ليبيا

«عبد القيوم»: نفاد صبر الجيش وحاضنته الشعبية قد يدفع للانتخابات أو خيارات بديلة

قال الكاتب الصحفي عيسى عبد القيوم، إن الانقسام السياسي في ليبيا يمثل حقيقة مستمرة منذ أكثر من عقد، حيث بدأ بشكل واضح بعد انتخابات المؤتمر الوطني عام 2012.

واعتبر «عبد القيوم» في حديث لقناة «ليبيا الحدث»، ورصدته «الساعة24»، أن هذه الانقسامات السياسية تمثل الخبر الرئيسي الذي رافق الأحداث الليبية في السنوات العشر الأخيرة، مشيراً إلى أن لجنة خبراء مجلس الأمن وصفت هذا الانقسام في تقريرها عام 2014 بأنه نقطة البداية لانحراف المسار السياسي عن الديمقراطية، خاصة بعد انشقاق مجموعة من أعضاء المؤتمر الوطني ورفضهم نقل مجلس النواب إلى بنغازي.

وتابع: أن هذا الانقسام أصبح خبرًا متكررًا، لكن ما يميز العام 2025 هو ظهور بوادر فشل بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، حيث لم يعد بإمكان المجتمع الدولي التبرير للانقسام كما كان يحدث في الأعوام السابقة، حتى مع محاولات البعثة إعطاء شعور بالأمل للمواطنين.

وأكد أن الشارع الليبي لم يعد قادرًا على تقبل تبريرات الانقسام السياسي، مشيراً إلى أن الخبر الذي ظل قديمًا متجددًا أصبح في غير قابل للهضم والتمرير، مما يعكس حالة استياء متزايدة تجاه الأزمة السياسية المستمرة في البلاد.

واستكمل أن هناك إجماعًا متزايدًا على ضرورة التعامل مع الواقع السياسي الليبي كما هو، مشيراً إلى أن دولًا عديدة حول العالم بدأت تعيد تقييم المشهد الليبي، بل وأن بعض الصحف الدولية بدأت تتناول الموضوع بشكل متوازن.

وأوضح أن تركيا، على سبيل المثال، التي كانت من حلفاء ليبيا، تشير إلى أن الأرضية المهيأة لإعادة بناء الدولة الليبية تتواجد في بنغازي وليس في طرابلس، معتبرًا أن هذه الأرضية متوافرة بشكل واضح.

وأكد أن المجتمع الدولي بدأ في تخفيف اي توتر تجاه الحكومة الليبية برئاسة د. أسامة حماد، مشيراً إلى أن بعض وسائل الإعلام ما زالت تحاول تقليل مكانة هذه الحكومة، وأكد أن الهدف يجب أن يكون تعزيزها قانونيًا ودستوريًا، بحيث يدرك المتابعون أنها جاءت عبر مجلس النواب وفقاً للإجراءات الدستورية وليست مجرد تشكيل شعبي.

وأشار إلى أهمية التوازن في التغطية الإعلامية، مؤكدًا أنه عند الإشارة إلى حكومات مختلفة، يجب التمييز بين حكومة البرلمان، وحكومة لقاء جنيف، وعدم استخدام مصطلح “حكومة ليبيا” بشكل عام، لضمان الإنصاف والوضوح في التوصيف القانوني والدستوري لكل حكومة.

وأوضح أيضاً أن وصف حكومة حماد بأنها “حكومة البرلمان” ليس تقليلاً من شأنها، بل هو توصيف قانوني ودستوري دقيق يعكس طبيعة تكوينها ومكانتها الرسمية، مشيرا إلى أن الوضع الحالي في طرابلس أصبح “أمراً واقعاً”، مدعوماً من القوى المسيطرة في المدينة.

وشدد على أن هذا الواقع يفتقد إلى أي شرعية دستورية أو قانونية أو حتى شعبية، موضحًا أن هذه القوى تحاول إدراج سيطرتها ضمن أجندة مؤسسات الدولة، مع الغطاء السياسي الذي يمنحهم بعض الشرعية من المجلس الرئاسي وحكومة الدبيبة.

وحول الحوار الأممي للبعثة “الحوار المهيكل” أشار عبد القيوم، إلى أن تقييم المشاركة في الحوار يجب أن يأخذ بعين الاعتبار طبيعة الأطراف المعنية ومصداقية الآليات المتاحة، وأن بعض الأسئلة الجوهرية لم تُجب عنها بعثة الأمم المتحدة بعد، ما يجعل المشاركة غير فعالة في الوقت الحالي.

كما شدد على أن أي توصيات قد تُصدر عن هذه الاجتماعات غالباً غير ملزمة، مؤكدًا أن الفعالية الحقيقية للحوارات تكون عند حضور ممثلين من الدول الخمس الكبرى بصفتهم الرسمية، وهو ما لم يحدث في بعض الاجتماعات المحلية.

كما أوضح من خلال تجاربه السابقة مع حوارات دولية كبيرة مثل “جنيف 1 و2″، و”برلين”، و”باريس”، و”الصخيرات”، وسط وجود كبار المسؤولين كان عاملاً أساسياً لتحقيق نتائج ملموسة، في حين أن الحوارات الحالية في ليبيا أقرب إلى نشاطات المجتمع المدني، وليست مؤهلة لإنتاج حلول سياسية فعلية.

وأردف قائلاً: إن أي موقف سياسي يجب أن يُبنى على حسابات واضحة وموضوعية، مع حق الأطراف في اتخاذ قراراتها بشأن المشاركة أو الامتناع عنها وفق ما يرونه مناسباً لمصالحهم السياسية.

ولفت إلى تفاوت التأثير بين المراكز السياسية في ليبيا، حيث أضحى المركز السياسي في طرابلس يعاني من سلبيات ملموسة، بينما شهدت بنغازي تطورات إيجابية على الصعيد نفسه، معتبراً أن طرابلس تضم اليوم قطبين سياسيين فيما يُعرف بمجلس الدولة، المستمر في الانقسام والخلاف القانوني والقضائي حول رئاسة خالد المشري للمجلس، في وجود حكم قضائي غير مكتمل، في الوقت الذي يصف فيه كل طرف الآخر بأنه “غير شرعي”.

وبين أن الواقع السياسي يشير إلى حسم الأمر عملياً، حيث أصبح محمد تكالة هو رئيس المجلس المعترف به فعلياً، مدعومًا من قبل الميليشيات وحكومة الدبيبة، ما جعله “أمراً واقعاً” في طرابلس، بينما لا تزال القضية القانونية غامضة، فالقضاء لم يصدر حكمًا نهائيًا بشأن الشرعية الدستورية للمجلس، خاصة بعد انتهاء اتفاق الصخيرات في 2017، ما يجعل السلطة القضائية في موقف مراقب فقط، بينما القوة السياسية الفعلية تُمارس على الأرض.

وأضاف أن المجتمع الدولي يتابع الوضع في طرابلس، في محاولة لإحداث توازن بين المجلس والبرلمان، مع مؤشرات على اتفاق محتمل حول المناصب السيادية في بداية العام 2026، مما يؤدي إلى تحولات سياسية في الفترة المقبلة.

وأكد عبد القيوم أن المشهد الليبي الحالي ينقسم إلى مسارين رئيسيين: المسار القانوني والمسار السياسي. مبيناً أن المسار القانوني ينص على وجود حكومة واحدة في ليبيا، وهي حكومة الدبيبة التي أُنشئت بموجب اتفاق جنيف، وقد طلبت اعتماد أوراقها من مجلس النواب خلال جلسة رسمية.

وأضاف أن الحكومة أخلت بتعهداتها لاحقاً بعد اعتمادها، ما أدى إلى سحب الثقة منها رسميًا وتكليف حكومة جديدة، بينما تبقى حكومة الدكتور حماد هي الحكومة القانونية المعترف بها، أما المسار السياسي، فأوضح عبد القيوم أن المجتمع الدولي يتعامل مع جميع الأطراف الليبية على أساس أنهم أطراف نزاع، نظراً لتعدد القوى الفاعلة على الأرض، بما في ذلك الحكومة التي تسيطر على النفط مع الجيش الوطني الليبي، لافتا إلى أن حل هذين المسارين يمثل خطوة أساسية لإنهاء حالة الفوضى السياسية في ليبيا.

ورأى عبد القيوم، أن مبادرة البعثة الأممية التي أفضت إلى “حوار مهيكل” تواجه عدة تحديات جوهرية قبل أن تبدأ، حيث صرحت المبعوثة الأممية سابقًا بأن الحوار لن ينتج حكومة أو توصية ملزمة، ما يشكل نقطة سلبية تؤثر على مصداقية الحوار، إضافة إلى أن قوائم الأسماء المقدمة التي لا تمثل القوة الفاعلة أو المتوازنة على الأرض، معتبراً أن المبادرة تفتقر لأي غطاء قانوني أو دعم شعبي.

وفي المقابل، يرى عبد القيوم أن الدعوة إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة تمثل عودة إلى المسار المدني الديمقراطي، مدعومة بأرضية قانونية ودستورية واضحة، وتعيد السلطة إلى الشعب، بعكس الحوارات النخبوية السابقة التي تفتقر للشفافية وتبعد المواطن عن العملية السياسية، مؤكداً أن الحل المقترح من القيادة العامة للقوات المسلحة تلقى قبولًا شعبيًا واسعًا.

وشدد على ضرورة البدء بالموافقة على مبدأ العودة إلى الصندوق، على أن تُحال التفاصيل التنفيذية لاحقًا إلى مفوضية الانتخابات واللجنة التشريعية في مجلس النواب، لضمان شفافية العملية وانتظامها.

وحول التظاهرات الشعبية الأخيرة في طرابلس ومصراتة، قال إن هذه المظاهرات تعكس ضعف شعبية رئيس الحكومة المؤقتة عبد الحميد الدبيبة على المستوى الشعبي، مشيراً إلى أن الوضع في غرب ليبيا لم يساعد المجتمع الدولي على تصور إمكانية تأسيس دولة مستقرة، وأن الدبيبة فقد أي تأثير حقيقي على مستوى البلديات، مما جعله يُوصف بالسخرية كرئيس وزراء بلديات وليس دولة. وشدد على أن الانتخابات والمشاركة الشعبية هي أساس أي حكم مستقر، وأكد أن الاحترام للشعب وللانتخابات هو ما يضمن استقرار الدولة، وليس البقاء في السلطة بالقوة.

ولفت إلى ضرورة اعتماد الاتفاقيات الدولية رسمياً من الجهات التشريعية المختصة، موضحاً أن الاتفاقيات العسكرية في غرب ليبيا خاصة مع تركيا لم تحظَ بالاعتماد الرسمي، ما يجعلها “معيبة” على المستوى الوطني، بينما أظهرت تركيا قدرة على إدارة العلاقات مع الشرق والغرب الليبي، معتبراً أن هذه الخطوة الإيجابية أعادت التوازن السياسي المطلوب.

وأوضح أن المشهد الليبي يشهد ضغوطًا حقيقية ومتزايدة، لا سيما في الشرق، المدفوع بحراك شعبي واسع ومواقف واضحة من المؤسسات الرسمية، بهدف الوصول إلى حل جذري للأزمة بعيدًا عن الحلول الشكلية السابقة، مشيرًا إلى أن العام 2025 شهد إنجازات مهمة، خصوصًا على الصعيد الأمني، انعكست مباشرة على الاستقرار في الشرق والجنوب، مع تعزيز قدرات الجيش الوطني الليبي.

وأضاف أن المؤشرات السياسية لعام 2026 تعكس نفاد صبر الجيش الوطني الليبي وحاضنته الشعبية، وأن أي رفض للمشاركة في الانتخابات سيضع الأطراف الرافضة في موقف سياسي ضعيف، متوقعًا اللجوء إلى مسارات بديلة إذا استمر الرفض.

وأكد أهمية نضوج رؤية سياسية داخل الغرب الليبي تقبل بحل توافقي مرحلي يمتد لسنتين أو ثلاث لتحقيق الحد الأدنى من التوافق الوطني وفتح الباب أمام الاستقرار وبناء الدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى