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الضرر الذي لحق بالدينار الليبي وقوته الشرائية.
وعلى صعيد السياسة النقدية، اعتبر حسني أن السعر الحالي للدينار يُعد “سعر سوق”، وليس السعر الرسمي المعتمد، داعيًا مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي إلى عقد اجتماع عاجل واتخاذ قرارات جريئة بشأن تبني سياسة سعر صرف أكثر مرونة، والابتعاد عن نظام سعر الصرف التابع.
وقال في هذا الإطار إن “هذا الطرح قد لا يلقى قبولًا لدى كثير من الاقتصاديين، لكن الواقع يؤكد أننا فشلنا طوال سبعين عامًا في الاعتماد على سعر الصرف التابع، فنحن لسنا دبي ولا الإمارات ولا السعودية”.
وعند سؤاله عمّا إذا كان يدعو إلى تعويم العملة، أوضح حسني أن التعويم يُعد أحد الخيارات المطروحة، مؤكدًا أن أي نظام لسعر صرف مرن وغير تابع سيكون أفضل من الوضع القائم، لأن سعر الصرف التابع – على حد تعبيره – لا يحمي سوى المضاربين على الدولار والدينار، ويؤدي إلى استنزاف أموال الدولة.
وشدد على ضرورة اعتماد “سعر حقيقي وقابل للتغيير”، من شأنه الحد من المضاربة ووقف الاستفادة من شراء الدولار بأسعار منخفضة وإعادة بيعه بأسعار مرتفعة، معتبرًا أن هذه المعضلة تمثل جوهر الأزمة التي يعاني منها الاقتصاد الليبي اليوم، مؤكدًا في الوقت ذاته أن السبب الجوهري للتضخم وتراجع قيمة الدينار يعود أساسًا إلى الإنفاق العام، بغض النظر عن الجهة المنفذة له، سواء كانت حكومة أو مؤسسة أو جهازًا رسميًا.
وبينّ أن أي أموال تُصرف عبر الحكومات أو المؤسسات أو الأجهزة الرسمية، وتخرج من مصرف ليبيا المركزي، تُعدّ إنفاقًا عامًا، مؤكدًا أن هذا النوع من الإنفاق يمثل المحرك الأساسي لانهيار قيمة العملة وارتفاع معدلات التضخم.
وأشار إلى أن ما يقارب 99% من أسباب التضخم وانهيار الدينار الليبي تعود إلى الإنفاق العام الذي يتم خارج إطار الإرادة العامة، ويتم تمويله عبر أدوات نقدية، في مقدمتها خلق أموال جديدة، لافتًا إلى أن المبررات المرتبطة بالانقسام السياسي أو الضغوط التي تُمارس على محافظ مصرف ليبيا المركزي لا تُغيّر من الأثر الاقتصادي المباشر لهذا الإنفاق.
ورأى أن تكرار هذه السياسات النقدية والمالية ليس أمرًا طارئًا، بل سبق أن شهدته ليبيا خلال فترات متعددة، أبرزها بين عامي 1982 و2002، ثم تكرر مجددًا خلال الأعوام من 2015 إلى 2019، ما يؤكد – بحسب قوله – أن الأزمة ذات طابع هيكلي وليست ظرفية أو مرحلية.
وفي رده على تساؤلات تتعلق بإمكانية الإصلاح الاقتصادي في ظل الانقسام السياسي، أوضح حسني أن هناك فارقًا جوهريًا بين السياسة المالية المتمثلة في الإنفاق العام، وبين السياسات الاقتصادية المرتبطة بالنموذج الاقتصادي الليبي، الذي وصفه بأنه “نموذج يخلق كي لا يعمل”.
وضرب مثالًا بالمؤسسة الوطنية للنفط، التي تمثل نحو 65% من الناتج المحلي الإجمالي، دون وجود قوائم مالية واضحة أو رأس مال مستقل، مشيرًا إلى أن أصول المؤسسة، بما فيها المباني والمنشآت، تعود ملكيتها إلى الخزانة العامة وليس إلى المؤسسة نفسها. كما أشار إلى الشركة العامة للكهرباء، التي تمثل ما بين 5 و6% من الناتج المحلي، وتعتمد بدورها على التمويل المباشر من الخزانة العامة.
ونوه إلى أن اللجوء إلى الخزانة العامة أصبح الخيار الأسهل للتمويل، موضحًا أن أي مؤسسة أو حكومة تجد جهة تغطي نفقاتها تستمر في الصرف دون ضوابط مالية حقيقية أو مساءلة واضحة.
وفي هذا السياق، شدد حسني على أن الدور الأساسي لمصرف ليبيا المركزي يتمثل في الحفاظ على استقرار المستوى العام للأسعار وكبح معدلات التضخم، مؤكدًا أن المصرف يُعد سلطة سيادية مستقلة، ولا ينبغي إخضاعه للضغوط السياسية، أو التعامل مع منصب المحافظ وكأنه قابل للإقالة بالضغط، معتبرًا أن هذا الطرح لا يستند إلى القانون الليبي.
كما أعرب عن رفضه لفكرة عدم ذهاب محافظ مصرف ليبيا المركزي إلى مجلس النواب، داعيًا في المقابل إلى حضور المحافظ وأعضاء مجلس الإدارة أمام البرلمان لعرض الأرقام الحقيقية للإنفاق العام بشفافية كاملة.
وحذّر حسني من أن حجم الإنفاق الحقيقي قد يصل خلال عام 2025 إلى نحو 235 مليار دينار، مطالبًا بتوضيح أوجه صرف هذه الأموال، ومؤكدًا أن المواطن هو من يتحمل التكلفة النهائية لأي توسع في الإنفاق، وليس الحكومة التي “تدير ولا تملك”، على حد وصفه.
وقال إن حماية المواطن تبدأ بحماية المؤسسات، مشددًا على أن العلاقة بين الطرفين يجب أن تقوم على المساءلة والشفافية، بما يضمن استقرار الاقتصاد وحماية قيمة العملة الوطنية.
وفي السياق ذاته، اعتبر حسني بي، إن المنظومة الاقتصادية الليبية “مقسّمة ومفسدة”، حيث تمثل الشركات العامة والأجهزة والمؤسسات الحكومية نحو 85% من الناتج المحلي الإجمالي، معتبرًا أن هذه الكيانات لا تسهم فعليًا بالضرائب في تمويل الميزانية العامة، ما يزيد الضغط على الموارد المالية للدولة.
وأوضح أن 93% من ميزانية الدولة تعتمد على عائدات النفط بالدولار، مشيرًا إلى أن المؤسسة الوطنية للنفط يُفترض أن تورد ما بين 26 و27 مليار دولار سنويًا، غير أن الواقع يشير إلى احتمال وصول الإيرادات إلى نحو 21 مليار دولار فقط، وهو ما يفرض – بحسب تقديره – ضغوطًا كبيرة على سعر الصرف الحقيقي، الذي يتجاوز 8 دنانير للدولار.
وأضاف أن سعر الصرف التابع المعتمد حاليًا، والذي يتراوح رسميًا بين 5.4 و6.25 دينار للدولار، لا يعكس الواقع الاقتصادي، معتبرًا أن محاولات تعديل رسم الـ 27% إلى نسب أقل تمثل معالجة للأخطاء بأخطاء جديدة، دون الوصول إلى حل جذري للأزمة.
وشدد حسني على أن الحل الحقيقي يتمثل في اعتماد نظام التعويم المدار أو السعر المدار للعملة الوطنية، مؤكدًا أن سعر الصرف التابع الحالي لا يحمي الاقتصاد الوطني، بل يشجع على المضاربة ويتيح للبعض شراء الدولار بأسعار منخفضة وبيعه بأسعار مرتفعة، ما ينعكس سلبًا على المواطنين وقيمة الدينار.
وأوضح أن الحكومة الليبية تبيع الدولار لتغطية نفقات الميزانية بدلًا من شرائه، على خلاف السياسات المتبعة في دول مثل بريطانيا والولايات المتحدة، حيث يقتصر دور الحكومة على الرقابة والتنسيق، في حين يهيمن الاقتصاد الليبي – وفق تعبيره – على نحو 85% من الناتج المحلي من خلال السيطرة المباشرة.
وأكد أن النظريات الاقتصادية التقليدية، التي تقوم على أن دور الحكومة رقابي وتنسيقي، لا تنطبق على الواقع الليبي، داعيًا إلى إعادة النظر في السياسات النقدية بما يراعي خصوصية الاقتصاد الوطني ويحد من المضاربة على العملة.
وتابع قائلًا: “لقد أُغلق الباب أمام التجارب الصحيحة منذ عام 1982، وحان الوقت لتغيير هذا الوضع، وإذا أخطأنا في التغيير يمكن تصحيح الخطأ لاحقًا، لكن الاستمرار في النظام الحالي لن يؤدي إلا إلى حماية المضاربين على الدولار وإضعاف الدينار”.
وأكد بي أن أول خطوة لإنقاذ الدينار وتعزيز الثقة في القطاع المصرفي تتمثل في الانتقال إلى سعر صرف مرن، مشيرًا إلى أن هذا الإجراء كفيل بالقضاء على نحو 25% من “حرب الصكوك” و20% من الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازي، ما سيسهم في دخول سيولة كبيرة إلى المصارف.
وأوضح أن دخول هذه الأموال إلى النظام المصرفي يتيح للمواطنين سحب ودائعهم بسهولة أكبر، مع منح المصارف الوقت اللازم لإعادة التحقق من السيولة، مؤكدًا أن الأزمة الراهنة ناتجة بالأساس عن السياسات النقدية السابقة، وليس الفساد وحده.
وشدد على أن الفساد في المصارف ليس سببًا جوهريًا بقدر ما هو نتيجة مباشرة للفجوات الكبيرة في أسعار الصرف، حيث يمكن تحقيق أرباح تتراوح بين 20% و45% نتيجة التباين بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي. وأضاف أن هذه الظاهرة تفاقمت منذ عامي 2016 و2018، عندما بلغ الفارق بين سعر الدولار في المصارف والسوق نحو ألف بالمئة، ما فتح الباب أمام ممارسات فساد واسعة، من بينها فرض رسوم مرتفعة وصلت إلى 185% ثم 27%.
وختم بالقول إن إعلان سعر صرف مرن وإدارة السياسة النقدية بشفافية كاملة يمثل الحل الضروري للخروج من هذه الدوامة، داعيًا إلى البدء الفوري في تطبيقه من أجل استعادة الاستقرار النقدي والحد من المضاربة على العملة الوطنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى