اخبار مميزةليبيا

العبود: ما حدث من مجلس الدولة انقلاب على التفاهمات والاتفاق السياسي

قال المحلل السياسي، أحمد العبود، إن خطوة مجلس الدولة الاستشاري المتعلقة بمفوضية الانتخابات تمثل انقلابًا صريحًا على التفاهمات والاتفاق السياسي القائم بين مجلسي النواب والدولة، محذرًا من أن هذه الخطوة تهدد مسار العملية الانتخابية في ليبيا.

وأضاف العبود في حديث لقناة “ليبيا الأحرار”، رصدته “الساعة24″، أن القرار يعكس خارطة التحالفات السياسية في طرابلس، مشيرًا إلى دور رئيس المجلس، محمد تكالة، الذي سبق أن انقلب على لجنة “6+6” بتشكيل لجنة جديدة، ما زاد من تعقيد المشهد السياسي وأثار المخاوف بشأن الالتزام بالتوافقات السابقة.

وأكد العبود، أن هذه التطورات تتعارض مع جوهر التفاهمات التي تمت في اجتماع بوزنيقة، الذي يمتد لأمد طويل، ويحدد التقسيم الجغرافي والسياسي للمناصب السيادية، بما في ذلك منصب محافظ مصرف ليبيا المركزي، ورئيس جهاز الرقابة، حيث كان من المتفق عليه أن تُوزع هذه المناصب بين الشرق والغرب والجنوب وفق التفاهمات السابقة.

وأشار العبود إلى أن الحديث عن كون البعثة الأممية هي الجهة الراعية للمسار السياسي يصطدم بالواقع، خاصة عند مقارنته بالخطوط العريضة للخطة التي قدمتها المبعوثة الأممية، ولا سيما ما يتعلق بإعادة تشكيل المفوضية العليا للانتخابات. وأضاف أن الهدف المعلن من هذه العملية، والمتمثل في التوجه إلى انتخابات تشريعية ورئاسية، يشكل جوهر العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، مع الإشارة إلى أن الانتخابات البلدية السابقة حظيت بإشادة واسعة، سواء من حيث التنظيم أو التأمين أو أداء المفوضية خلال هذه المسارات.

وأوضح العبود أن هناك مقترحًا مطروحًا حالياً يقضي بإمكانية تنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية المتزامنة دون وجود حكومتين، معتبرًا أن استمرار الحكومتين القائمتين لن يحقق التقدم الفعلي نحو الاستحقاق الانتخابي.

وشدد على ضرورة الخروج من دائرة التفاهمات السياسية الضيقة والاعتماد على خيار صندوق الاقتراع، مستشهدًا بالنجاحات التي حققها رئيس المفوضية العليا للانتخابات، عماد السايح، وفريقه في تنظيم الانتخابات البلدية، وهو ما يمكن البناء عليه كنموذج عملي.

وأضاف العبود أن هذا النموذج المقترح يتضمن إشراك السلطة القضائية ووكلاء وزارات الداخلية من الطرفين وممثلي المصرف المركزي والمفوضية العليا للانتخابات، بالتعاون مع البعثة الأممية، من أجل تنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية، مشيرًا إلى أن المفوضية أبدت استعدادها لتنفيذ هذا الاتفاق اعتبارًا من أبريل المقبل.

وأكد العبود أن البعثة الأممية لم تدعم أو تشير بأي شكل إلى مسألة المناصب السيادية ضمن طرحها الأخير، موضحًا أن هذا الملف لم يكن جزءًا من النقاش الأممي. وبيّن أن موضوع مصرف ليبيا المركزي، على وجه الخصوص، جاء في سياق سياسي لاحق للأحداث، مشيرًا إلى وجود تنازلات قُدمت من مجلس النواب، بمشاركة أطراف أخرى في بعض مراحله.

واستدرك العبود أنه لا يسعى إلى تحميل المسؤولية لمجلس الدولة وحده، لكنه رأى أن المجلس يبدو اليوم وكأنه انقلب على مجمل التفاهمات السياسية، مما يعزز الانقسام في المشهد السياسي الذي يعاني أصلاً من حالة استقطاب حاد.

وأوضح أن هذه التطورات قد تؤدي إلى تعميق الانقسام الجغرافي والسياسي، مشيرًا إلى أن رئيس المفوضية قد يتجه إلى المنطقة الشرقية لإدارة بعض الملفات الانتخابية، وهو ما قد ينعكس سلبًا على وحدة المسار الانتخابي في ليبيا.

ورأى العبود، أن الوضع الحالي ينذر بمزيد من الانقسام السياسي في ليبيا، مشدداً على أن مجلس النواب سبق أن تحمل مسؤوليات كبيرة، وقبل بالاتفاق السياسي مع مجلس الدولة، رغم أن هذا الاتفاق مثّل في جوهره تنازلاً عن جزء من صلاحياته التشريعية لصالح المجلس الآخر.

وأضاف العبود أن ما يحدث اليوم يُعد إغلاقًا لمساحات التوافق التي فُتحت سابقًا، وهو ما يهدد بإعادة الأزمة السياسية إلى نقطة الصفر مجددًا.

وأكد أن من الضروري أن يخرج الناطق الرسمي باسم مجلس النواب لتوضيح حقيقة ما جرى للرأي العام، خاصة في ظل الجدل الدائر حول بعض الاتفاقات الأخيرة. مشيراً إلى أن معالجة مثل هذه الخلافات تقع في المقام الأول على عاتق رئيس مجلس النواب أو هيئة الرئاسة، وقد تمتد لاحقًا إلى الأعضاء أنفسهم، مؤكدًا أن هذا يمثل المستوى الأول من الإشكال قبل الانتقال إلى جوهر الاتفاقات والسياسات المتفق عليها.

وتساءل العبود عن أسباب عدم تنفيذ الاتفاق على المناصب السيادية كحزمة واحدة كما نصّت التفاهمات، خاصة فيما يتعلق بالوظائف السيادية السبع، معتبرًا أن أي تعديل انتقائي يُفرغ الاتفاق من مضمونه ويضعف أثره السياسي.

وبينّ أن بعض الأطراف استشهدت بنصوص واردة في وثيقة الإحاطة، إلا أن ما طُرح من قبل الممثلة الأممية اقتصر فقط على سد الشواغر داخل مجلس المفوضية العليا للانتخابات، دون إعادة تشكيلها بالكامل، وهو ما وصفه بأنه تراجع واضح عن الفكرة الأصلية لإعادة بناء المفوضية، رغم النجاحات التي حققتها في تنظيم الانتخابات البلدية الأخيرة.

وأكد العبود أن الأزمة السياسية لا ينبغي اختزالها في تقييم ما قدمه كل طرف أو تحميل جهة بعينها مسؤولية التعطيل، داعيًا إلى التركيز على جوهر الاستحقاق الانتخابي. وأوضح أن التفاهمات بين مجلسي النواب والدولة بشأن قوانين الانتخابات التشريعية والرئاسية تمثل الحد الأعلى الممكن من التوافق السياسي في المرحلة الراهنة، وأن هذه القوانين جاهزة من حيث المبدأ.

وشدد العبود على أن من يحاول تحميل المفوضية أو مجلس النواب أو رئاسة المجلس مسؤولية عرقلة الانتخابات السابقة، يتجاهل حقيقة أن من عرقل الانتخابات هم من قادوا الاحتجاجات وهددوا المفوضية علنًا، مشيرًا إلى أن هذه التحركات كانت مدعومة من تيارات سياسية معروفة داخل المشهد السياسي الليبي، كما سعت بعض هذه الأطراف لتسويق نفسها دوليًا كجهات قادرة على تعطيل العملية السياسية بالكامل، محذرًا من خطورة هذا السلوك على مستقبل البلاد.

وتابع العبود مؤكدًا أن ما يحدث اليوم يعكس رغبة بعض الأطراف في عرقلة الوصول إلى الانتخابات التشريعية والرئاسية، مذكّرًا بأن المشهد السياسي شهد خلال السنوات الماضية تحولات عميقة، تحالفات جديدة وتفكك تحالفات قديمة. وأضاف أنه يعتقد بإمكانية إشراك مختلف التيارات السياسية، بما فيها تيار الإسلام السياسي، كشريك في السلطة أو في التسوية أو المصالحة الوطنية، مؤكدًا أنه لا يتبنى خطاب الإقصاء أو التجريم، لكنه شدد على أن الوقائع والمشاهدات المباشرة تظهر أن بعض الجهات كانت تقود الاحتجاجات وتوجه رسائل تهديد صريحة بعدم إجراء الانتخابات، وهو ما وصفه بأنه بعيد كل البعد عن التفاهمات السياسية.

وأردف: ليبيا أهدرت خلال أربعة عشر عامًا فرصًا حقيقية لبناء الدولة وتوحيد السلطة والمؤسسات، وإنتاج مصالحة وطنية جامعة، مؤكدًا أن هذه الفرص الضائعة انعكست سلبًا على واقع البلاد، فيما لا تزال الصراعات مستمرة في الجنوب، بينما بات حلم الدولة الليبية القوية القادرة على العبور إلى المستقبل محل شكوك واسعة.

وأشار العبود إلى أن استمرار السجالات والنقاشات الحالية، التي وصف جزءًا كبيرًا منها بغير المنتج، لن يقود إلى حلول حقيقية، لافتًا إلى أن الطرح الذي يقدمه رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، ينطلق من منطق واضح يقوم على أن الجميع مطالب بالذهاب إلى الانتخابات وإنهاء المرحلة الانتقالية، بما في ذلك البعثة الأممية التي تؤكد على مبدأ “الملكية الليبية” للمسار السياسي.

وأكد العبود أن استمرار الحكومات الحالية والصراعات السياسية المصاحبة لها، إلى جانب المناكفات المتبادلة، جعل فكرة الذهاب إلى سلطة تنفيذية موحدة أمرًا بالغ الصعوبة في ظل التحالفات القائمة، مما يستوجب البحث عن نموذج بديل وواقعي يقود مباشرة إلى الانتخابات.

وتطرق العبود إلى ملف الاستفتاء على الدستور، مبينًا أن المعارضة لهذا المسار لا تقتصر على أطراف سياسية فحسب، بل تشمل مكونات اجتماعية لم تشارك في صياغة مشروع الدستور، من بينها مكونات الطوارق والأمازيغ، إضافة إلى وجود ملاحظات عديدة على الوثيقة، التي اعتبرها البعض وثيقة إقصاء سياسي.

وأشار إلى أن تمرير مشروع الدستور وفق آلية (50+1) في كل دائرة يظل أمرًا شبه مستحيل، متوقعًا سقوط هذه الصيغة عمليًا عند التطبيق. كما استعرض العبود السيناريوهات المحتملة، موضحًا أن السيناريو الأول يتمثل في تأزيم الوضع، قد يدفع السايح نحو المنطقة الشرقية مستندًا إلى شرعية مستمدة من آخر سلطة منتخبة والإعلان الدستوري والاتفاق السياسي، وحتى من بعض مواقف البعثة الأممية.

أما السيناريو الثاني، فيعتمد على انتظار موقف المجتمع الدولي وترقب البيان المرتقب من المبعوثة الأممية، التي أكدت أكثر من مرة أن الخطوات الأحادية لن تقرب البلاد من الانتخابات التشريعية والرئاسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى