المرداس: نجاح أي مسار وطني يحتاج لتلازم الأداء السياسي والعسكري

أكد الدبلوماسي والسفير السابق، محمد المرداس، أن المشهد الليبي الراهن يعكس استحالة بناء دولة حقيقية في ظل استمرار الانقسام، وغياب القيادة الموحدة، وانتشار التشكيلات المسلحة غير المنضبطة، مشيراً إلى أن هذا الواقع أدى إلى تآكل هيبة الدولة وغياب أي مشروع وطني متكامل لدى أطراف متنفذة داخل مؤسسات الحكم.
وأوضح المرداس، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته “الساعة 24” أن المجموعات المسلحة في غرب ليبيا تعاني غياب الانضباط والمرجعية والقيادة الواضحة، لافتاً إلى أن المشهد بات أقرب إلى نموذج “ملوك الطوائف”، حيث تسيطر كل ميليشيا على نطاق جغرافي محدود تسترزق منه، ضمن تحالفات جانبية متغيرة وغير مستقرة، وهو نمط – بحسب قوله – لا يمكن أن يفضي إلى بناء دولة أو مؤسسات فاعلة.
وأضاف أن تضارب النفوذ ورفض التعاون بين هذه التشكيلات أدى إلى تعطيل أبسط القضايا الأمنية، في ظل غياب سلسلة أوامر واضحة ووسائل اتصال موحدة.
وكشف المرداس، عن استياء تركي واضح من أداء التشكيلات المسلحة الحليفة لأنقرة، موضحاً أن السفير التركي وجّه، خلال اجتماع حديث مع قادة مجموعات مسلحة وبحضور الملحق العسكري التركي، توبيخاً مباشراً لهم، مؤكداً أن تركيا تتعرض لضغوط دولية متزايدة بسبب دعمها لهذه الجماعات، في وقت فشلت فيه في تنظيم نفسها، ما ساهم في تصاعد الجريمة، وزيادة الضغوط الأوروبية على أنقرة في ملفات الهجرة غير الشرعية وتهريب المخدرات.
ورأى المرداس، أن هذا الموقف يعكس قلقاً تركياً من حالة الانفلات، وليس رضاً عن أداء هذه التشكيلات.
وشدد على أن قيام أي كيان مؤسساتي حقيقي يستلزم وجود قوة عسكرية منضبطة تخضع لشرطة عسكرية فاعلة تتبع مباشرة القائد العام أو رئيس الدولة، مشيراً إلى أن الغرب الليبي يفتقر لهذا النموذج، حيث توجد شرطة عسكرية “بالاسم فقط” من دون صلاحيات أو أدوات، إلى جانب غياب النيابة العسكرية، وافتقار غالبية القيادات الحالية لخلفية عسكرية، ما يجعل ضبط التشكيلات المسلحة أمراً بالغ الصعوبة ويكرّس استمرار الفوضى.
وأشار إلى أن التحركات الأخيرة للقيادة العامة والجيش الوطني تعكس نهجاً واضحاً يقوم على فرز وتصنيف التشكيلات المسلحة في إطار احتواء الوضع الأمني وتعزيز الاستقرار، خاصة في طرابلس والمنطقة الغربية. موضحا أن القيادة العامة اعتمدت آلية تصنيف بثلاثة ألوان: الأخضر للتشكيلات القابلة للتواصل والتعامل، والأصفر للقوى التي يمكن تدريبها ودمجها لاحقاً، والأحمر للتشكيلات الإرهابية المرتبطة بأجندات متطرفة لا يمكن التعامل معها.
وبيّن المرداس، أن عامي 2024 و2025 شهدا تواصلاً ملحوظاً من الفريق صدام حفتر والفريق خالد حفتر مع عدد من قادة التشكيلات المسلحة في المنطقة الغربية، وهو ما لقي صدى إيجابياً في الشارع الطرابلسي والغربي عموماً، رغم وجود اعتراضات محدودة لم تؤثر في مسار الأحداث.
ولفت إلى أن تحركات الجيش اتسمت بنزعة واضحة نحو السلام، عبر دعم الحوار والمشاركة في اجتماعات لجنة “5+5″، ومحاولة إيجاد أرضية مشتركة لدمج التشكيلات غير المؤدلجة ضمن مؤسسات الدولة، معتبراً أن الجيش حقق نجاحات ملموسة في هذا الملف.
وفي المقابل، انتقد المرداس، محاولات حكومة الوحدة المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، إبعاد بعض قادة التشكيلات المسلحة في طرابلس، بما في ذلك عناصر من قوة الردع ورئيس جهاز دعم الاستقرار عبد الغني الككلي، معتبراً أن هذه الخطوات لم تحقق نتائج حاسمة وأسهمت في حالة شد وجذب وعدم استقرار أمني في المنطقة الغربية. وأشار إلى أن التباين بين الاستقرار في مناطق خاضعة لسيطرة الجيش والفوضى في مناطق أخرى للشعب ذاته عزز شعبية الجيش في الغرب الليبي.
كما انتقد المرداس، ما وصفه بالتركيز على التسويق الإعلامي، بدلاً من بناء مؤسسات الدولة، مؤكداً أن الفعاليات والحملات الإعلامية لا تعالج الأزمات الجوهرية ولا تعوض غياب الرؤية السياسية، في وقت لا يلمس فيه المواطن تحسناً في الخدمات، من المصارف إلى القطاعات الأساسية، ما يعكس ضعف الدولة كمؤسسة لا كأشخاص.
وأشار إلى أن بعض الأطراف المتنفذة داخل مؤسسات الدولة تفتقر إلى مشروع وطني ورؤية مستقبلية، وتتحرك بدوافع مالية ونفعية، في ظل انتشار واسع لما وصفه بـ “الفساد المتراكم” في ملفات النفط والإدارة العامة.
وأضاف أن هذه القوى باتت أمام خيارين: إما إفلاس الدولة، أو مواجهة غضب شعبي متصاعد، خاصة مع تنامي الاحتجاجات والتحركات الشبابية عقب التطورات الأمنية الأخيرة. وحذر المرداس، من سياسة “صناعة الأزمات والحروب”، عبر افتعال صراعات في طرابلس وورشفانة والزاوية وبني وليد، مؤكداً أن قرارات غير مدروسة قد تشعل نزاعات خطيرة بين مناطق ذات حساسيات تاريخية.
وعلى الصعيد الدولي، وصف المرداس، مسار الحوار الأممي بشأن ليبيا بـ “المربك”، مشيراً إلى أن اتهامات تمويل بعض مسارات الحوار من أطراف خارجية أضعفت مصداقيته وعمّقت الانقسام، وأسهمت في استقالات مبكرة لشخصيات أممية.
كما حمّل تركيا جزءاً من المسؤولية، معتبراً أنها ضمنت للمجتمع الدولي قدرتها على ضبط الجماعات السياسية والمسلحة في الغرب الليبي لكنها أخفقت، ما وضعها في موقف حرج ودفعها لمحاولات تواصل مع القيادة العامة في الشرق لإيجاد مخرج للأزمة.
وفي تحليله للموقف الأمريكي، أكد المرداس، وجود سوء فهم واسع لطبيعة نظرة واشنطن إلى ليبيا، موضحاً أن الولايات المتحدة تتحرك وفق منطق المصالح والنتائج، وتبحث دائماً عن “الصفقة”، بغض النظر عمّن يسيطر على الأرض، ما دام الطرف المقابل ليس الصين.
واعتبر أن الاعتقاد بأن واشنطن تعارض بالضرورة التمدد الروسي غير دقيق، مستشهداً بتجارب دول الساحل الإفريقي.
وأوضح أن الولايات المتحدة تنظر إلى المنطقة الغربية كساحة معقدة تهيمن عليها التشكيلات المسلحة، بينما ترى في الشرق الليبي نديّة واضحة في تعاملها مع القائد العام المشير خليفة حفتر أو نائب القائد العام الفريق صدام حفتر.
وأشار إلى أن ذلك يفسر انفتاح واشنطن على التواصل مع أطراف متعددة في الغرب، في ظل مخاوف استخباراتية من تحركات لعناصر متطرفة على الساحل الغربي، خصوصاً في صبراتة، مؤكداً أن الخط الأحمر الأمريكي الوحيد في ليبيا هو ملف الإرهاب، فيما تبقى قضايا التهريب والجريمة المنظمة أقل أولوية.
كما لفت المرداس، إلى أن العديد من الأسماء والتيارات التي لعبت أدواراً في مراحل سابقة تلاشت اليوم ولم يعد لها تأثير حقيقي، مؤكداً أن إعادة تدويرها أو الاجتماع معها لا يضيف شيئاً للحل، وأن قراءة المشهد تتطلب فهماً دقيقاً لموازين القوى الجديدة، مع مراعاة الحسابات الإقليمية، خصوصاً علاقة واشنطن بالجزائر في ظل تحولات الساحل والصحراء.
وختم المرداس، حديثه بالتأكيد على أن نجاح أي مسار وطني مرهون بتلازم الأداءين السياسي والعسكري، مشدداً على أن العمل العسكري غالباً ما يسبق التحرك السياسي ويمهّد له.
ودعا إلى دعم سياسي أوضح للقيادة العامة، وتعزيز المرونة والانفتاح، وتكثيف قنوات التواصل، خصوصاً من قبل المسؤولين في المنطقة الغربية، والعمل على تقريب وجهات النظر بين الشرق والغرب، واعتماد خطاب جامع وتواصل مباشر مع المواطنين، باعتبار ذلك المدخل الحقيقي لبناء الثقة، وإنهاء الانقسام، ووضع ليبيا على طريق الدولة والمؤسسات.









