اخبار مميزةليبيا

الخراز: إسقاط تنظيم “الدبيبات” شرط لإنهاء الانقسام واستعادة السيادة الوطنية

أكد المحلل السياسي حمد الخراز أن المشهد السياسي الليبي في الفترة الماضية لم يشهد أي تطور إيجابي، بل شهد تصاعدًا خطيرًا في الخلاف بين مجلسي النواب والأعلى للدولة، في ظل ما وصفه بـ “إدارة البعثة الأممية للأزمة” دون حلها.

وأوضح الخراز، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته الساعة24، أن مطالبة البعثة الأممية بإعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات تمثل ضررًا مباشرًا بإدارة الأزمة السياسية، معتبرًا أن استكمال مجلس النواب لتشكيل المجلس كان الإجراء الصحيح إذا كانت هناك نية حقيقية لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية.

وأضاف أن الإصرار على إعادة تشكيل المفوضية بالتشاور مع المجلس الأعلى للدولة لا يهدف سوى إلى استمرار حالة الانسداد السياسي، وهو ما انعكس في تصريحات رئيس مجلس الدولة محمد تكالة، التي أكد فيها أن البلاد مقبلة على فاصل جديد من الصراع والانقسام السياسي، فيما تسعى المبعوثة الأممية “هانا تيتيه” للتوجه إلى مجلس الأمن والمطالبة بخيارات بديلة.

وبينّ الخراز أن ليبيا تعيش منذ سنوات في حلقة مفرغة نتيجة إدارة الأزمة من قبل البعثة الأممية بتواطؤ مع أطراف داخلية، مؤكداً أن مجلس الدولة أصبح أحد معوقات الحل، خاصة في ظل قيادته الحالية، حيث وصف رئيسه محمد تكالة بأنه “أصبح طرفًا في الصراع“.

وأشار الخراز إلى أن كل هذه الأطراف ما كانت لتبقى في المشهد السياسي لولا اتفاق الصخيرات وتواطؤ مجلس النواب في مرحلة سابقة، ما أوصل البلاد إلى الطريق المسدود الحالي، مؤكداً أن الجميع شارك بدرجات متفاوتة في صناعة هذا الوضع. وأضاف أن مجلس النواب يقوم اليوم بالدور المنوط به عبر استكمال تشكيل مجلس المفوضية، متسائلاً عن أسباب رفض البعثة الأممية لهذا المسار، رغم أنه وفق رأيه ينهي حالة الانقسام ويفتح الطريق أمام انتخابات مباشرة.

وانتقد الخراز أطرافًا دولية، وعلى رأسها الإدارة الأمريكية، مشيرًا إلى أنها لا تريد إجراء انتخابات في الوقت الحالي، وترى مصلحة في استمرار حكومة الدبيبة، رغم الرفض الشعبي الواسع والتظاهرات المتكررة التي قوبلت بالرصاص الحي، دون أن يؤدي ذلك إلى موقف حازم من البعثة الأممية.

وأردف الخراز بأن فرص نجاح أي انتخابات قادمة قد تبقى ضعيفة جدًا في ظل الواقع السياسي الراهن، مشيراً إلى أن ليبيا شهدت نماذج انتخابية سابقة ذات طابع خدمي “البلديات” وليست برلمانية، وجرت في سياق صراع سياسي واضح وشابها خروقات كبيرة، خاصة في غرب البلاد.

ورأى الخراز أن إجراء انتخابات ناجحة في ظل سلطة “مغتصبة للسلطة ومسحوبة منها الثقة” يعد أمراً بالغ الصعوبة، مؤكدًا أن ما يُعرف بحكومة الدبيبة ما تزال جزءًا من المشهد السياسي القائم، فيما تلعب البعثة الأممية دورًا رئيسيًا في هذا المشهد، حيث أنشرت، وفق متابعته، تدوينة حذرت فيها مجلسي النواب والدولة بضرورة التوصل إلى توافقات، وإلا ستتجه إلى خيارات أخرى، ما يكشف بحسبه “النية الحقيقية” للبعثة لإعادة رسم السياسات والقوانين.

واعتبر الخراز أن هذه التوجهات تأتي ضمن خطة تهدف إلى تمكين شخصيات وصفها بـ “العميلة”، مشيراً إلى أن ليبيا منذ عام 2011 تعيش في دوامة إدارة الأزمات، وأن جميع المسؤولين الذين كُلّفوا بإدارة البعثة كانوا معنيين بإدارة الأزمة لا بحلها.

وأكد أن هناك شبه إجماع على أن البعثة الأممية “لا تملك قرارها” وتتحرك وفق سياسات دول بعينها، وهو ما ألحق ضررًا بالغًا بالاقتصاد والسياسة العامة للدولة وأسهم في تعقيد الأوضاع.

ولفت الخراز إلى أن الأزمة الليبية لا يمكن فصل أبعادها الأمنية عن جذورها السياسية، لافتًا إلى أن أطرافًا دولية ساهمت بشكل مباشر في تغذية حالة الانقسام ودعمت الميليشيات المسلحة، ما رسخ واقع الفوضى الذي تعيشه ليبيا منذ سنوات. وأضاف أن المشكلة الأمنية مرتبطة بالمشهد السياسي وبأطراف الصراع، مشيرًا إلى أن قيام الدولة في ظل وجود هذه القوى أمر مستحيل، مشددًا على أن التدخلات الدولية حالت دون تحقيق توافقات حقيقية أو حل للأزمة، وأن مناطق محدودة من البلاد نجحت في توفير الأمن والاستقرار والتنمية في إشارة للمنطقة الشرقية، مقابل استمرار الاضطراب في مناطق أخرى.

كما شدد الخراز على أن الاعتماد على دستور أو الانتخابات لن يكون كافيًا ما لم تتوافر ضمانات لاحترام النتائج، متسائلًا عمّن سيحترم الدستور إذا لم ترضَ الأطراف الدولية بنتائج العملية السياسية، مشيرًا إلى أن ليبيا بحاجة قبل كل شيء إلى مشروع تحرر وطني حقيقي يشارك فيه جميع الليبيين الشرفاء، لإنهاء النفوذ المستمر لما وصفه بـ “التنظيم الإجرامي”، مع الإشارة إلى أكبر عملية سطو مالي شهدتها البلاد، حيث استُقطع نحو خمسة مليارات من أموال المواطنين عبر ضريبة الدولار، وتمت سرقتها دون محاسبة.

ولفت إلى أن البعثة الأممية راوغت أكثر من مرة عبر إحاطات المبعوثة السابقة، قبل أن تتكشف مؤخرًا نيتها إقصاء مجلسي النواب والدولة عبر إدخالهما في خلافات متجددة، مستندة إلى إدراكها لصعوبة توافقهما بسبب اختلاف الولاءات والثوابت السياسية. ووصف الخراز المشهد السياسي الراهن بأنه “حالة عبث واستهتار بالمسؤولية” من قبل الأطراف السياسية، يقابلها صمت شعبي واسع تجاه تجاوزات تنظيم الدبيبة في غرب البلاد، داعيًا إلى إسقاط هذا الجسم السياسي كشرط أساسي للانطلاق نحو مسار استقرار جديد بالتعاون مع أطراف وسيطة قادرة على ممارسة الضغط على الجهات الدولية والبعثة الأممية.

وأشار الخراز إلى أن المناصب السيادية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالصراع السياسي، وأن فشل الأطراف في التوافق على شغل هذه المناصب يعود إلى كونها أدوات لصراع داخلي، ما يجعل أي توافق جاد مستحيلاً.

كما شدد الخراز على أن مجلس النواب لا يعمل وفق المصلحة العليا لليبيا، وأن مؤسسات الدولة غير ملتزمة بالدفاع عن الوطن، مشيراً إلى أن حكومة الدبيبة ساهمت في تعميق الانقسام بدل توحيد الليبيين، وأن ما يحدث يعكس توجهاً لتلقي تعليمات مباشرة من البعثة الأممية لإدارة الأزمة وفق نموذج جديد، مؤكداً أن الشعب هو وحده القادر على إسقاط هذا المخطط.

وحذر من التداعيات الخطيرة للانقسام السياسي، مؤكدًا أن انعكاساته تتجاوز السياسة لتطال الاقتصاد الهش والدقيق، خاصة مع تقارب الإنفاق العام والدخل لا يتجاوز خمسة مليارات، ما ينذر بكارثة في حال هبوط أسعار النفط.

وتابع: استمرار “الإنفاق الموازي” وبقاء التنظيمات السياسية الحالية، وعلى رأسها تنظيم الدبيبات، يمثل أبرز التحديات، مؤكدًا أن حماية مصالح الشعب يجب أن تكون الأولوية.

وختم بالتأكيد على أن الانقسام لن ينتهي إلا بزوال هذه التنظيمات، وفتح المجال أمام قوى تحظى بثقة الشعب ودعم دولي للطرف الممثل للقيادة العامة، لضمان إنهاء “المهزلة السياسية” ووضع حد للفوضى في البلاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى