ليبيا

البدري: السياسة الأمريكية تجمع بين الاقتصاد والقوة العسكرية لضمان السيطرة

أكد أستاذ العلاقات الدولية عثمان البدري، أن السياسة الخارجية الأمريكية لا تُفهم من خلال القرارات اللحظية أو ردود الأفعال المؤقتة، بل تتطلب النظر إليها ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى، موضحا أن الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تعتمد على نهج مزدوج، يجمع بين التخطيط بعيد المدى، وإدارة الأزمات قصيرة المدى، بهدف حماية مصالحها الحيوية وتعزيز نفوذها العالمي.

وقال البدري في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته “الساعة 24” إن السياسة الأمريكية تختلف بحسب قرب الدولة الجغرافية من حدودها، حيث تميل إلى التدخل المباشر في المناطق القريبة مثل الكاريبي وأمريكا الجنوبية، بينما تعتمد في مناطق أخرى على إدارة الأزمات عن بُعد، كما هو الحال في الشرق الأوسط، وذكر أن تدخل واشنطن في فنزويلا يُعد نموذجًا واضحًا على هذا التوجه، حيث تعتبر واشنطن أن أي نفوذ خارجي في هذه المناطق يمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.

ولفت البدري إلى أن التدخل الأمريكي في فنزويلا منذ عهد الرئيس هوغو تشافيز يعكس حساسية واشنطن تجاه أي تحالفات اقتصادية أو عسكرية مع القوى الدولية المنافسة، بما في ذلك الصين وروسيا، معتبرًا أن هذه التحركات الأمريكية تهدف إلى إحكام السيطرة على الموارد الحيوية للبلاد، خصوصًا النفط والذهب، وضمان عدم استفادة أي دولة من هذه الموارد دون موافقة واشنطن.

وتابع: الولايات المتحدة عادة ما تستخدم أدوات غير مباشرة مثل العقوبات الاقتصادية والضغط السياسي لإدارة الأزمات، إلا أن هذه السياسة تتغير عند التعرض لمهددات على حدودها المباشرة، حيث تتحرك بسرعة وحزم لإنهاء الأزمات، كما ظهر في تعاطيها مع كوبا وبنما سابقًا، مؤكدا أن الولايات المتحدة لا تنتظر موافقة المجتمع الدولي لتنفيذ سياساتها، مكتفية بالموافقات الداخلية مثل تصويت الكونغرس، وهو ما يفسر سرعة تحركاتها في فنزويلا.

وأوضح البدري أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 كانت نقطة تحول حاسمة في السياسة الأمريكية، حيث دفعت صناع القرار إلى تبني نهج استباقي لإدارة الأزمات خارج الأراضي الأمريكية، بهدف حماية الداخل من أي تهديد مباشر، وهو ما تجسد في التدخل العسكري المباشر وغير المباشر في الشرق الأوسط، ومن أبرز الأمثلة الغزو الأمريكي للعراق.

وأشار البدري إلى أن السياسة الأمريكية بعد 2001 أصبحت قائمة على استباق الأزمات، والعمل على احتوائها مهما كلف ذلك من تدخلات عسكرية أو سياسية، مشددًا على أن الولايات المتحدة تعتبر الإرهاب، تهريب المخدرات، والهجرة غير الشرعية تهديدات مباشرة لأمنها القومي، ولهذا أرسلت تحذيرات قوية إلى المكسيك وكولومبيا وكوبا لمعالجة هذه الملفات الأمنية العاجلة، مبينا أن السياسة الأمريكية تتسم بالاستمرارية عبر مختلف الإدارات، فكل رئيس يسعى لتنفيذ استراتيجيات بعيدة المدى، حتى لو اختلفت أساليب التنفيذ أو اللغة الدبلوماسية.

وأكد البدري أن واشنطن قادرة على إنهاء أي نزاع عالمي إذا رغبت بذلك، لكنها تختار إدارة الأزمات فقط في مناطق بعيدة طالما لا تهدد مصالحها الحيوية، كما هو الحال في الشرق الأوسط، مضيفًا أن أي دولة تحاول التمدد أو استغلال الموارد دون موافقة واشنطن ستواجه تحركًا سريعًا، سواء سياسيًا أو عسكريًا.

وحذر الأنظمة الإقليمية من أن السياسة الاستراتيجية الأمريكية تقوم على الحسم المباشر أو غير المباشر، مشيرًا إلى أنه في حال تجاهل هذه الحقيقة، فقد تجد نفسها تحت النفوذ الأمريكي عاجلًا أم آجلًا.

ولفت البدري إلى أن التدخل الأمريكي في فنزويلا له بعد اقتصادي واضح، حيث سيؤثر على سوق النفط العالمي وإدارة الشركات الأمريكية لموارد الطاقة هناك، موضحا أن تأثير هذا التدخل على أسواق النفط العالمية الأخرى لا يزال غير محدد بالكامل، كما أضاف أن السيطرة على الموارد الطبيعية في فنزويلا، مثل النفط والذهب، ليست فقط لأهداف اقتصادية، بل تمثل محركًا أساسيًا للصراعات الجيوسياسية في المنطقة، مؤكدًا أن السياسة الأمريكية ترتبط دائمًا بالقوة الاقتصادية.

ولفت البدري إلى أن المجتمع الدولي لم يتخذ موقفًا موحدًا تجاه التدخل الأمريكي، مشيراً إلى أن روسيا كانت الدولة الوحيدة التي حاولت التعبير عن اعتراض واضح على هذه السياسات، في حين أن المنظومة الدولية بشكل عام تبدو منهكة وضعيفة التنفيذ، خصوصًا في حالات صدور قرارات عن مجلس الأمن والأمم المتحدة دون تطبيق فعلي، كما هو الحال في الشرق الأوسط وقضية فلسطين.

وأكد البدري أن الولايات المتحدة تتعامل مع أي تهديد – سواء أمني أو اقتصادي – بمنتهى الجدية، وأنها لن تسمح بوجود أزمات تهدد مصالحها الحيوية داخل نطاقها الجغرافي المباشر، وأن الاستراتيجية الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قائمة على الهيمنة ومنع بروز أي قوة منافسة على الساحة الدولية، سواء على صعيد الاقتصاد أو القوة العسكرية.

وختم البدري حديثه مؤكدًا أن الولايات المتحدة ستستمر على هذا النهج حتى تظهر صحوة عالمية حقيقية تعيد التوازن الدولي، وأضاف أن أي دولة تحاول تحدي النفوذ الأمريكي في مناطق حيوية مثل فنزويلا أو الكاريبي ستواجه سياسات صارمة وحازمة، تتراوح بين إدارة الأزمات عن بعد أو التدخل المباشر، وفق مصالحها الاستراتيجية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى